في جملة واحدة

المهاتما المزعومون هم «سادة الحكمة» الذين يَزعم الثيوصوفيست أنهم يَحكمون العالم سرًّا من «المحفل الأبيض العظيم»، وعلى دعوى الاتصال بهم بُنيت عقيدة الحركة كلِّها؛ ثم تطوّرت في طور بيسانت إلى مشروعٍ مسيحانيّ يَصطنع «معلّم العالم» المنتظَر في الفتى كريشنامورتي — فهي عند غينون نموذجُ السند المزعوم وتوظيف الروحانية في السياسة.

الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)

تلخيصٌ لموقف غينون في «الثيوصوفيسم: تاريخ ديانة زائفة» (١٩٢١)، بصياغة المحرّر، مستندًا إلى الوقائع التي يَسوقها الكتاب.

تَقوم القضية على ثلاث طبقاتٍ متتالية:

  1. السند المزعوم: بُنيت العقيدة على تعاليم منسوبة إلى مُعلّمَين هندوسيَّين، «موريا» و«كوت هومي»، زعمت بلافاتسكي اتصالًا روحيًّا بهما. وهؤلاء «المهاتما» عند الثيوصوفيست أعضاءٌ في أعلى درجات «المحفل الأبيض العظيم» — تسلسلٌ هرميٌّ خفيٌّ يَحكم العالم. وعند غينون هذا سندٌ بلا مَسنَد: مُعلّمون يُسمع بهم ولا يَثبت وجودُهم في العيان، ودعاوى متناقضة لا تَتّفق (كزعم أنّ لكوت هومي نحو ثمانمائة حياة سابقة).
  2. التزوير: يَسوق غينون وثائق تَكشف أنّ «رسائل المهاتما» ومراسلاتهم من صناعةٍ بشرية — لا خوارق — فتَنهار دعوى الاتصال من أساسها (انظر ملفّات القضية في صفحة الكتاب).
  3. المشروع المسيحانيّ: في طور بيسانت تَجاوزت الدعوى حدّ الأسرار إلى اصطناع مُخلِّص: «اكتشف» ليدبيتر في الفتى كريشنامورتي مركبَ «معلّم العالم» المنتظَر، فأُنشئ حوله «تنظيم نجمة الشرق»، وصُنعت له رمزيةٌ كاملة (في «حياة ألكيون» سُمّي المهاتما بأسماء كواكب). ثم حلّ الفتى التنظيم بيده سنة ١٩٢٩، فانهار المشروع.

ويُبرز غينون أنّ هذا المشروع لم يَكن روحانيًّا خالصًا، بل مشتبكًا بالسياسة — لا سيّما في الهند البريطانية ومحيطها — فهو من أوضح أمثلة توظيف الروحانية في أغراضٍ دنيوية.

شواهد من غينون

“و«المهاتما» أو «سادة الحكمة» هم أعضاء في أعلى درجة من «المحفل الأبيض العظيم»، أي التسلسل الهرمي الخفيّ الذي، حسب الثيوصوفيست، يحكم العالم سراً.” — (الثيوصوفيسم: تاريخ ديانة زائفة)

“وفي وقت لاحق، زُعم أنه نال التحقق الكامل خلال تجسيداته السابقة؛ لأنّ «الأساتذة»، على عكس الناس العاديين، يحتفظون بذكرى جميع حيواتهم (ويقول البعض إنّ كوت هومي كان لديه حوالي ثمانمائة حياة)، ويبدو من الصعب التوفيق بين هذه التأكيدات المختلفة.” — (الثيوصوفيسم: تاريخ ديانة زائفة)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

قلم المحرّر هذه القضية هي العمود الفقريّ لكتاب الثيوصوفيسم، وموقعها في معجم الموسوعة أنها تُجسّد ما يُحذّر منه الإسلام في باب آخر الزمان: ادّعاءُ سندٍ خفيٍّ لا يُرى، واصطناعُ مهديٍّ منتظَر بلا حجّة. فالميزان عند الشيخ مفتاح أنّ السند الحقّ سلسلةٌ متّصلة معلومةٌ إلى مَنبعٍ ثابت — الوحي والشريعة — لا اتصالٌ مزعومٌ بمعلّمين لا وجود لهم.

وأخطرُ طبقات القضية المشروعُ المسيحانيّ، فهو صورةٌ معاصرة من صور الدجل الذي يَلبس الحقّ بالباطل؛ ولهذا يَتّصل مباشرةً بـالروحانية المنكوسة، إذ تَنقلب «الروحانية» إلى صناعةِ مُخلِّصٍ زائف. وفضيحةُ المشروع بيد كريشنامورتي نفسِه (١٩٢٩) شاهدٌ على أنّ الباطل المصطنَع يَحمل بذرة انهياره.

مثال يقرّب المعنى

تأمّل شركةً تَبيع أسهمًا في منجمٍ لا وجود له:

  • تُبرز «خرائط» و«تقارير خبراء» و«رسائل من المهندسين في الموقع» — كلُّها مصنوعة في المكتب.
  • ويُقنع المساهمون أنّ خلف الشركة سلطةً خفيّة من كبار الخبراء تُديرها.
  • ثم تُعلن أنها على وشك تعيين «المدير الموعود» الذي سيُضاعف الأرباح.

هكذا قضية المهاتما عند غينون: منجمٌ لا وجود له (المعلّمون)، ووثائقُ مصنوعة (الرسائل)، وسلطةٌ خفيّة مزعومة (المحفل الأبيض)، ومُخلِّصٌ موعود (معلّم العالم). ويوم رفض «المدير الموعود» الدورَ وكشف أنه لا منجم، انهارت الشركة. فالعبرة: السند الذي لا يُرى ولا يَثبت ليس سندًا، والمُخلِّص الذي يُصنع بالدعاية ليس مُخلِّصًا.

صلات