في جملة واحدة
شروتي وسمريتي يحددان عند غينون مرتبتين في السلطة التراثية الهندوسية: الشروتي هو المسموع مباشرة، أي الإدراك الإلهامي أو الوحي بالمعنى الهندوسي، والسمريتي هو المحفوظ المنقول، أي الصياغات والشروح والتطبيقات التي تستمد مشروعيتها من موافقتها للشروتي.
الشرح الميتافيزيقي
يستعمل غينون هذا التمييز ليمنع القارئ الغربي من التعامل مع النصوص الهندوسية كأنها طبقة أدبية واحدة. الفيدا ليس “كتابا” فقط، بل معرفة أصلية فوق بشرية. لذلك تكون نصوصه من شروتي: ما يسمعه الرشي أو الحكيم الملهم من حيث الاتصال بالمبدأ، لا ما يؤلفه فرد.
أما سمريتي فهي طبقة تالية: دهارما-شاسترا، قانون مانو، البورانات، الإيتيهاسا، براهما-سوترا، والتعليقات التي تصوغ التطبيقات العملية أو الاجتماعية أو المدرسية. هذه ليست بلا سلطة، لكنها سلطة مشتقة: قوتها لا تأتي من اسم مؤلفها، بل من كونها تعبيرا صحيحا عن النظام الذي يقرره الأصل.
التمييز هنا ليس تاريخيا فقط، بل معرفي: الشروتي يقابل الحدس الفكري المستبصر الخالص، والسمريتي يقابل الوعي التأملي حين يطبّق المبادئ على مراتب دون الميتافيزيقا الخالصة.
موضعه في الكتاب
في «دراسات حول المذاهب الهندوسية» يظهر هذا التمييز في مواضع حاسمة:
- فصل قانون مانو: لأن دهارما-شاسترا ليست من الشروتي بل من السمريتي، مع بقائها مشروعة إذا وافقت قانون مانو والنظام الطبيعي السوي.
- فصل الميمانسا: لأن الميمانسا تدرس معنى الشروتي وتستخرج لوازمه العملية والفكرية.
- فصل ناما-روبا: لأن “الاسم” والصوت والسماع يفسرون لماذا يكون الوحي “مسموعا” قبل أن يكون مكتوبا.
- صفحة الأوبانيشاد: لأنها طبقة شروتي تقوم عليها الفيدنتا.
شواهد من غينون
“النصوص الفيدية إلى “شروتي”، وهو مصطلح يعني أنّ هذه النصوص ثمرة الإلهام المباشر” (دراسات حول المذاهب الهندوسية، فصل قانون مانو)
“التمييز بين “شروتي” و”سمريتي” يضاهي في الأساس التمييز بين الحدس الفكري المستبصر الخالص الفوري” (دراسات حول المذاهب الهندوسية، فصل قانون مانو)
“هذا التمييز بين المرجعية الأساسية والمرجعية المشتقة في المجال التراثي هو التمييز بين “شروتي” و”سمريتي"" (دراسات حول المذاهب الهندوسية، فصل الميمانسا)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
يفتح هذا التمييز بابا إسلاميا دقيقا، لكن ينبغي ضبطه: لا نقول إن الفيدا هي القرآن، ولا إن السمريتي هي السنة بمعنى التطابق العقدي. نقول إن البنية الوظيفية متقاربة:
- القرآن وحي مسموع متلو، وسلطته أصلية.
- السنة والإجماع والفقه تطبيقات مشروعة بقدر اتصالها بالأصل.
- الشروتي في الهندوسية يؤدي وظيفة معيارية شبيهة: منه تنبثق المشروعية، وإليه يرجع التصحيح.
ولهذا كان السماع مركزيا في التراثين: القرآن يقرأ ويتلى ويسمع، والشروتي معناها الأصلي المسموع. والفرق الجوهري أن المسلم يثبت الوحي القرآني قطعا، ويتعامل مع بقايا الوحي في التراثات الأخرى قراءة بنيوية لا التزاما شرعيا.
والآية القرآنية الجامعة لهذا المعنى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف:٢٠٤). فالتلقي الأول هنا سماع وإنصات، قبل أن يكون بحثا أو كتابة.
مثال يقرّب المعنى
تأمل الفرق بين الكلام المسموع من الشيخ وبين دفتر التلميذ:
- الشيخ يقرر الأصل، بصوت حي، في مقام تعليم.
- التلميذ يكتب ويفسر ويرتب.
- الدفتر نافع إذا حفظ كلام الشيخ وطبقه، لكنه لا يصبح أصلا مستقلا.
هذا مثال تقريبي: الشروتي أصل مسموع، والسمريتي حفظ وتطبيق. فإذا انقطع التطبيق عن الأصل صار رأيا بشريا، وإذا وافقه صار امتدادا تراثيا.
صلات
- النصوص: الفيدا؛ الأوبانيشاد.
- المدارس والتطبيقات: الدارشانات الستة؛ الفيدنتا؛ الميمانسا.
- النظام الاجتماعي: مانو وقانون الدورة؛ دهارما؛ فارنا.
- الموازي الإسلامي البنيوي: القرآن من حيث السماع والتلاوة؛ السنة والفقه من حيث الشرح والتطبيق، مع بقاء التمييز العقدي محفوظا.