التعريف

الفيدنتا = «نهاية الفيدا» بمَعنى مُزدوَج: الخاتمة (الجزء الأَخير من نُصوص الفيدا، أي الأَوبانيشاد) والغاية (المَقصد الأَعلى من المعرفة التراثية). هي الميتافيزيقا الخالصة في الهندوسية، أحد الدارشانات الستّ، تَتأَسَّس على الأوبانيشاد + «براهما-سوترا» لبادارايانا، وشَرَحها شانكاراشاريا (تَيار الأَدفايتا = اللاثنائية). تَنفي عنها الفلسفية والدّينية الغَربية. هي الإطار النَّظري المُؤسِّس الذي يَكتب منه غينون كلّ ميتافيزيقاه، ومن جانب البِنية، يَلتقي تَوازيًا مع الأكبرية في الإسلام.

الشرح الميتافيزيقي

يَفتح غينون كتابه «الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا» بفصل كَبير يُؤَسِّس فيه ما هي الفيدنتا. يَبني سَبع نُقَط:

  1. معنى الاسم: «فيدنتا» (Vedānta) = «فيدا» (المعرفة المُقَدَّسة) + «أَنتا» (نهاية/غاية). «يَنبغي فَهم عبارة نهاية الفيدا بالمَعنى المُزدوج للخاتمة وللهَدف؛ فمن ناحية تُشكّل الأَوبنشاد الجزء الأَخير من النصوص الفيدية، ومن ناحية أُخرى، فإنّ ما يَتم تَعليمه هناك… هو الهَدف النهائي والأَسمى للمعرفة التراثية بأكملها».

  2. الفَرق عن الميمانسا الأُولى: في الهندوسية «ميمانسا» (تَأمّل، دراسة) نَوعان: بُورفا-ميمانسا (الأُولى، تَتعلَّق بالعَمل والشَّعائر) وأُوتَرَا-ميمانسا (الثانية، تَتعلَّق بالمعرفة الخالصة). والثانية = براهما-ميمانسا = الفيدنتا.

  3. براهما-سوترا = المَتن: «أَمثال بادارايانا» (المعروف أيضًا بفياسا) هي مَتن الفيدنتا الكَلاسيكي. تُلَخِّص ما في الأوبانيشاد في صِيغ مُكَثَّفة. تَنتمي إلى صنف «سمريتي» (مَنقول)، لكنّ سُلطتها مُستمدّة من الأَوبانيشاد التي هي «شُروتي» (إدراك مُباشر).

  4. الشَّرحان الأَكبران:

    • شانكاراشاريا (القرن الثامن): شَرح أَدفايتي (لاثنائي). آتما = براهما قَطعيًّا. التَّمييز الظاهر بين الفَرد والمُطلَق وَهم نِسبي.
    • رامانوجا (القرن الحادي عشر): شَرح فيشيشتادفايتي (لاثنائي مُؤهَّل). آتما يَنتمي إلى براهما لكنّ بَيْنهما تَمايزًا مُحدَّدًا.
    • غينون يُرَجِّح شانكاراشاريا قاطعًا: «أَعمق ويَذهب إلى أَبعد».
  5. ليست فلسفة ولا دينًا: «الفيدنتا، خلافًا للآراء الأَكثر شُيوعًا بين المُستشرقين، ليست فلسفة ولا دينًا». غينون يَنزع الإطارَيْن لأنّهما غَربيان:

    • ليست فلسفة: لأنّ الفلسفة عَقل نَظري بَشري، والفيدنتا مَعرفة مُتحقَّق بها.
    • ليست دينًا: لأنّ الدّين عند الغَرب «شأن إيمان» مَجرَّد، والفيدنتا مَعرفة فاعلة.
  6. الإطار النَّظري المُؤسِّس: غينون يَستعمل الفيدنتا كـالقاعدة النَّظَرية التي منها يَكتب «الميتافيزيقا الشرقية» و«مَراتب الوجود المُتعدّدة» وغيرهما. ليس مَوضوعًا فقط، بل زاوية رُؤية.

شواهد من غينون

“ويُطلق على “الميمانسا الثانية”أيضا اسم “براهما-ميمانسا”، لارتباطها بشكل جوهري ومباشر بـ”المعرفة الإلهية” (براهما-فيديا)” (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا، الفصل الأول)

“وهذا يعني، وفقًا للمعنى الاشتقاقي لهذا المصطلح، “نهاية فيدا"" (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا، الفصل الأول)

“ينبغي فهم عبارة “نهاية الفيدا” بالمعنى المزدوج للخاتمة وللهدف” (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا، الفصل الأول)

“ما يتم تعليمه هناك، على الأقل إلى الحد الذي يمكن تعليمه، هو الهدف النهائي والأسمى للمعرفة التراثية بأكملها” (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا، الفصل الأول)

“أننا مع ‘فيدانتا” في مجال الميتافيزيقا الخالصة” (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا، الفصل الأول)

“وجهة نظر “شانكاراشاريا” أعمق وتذهب إلى أبعد من وجهة نظر “رامانوجا"" (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا، الفصل الأول)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

التَّوازي البُنيوي بين الفيدنتا والأكبرية في الإسلام في غاية الدقّة. كلتاهما:

  • ميتافيزيقا خالصة لا فلسفة ولا دين بالمَعنى الغَربي.
  • مَتنها صياغات مُكثَّفة: «براهما-سوترا» في الفيدنتا، «الفتوحات المكية» و«فصوص الحكم» في الأكبرية.
  • شَرَحها قُطب: شانكاراشاريا في الفيدنتا، ابن عربي في الأَكبرية.
  • تَعتمد على مَنبع مُتعالٍ: الأَوبانيشاد (شُروتي) في الفيدنتا، القرآن (وَحي) في الأَكبرية.
  • تَجمع المعرفة والتَّحقّق: ليست نَظَريات بل سُلوكٌ معرفي.

والآية القرآنية التي يَلتقي عندها هذا الفَهم: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة:٢٦٩). الحِكمة هنا بمَعناها الميتافيزيقي يَلتقي بنُيويًا بـ«جنانا» (المعرفة) الفِيدنتية. والحَديث: «الحكمة ضالّة المؤمن، أَنّى وَجَدها فهو أَحقّ بها»، وهذا تَوجيه نَبَويّ يُجَوِّز للمُسلم أن يَقرأ الفيدنتا قراءة استفادة، دون أن يَنتمي إليها مَذهبيًّا.

والاختيار الذي يَختاره غينون (تَفضيل شانكاراشاريا على رامانوجا) يَلتقي بُنيويًّا مع تَفضيل ابن عربي في الإسلام على أصحاب «التَّشخيص» الفلسفي. وفي كلتا الحالَتَيْن: التَّيار الذي يُنَزِّه الذات أَشدّ تَنزيهًا، يَنفذ أَبعد ميتافيزيقيًّا.

ومن أَدقّ ما يُحذِّر منه الشيخ مفتاح في كلّ تَعليقاته: لا يَجوز للمسلم أن يَدخل الفيدنتا «مَذهبًا». التَّوازي البُنيوي لا يَعني التَّماثل العَقدي. كلّ تَراث له سَنده. والمسلم يَستفيد من الفيدنتا في فَهم بنيتها، لكنّه لا يَستبدل بها سَنده الإسلامي. هذا هو «تَفاهم لا اندماج» الذي يُؤَكّده غينون في كلّ كتاب من كُتبه.

ويجب كذلك تمييز الفيدنتا الأصيلة عن الفيدنتا المستغربة التي نقدها غينون في «دراسات حول كبرى الحضارات»: حركات إصلاحية ودعوية جعلت الفيدنتا دينا أخلاقيا أو فلسفة مواسية، مكيّفة للذوق الغربي، لا ميتافيزيقا تحقق. هذا التمييز يمنع قراءة فيفيكاناندا وبرلمان الأديان بوصفهما ناطقين باسم الفيدنتا كما يفهمها غينون.

صلات

الفيدنتا هي الإطار النَّظَري الجامع للهندوسية الميتافيزيقية. تَنبثق منها كلّ مَفاهيمها المركزية: آتما، براهما، مايا، ناما-روبا، موكشا. وفي السلوك اليوغا، وعند بُلوغ الغاية جيفان-مُكتا. والشَّارح الأَكبر هو شانكاراشاريا. وهي مَوازية بُنيويًّا للأكبرية في الإسلام، وتَعتمد على الأَوبانيشاد و«براهما-سوترا».