في جملة واحدة

منطق الطير عند غينون ليس صورةً أَدبيةً بَل رَمز للّغة الملائكية التي يَنالها من رَجَع إلى مَركز المرتبة الإنسانية وقَهَر التنّين. الطير في القرآن وَصْفُها كصَفّ الملائكة ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾، وسُليمان عليه السلام نال ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ بعد وراثَته داود؛ وصُورة هذه اللغة في عالم البَشَر هي الكلام الموزون (الشعر المُقدَّس)، والذِّكر الصوفيّ الموزون من جنسه.

الشرح الميتافيزيقي

يَكتب غينون فصلًا بعنوان «منطق الطير» في «التصوّف الإسلامي المقارن» (الباب الثالث عشر، نُشر أصلًا في «برقع إيزيس» نوفمبر ١٩٣١، وهو الباب السابع من «رموز العلم المقدّس»). يَفتح الباب بثلاث آيات: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ (الصافات:١-٣). ويَبني ستّ نقاط:

  1. الطير رَمز للملائكة: «الطيور تُؤخَذ في كثير من الأحيان كرَمز للملائكة، أي بالتحديد كرَمز للمقامات العليا». والآية الأولى ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ «تَدلّ على تَشكيل المراتب السماوية أو المقامات الروحانية».

  2. منطق الطير ثَمرة قَهر التنّين: «الانتصار على التنّين يُفضي مُباشرة إلى الفَوز بالخلود… وهذا الفَوز بالخلود يَستلزم بالأَساس الرجوع إلى مَركز المرتبة الإنسانية، أي إلى النقطة التي يَحصل فيها الاتصال بالمراتب العليا للكائن، وهذا الاتصال يَتمثَّل في فَهم منطق الطير». فمنطق الطير ليس عِلمًا يُكتسب من خارج، بل حالٌ يَنفتح بعد التَّحقّق المركزي.

  3. سُليمان عليه السلام نَموذج: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ (النمل:١٦). سُليمان وَرِث داود، فنال ميراث المعرفة، فعَلِم لُغة الطير. وفي الإنجيل نَموذج آخر: «طُيور تأتي من السماء لتَستقرّ فوق أَغصان الشجرة» (الشجرة المحورية).

  4. «الذكر» الموزون مُقابل «مانترا»: الآية الثالثة ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾: «ذكر تَنطبق في التصوّف الإسلامي على صِيغ موزونة مُطابقة بالضبط للمانترا الهندوسية، وهي صِيغ يَهدف تَكرارها إلى إبراز تَناسق منسجم متناغم بين مختلف عناصر الكائن، وإلى إنشاء اهتزازات تُتيح انعكاساتها فَتح اتصال مع المقامات العالية، وهذا هو بصفة عامة السبب الجوهري والأَصلي لِوُجود الشعائر».

  5. آدم في الجنة تَكلّم بالنَّظم: «جاء في أَثَر إسلامي أنّ آدم عليه السلام كان في الجنة الأرضية يَتكلّم بالنَّظم، أي بالكلام الموزون، والمقصود هنا اللُّغة السريانية التي تَكلّمنا عنها في بَحثنا السابق حول علم الحروف، وهي التي يَنبغي أن تُعتبر بحقّ اللغة التي تُترجم مباشرة عن الإشراق الشَّمسي والملائكي كما هو مُتجلٍّ في مَركز المرتبة الإنسانية». الشعر الأَصلي كان مُقدَّسًا، ثُمّ انحَطَّ تدريجيًّا.

  6. «الشاعر» = «فاتس» = العَرّاف الأَصلي: «الشاعر نَفسه مُترجم اللغة المقدّسة التي من خلالها يَستَشِفّ الكلام الإلهي كان يُدعى فاتس، وهي كلمة تُميّزه كشَخص مَوهوب مَخصوص بإلهام نَبَوي إذا صحّ القول، من الإنباء الروحاني لا من النبوّة بالمعنى الشرعي». ثُمّ انحطَّت اللُّغة فصار «فاتس» مُجرَّد عَرّاف سُوقي، و«كَرمن» (الشعر اللاتيني) صار «شَرم» أي تَعويذة سحرية. غينون يَرى السحر «آخر أَثَر لتراثيات مُنقرضة».

شواهد من غينون

“في العديد من التراثيات يتردد ذكر مسألة لغة مكتنفه بالأسرار تدعى: “منطق الطير”, وهي طبعا تسمية رمزيه, لأنّ نفس الأهمية المعطاة إلى معرفة هذه اللغة كميزة مخصوصة بالعرفان الروحاني السامي, لا تسمح بأخذها بالمعنى الحرفي” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الثالث عشر: منطق الطير)

“إنّ الطيور تؤخذ في كثير من الأحيان كرمز للملائكة, أيْ بالتحديد كرمز للمقامات العليا” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الثالث عشر)

“الانتصار على التنين يُفضي مباشرة إلي الفوز بالخلود ممثلا بشيء مّا كان التنين يمنع الاقتراب منه, وهذا الفوز بالخلود يستلزم بالأساس الرّجوع إلى مركز المرتبة الإنسانية” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الثالث عشر)

“كلمة “ذكر” التي تنطبق في التصوف الإسلامي على صيغ موزونة مطابقة بالضبط للـ “مانترا”الهندوسية, وهي صيغ يهدف تكرارها إلى إبراز تناسق منسجم متناغم بين مختلف عناصر الكائن” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الثالث عشر)

“هذا كما نشاهد, يرجع بنا مباشرة إلى ما ذكرناه في البداية حول “منطق الطير” الذي يمكن أيضا أنْ نسمّيه “لغة الملائكة"" (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الثالث عشر)

“جاء في أثر إسلامي أنّ آدم كان في الجنة الأرضية يتكلم بالنظم, أيْ بالكلام الموزون, والمقصود هنا هذه “اللغة السريانية” التي تكلمنا عنها في بحثنا السابق حول “علم الحروف"" (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الثالث عشر)

“ومع هذا فلم يكن الشعر في الأصل هذا “الأدب” التافه الذي آل إليه, بفعل انحطاط يفسره المسار الهابط للدورة البشرية, بل كان له طابع مقدس حقيقي” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الثالث عشر)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

يَكتب الشيخ مفتاح في الحاشية تَعقيبات تَفصيلية على هذا الباب، وأَهمّها ثلاث ملاحظات:

أوّلًا، يَلفت إلى أنّ كلمة «الطير» ومُشتقّاتها وَرَدت في القرآن ٢٨ مرّة، أي بعَدد حروف اللغة العربية. هذه نُكتة عَدَدية بَالغة الدلالة: الطير في القرآن مَعدودة بعَدد الحروف، وهذا يَلتقي مباشرة بفكرة غينون أنّ منطق الطير صورة من علم الحروف. الشيخ يَجعل الإحصاء القرآني بُرهانًا على ما يَصفه غينون.

ثانيًا، يَستعرض كيف اقتَرَن ذِكر الطير في القرآن بكلّ نبيٍّ من أَنبياء العرفان: إبراهيم (إحياء الطير في البقرة:٢٦٠)، داود (التَّسبيح مع الجبال في الأنبياء:٧٩)، يوسف (الطير تأكل من خبز فوق رأس صاحب السجن في يوسف:٤١)، عيسى (خَلق الطير من الطين في آل عمران:٤٩)، وسُليمان (مَنطق الطير في النمل). وأَفرَد منهم الطير الأَبابيل حارسة الحرم في سورة الفيل، والغراب الذي علَّم ابن آدم القاتل (المائدة:٣١)، وهُدهُد سُليمان الذي هدى بلقيس.

ثالثًا، وهو أَدقّ ما في تَعقيبه، يَنقل عن السيرة المحمدية أنّ قُريشًا حين أَرادت إعادة بناء الكعبة قبل البَعثة بخمس سنوات، مَنعهم من الكنز ثُعبان في جُبٍّ بداخلها، حتى جاء طائر فاختطفه وأَخرجه. الثعبان هنا التنّين، والطائر الذي قَهَره هو ما يَفتح طريق المركز. الكعبة مَركز المرتبة الإنسانية، وتَجديد بنائها يَتطلَّب قَهر التنّين بالطير. هذه نُكتة لا يَذكرها غينون، لكنّ الشيخ يَجعلها شاهدًا إسلاميًّا مباشرًا على نَمط الانتصار على التنّين.

وفي الفقرة التاسعة من حاشيته يَختم بمصطلح صوفي مُهمّ: «الباز الأشهب» الذي يُلقَّب به الشيخ عبد القادر الجيلاني، وأنّه «يُشير إلى مَقام من أَعلى مَقامات الولاية». الجيلاني صَوفيّ يَتسمّى بطائرٍ جارح، تأكيدًا على أنّ مَقام الوَلاية بالتحديد يُرمَز إليه بالطير، تمامًا كما يَصف غينون.

والآية الأَكبر التي يَلتقي عندها غينون والشيخ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ… قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ﴾ (البقرة:٢٦٠). الطير الأربعة هنا في تَفسير الصوفية يَرمزون لمَلَكات الكائن (العَقل، الوَهم، الخيال، الحسّ)، وذَبحُهم ثُمّ إحياؤهم تَجريدٌ ثُمّ إعادة تَركيب على المركز. ولذلك إبراهيم نَموذج لاسترداد منطق الطير الأَصلي.

مثال يقرّب المعنى

تَأمّل ثلاث طبقات لفَهم «منطق الطير»:

  1. الطبقة الحَرفية: مَن يَفهم أنّ سُليمان كان يَسمع الطيور تَتكلّم باللغة العربية. هذا فَهم العَامّ، وفيه نَصيب من الصدق (لأنّ الله قَدير)، لكنّه ليس عُمق المعنى. لو كان هذا فقط، فأين عَجَب سُليمان وقَولُه ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾؟ التَّرجمة بَيْن لُغَتَيْن لا تَستحقّ كلّ هذا الفَضل.

  2. الطبقة الرَّمزية: مَنطق الطير هو إدراك ما تَقوله الكائنات في تَسبيحها للحقّ، كما في ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (الإسراء:٤٤). فمن نال منطق الطير كأنّه فُتح له سَمعٌ أَعمق، يَسمع به ما لا يَسمعه غيره. هذا فَهم الخاصّة، ومنه فَهم سُليمان لِحديث النَّمل (﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾) والهُدهد (﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾).

  3. الطبقة المَركزية: مَنطق الطير هو اللغة الفِطرية الأُولى، الكلام الموزون الذي تَكلّم به آدم في الجنة قبل الهُبوط. هي اللغة قبل التَّعدّد البابلي، قبل تَشتُّت الأَلسنة. وهي لُغة لا تَنفصل عن المُسمّى، فكلّ اسم فيها مُلتصق بحقيقته. ومن وَصَل إلى مَركز المرتبة الإنسانية يَسترجع هذه اللغة، ليس كمَهارة، بل كحَالة. ومن هنا الشِّعر المُقدَّس في كلّ التراثيات: عَصا لاسترداد هذه اللُّغة لِما بَقِيَ من الإنسانية.

والذِّكر الصوفي «لا إله إلا الله» موزونٌ على إيقاع مَخصوص بالضبط لهذا السبب: حين تَنزل الأصوات على الإيقاع المَوزون، تَعود فيها ذَبَذبة الفطرة. كلّ صوفي يَذكر بصَوت موزون يَسترجع طَرَفًا من منطق الطير. ولذلك القرآن نَفسه مَنزَّل في كَلام موزون، له فَواصِل لا تَخضع للنظم العَروضي البَشَري لكنّها أَدقّ منه.

صلات

  • الكتاب المؤسِّس: التصوف الإسلامي المقارن (الباب الثالث عشر: منطق الطير)؛ رموز العلم المقدّس (الباب السابع منه، حيث نُشر النصّ أصلًا).
  • المفاهيم المُترابطة: علم الحروف (لُغة آدم السريانية الفِطرية)؛ الذِّكر الموزون (الذي هو مانترا إسلامية)؛ القُطب (حامل الفَتح اللُّغوي)؛ الفطرة الأصلية (التي تَستلزمها هذه اللُّغة)؛ التنّين (الذي يَجب قَهرُه أَوّلًا قبل الفَوز بالخلود).
  • الرموز المتعلِّقة: الطير (رَمز المَقامات العُليا)؛ التنّين (الذي يَحرس الكَنز في الكعبة)؛ شَجرة المحور (التي يَستقرّ عليها الطير)؛ الكعبة (التي قَهر فيها طَيرٌ ثُعبانًا قُبيل البَعثة).
  • الأَنبياء المرتبطون بالطير: سُليمان (مَنطق الطير، البقرة:٢٦٠، النمل)، داود (التسبيح مع الطير، الأنبياء:٧٩)، إبراهيم (إحياء الطير الأَربعة)، عيسى (خَلق الطير من الطين)، يوسف (الرؤيا).
  • الموازي الأكبري: «رسالة الطير» للغزّالي (ت ٥٠٥هـ)؛ «مَنطق الطير» لِفريد الدين العطّار؛ كتاب «الباز الأشهب» للجيلاني؛ مَنزل القُطب الفرد عند ابن عربي.
  • مَنزل أكبري: الباب ١٩٨ من «الفتوحات» في عِلم النَّفَس وَأَنواعه (يُفصِّل ابن عربي علاقة الكَلام الموزون بالملائكة)؛ والباب ١٠٧ في مَنزل تَسبيح الكائنات.
  • الموازي المقارن: غارودا (العُقاب) في الهندوسية يَقتل الناغا (الثعبان)؛ سيجفريد في الأَسطورة الجَرمانية يَفهم لُغة الطير بعد قَتل التنّين؛ سُلَّم يَعقوب في التَوراة (يَنزل عليه الملائكة).
  • المرجع القرآني: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ (الصافات:١-٣)؛ ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ (النمل:١٦)؛ ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (الإسراء:٤٤)؛ ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾ (الملك:١٩).