في جملة واحدة
علم الحروف عند غينون ليس عِلمًا لُغويًّا فقط، بل علم تَراثي مَركزي يَنبني على كَون «العالم كتاب مَسطور بحروف هي الأَعيان الثابتة في العِلم الإلهي». وتَنزل هذه الحروف بـ«النَّفَس الإلهي» (نَفَس الرحمن) لتُبدِع العالم الظاهر. وهو في القَبّاله العبرية (سِفر يصيرا) يُماثل ما هو في التصوّف الإسلامي عند ابن عربي في الفتوحات، لأنّ العربية والعبرية لُغتان مُتلائمتان لهذا العِلم.
الشرح الميتافيزيقي
يَكتب غينون فصلًا بعنوان «علم الحروف» في «التصوّف الإسلامي المقارن» (الباب الحادي عشر، نُشر أصلًا في «برقع إيزيس» فبراير ١٩٣١). يَبني فيه ستّ نقاط:
-
اللغة المُقدَّسة الأَصلية: «اللغة الآدمية» التي كان يَتكلّم بها آدم عليه السلام هي «اللغة السريانية»، التي «لا علاقة لها مع البلاد المُسمّاة الآن باسم سوريا»، وهي «لُغة الشمس الإشراقية». ومنها تَفرَّعت اللغات المُقدَّسة الأخرى (العربية، العبرية، السنسكريتية) كتَكييفات مَشروعة. كلّ لُغة مُقدّسة «من إلهام مَن يُوحى إليهم»، أمّا اللغة الأصلية الأولى فأَصلها «غَير بَشَري».
-
العالم كتابٌ مَسطور: «يَعتبر سيدي محي الدين بن العربي في الفتوحات المكية العالم كأنّه مَرموز في كتاب». حروف هذا الكتاب «مُسطَّرة مبدئيًّا في نفس الآن بلا انقسام بالقَلَم الإلهي». و«الحروف العاليات» هي الماهيّات الأَزلية أو الأَعيان الثابتة في العِلم الإلهي، وكلّ حَرف هو في نفس الوقت عَدَد، وهنا يَلتقي علم الحروف مع المذهب الفيثاغوري.
-
النَّفَس الإلهي يُنزِّل الحروف: «هذه الحروف العاليات نَفسها، التي هي المخلوقات جَميعها، بعد اختزانها المبدئي في العِلم الإلهي المحيط، تَنزّل بالنَّفَس الإلهي (نَفَس الرحمن أو كلمة التكوين: كن) إلى السطور السفلية مُبدِعة ومُشكِّلة للعالم الظاهر». فالكَون كلّه تَنزُّل لحُروف، وكلّ شيء فيه قابل للقراءة كأنّه نَصّ.
-
التَّوازي مع القَبّاله: «وعلم الحروف في القَبّاله العبرية له تقريبًا نفس الأَهمّية في التصوّف الإسلامي». والمَذهب القَبّالي في «سفر يصيرا» (Sepher Yetzirah) يَجعل الحروف العبرية ٢٢ هي بناء الكَون. وعلم الحروف الإسلامي يَتشابك معه لتَجانس العربية والعبرية.
-
العَوالم الثلاثة: علم الحروف يَنظر إليه في ثلاث مَراتب:
- العُليا: مَعرفة الأَشياء في المبدإ نَفسه، من حيث هي ماهيّات أَزلية (أَعيان ثابتة).
- الوُسطى: علم نَشأة الكون وتَشكيلته، أي تَكوين العالم الظاهر.
- الدُّنيا: مَعرفة خَواصّ الأَسماء والأَعداد التي تُتيح التَّصرُّف في الكائنات بتأثير «خَفيّ لطيف» (وهو ما يُسمّى «السيمياء»).
-
السيمياء ومَقام «الكِبريت الأحمر»: «التَصرّف في جَميع العَوالم (بإذن الله تعالى) لا يَكون إلا لمن بَلَغ مَقام الكِبريت الأحمر». وغينون يَكشف أنّ علم الحروف والكيمياء (بمَفهومها الأَصيل) «هما في الحقيقة عِلم واحد»، لأنّ كليهما «نُسخة بالغة الدقّة لمسار النشأة الوجودية»، فالتَّحقيق الكامل لإمكانيات الكائن يَتمّ بالمرور على نفس الأَطوار التي مرّ بها تَحقيق الوجود الكلّي.
شواهد من غينون
“اللغة الآدمية”((أي التي كان يتكلم بها آدم عليه السلام)) هي “اللغة السريانية” وهي لا علاقة لها مع البلاد المسمّاة الآن باسم سوريا” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الحادي عشر: علم الحروف)
“اللغة المقدسة المثلى, إنها هي “الكلمة المفقودة” أو بالأحرى المستورة عن بشر “العهد المظلم”, مثلها مثل المركز الأعلى الذي أمسى بالنسبة إليهم غير مشهود ويتعذر بلوغه” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الحادي عشر)
“يعتبر سيدي محي الدين (ابن العربي) في “الفتوحات المكية” العالم كأنّه مرموز في كتاب” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الحادي عشر)
“هذه “الحروف العاليات” هي الماهيّات الأزلية أو الأعيان الثابتة في العلم الإلهي, وكل حرف هو في نفس الوقت عدد, وهنا نرى توافق هذا التعليم مع المذهب الفيثاغوري” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الحادي عشر)
“هذه “الحروف العاليات” نفسها, التي هي المخلوقات جميعها, بعد اختزانها المبدئي في العلم الإلهي المحيط, تنزّل بالنفس الإلهي ((نَفَس الرحمان أو كلمة التكوين: كن)) إلى السطور السفلية مُبدِعة ومشّكِلة للعالم الظاهر” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الحادي عشر)
“علم الحروف ” في القباله العبرية له تقريبا نفس الأهمية في التصوف الإسلامي” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الحادي عشر)
“هذان العلمان من حيث دلالتهما العميقة, هما في الحقيقة علم واحد؛ وما يعـبّر عنه كل واحد منهما تحت ظواهر مختلفة جداً, ما هو إلا السياق نفسه للتربية الروحانية العرفانية” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الحادي عشر)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
يُقدِّم الشيخ مفتاح في تَعقيباته على هذا الباب أَوسع توسيع في الكتاب كلّه، وذلك لأنّ علم الحروف اختصاصه الخاصّ. يُؤلِّف هو كتابًا كبيرًا بعنوان «مفاتيح علم أسرار الحروف عند ابن عربي وأَعلام الصوفية»، ويَنقل في الحاشية عشرات الإحالات إلى مَواضع هذا العِلم في «الفتوحات المكية»: الباب ٢، ٢٠، ٢٦، ٦٠، ١٩٨، ٧٣، ٣٧١، إضافةً إلى كتاب ابن عربي «الميم والواو والنون».
وأَبرز ما في تَعقيب الشيخ ثلاث نُكَت:
أوّلًا، يَنقل عن ابن عربي في الباب ١٠٩ من الفتوحات قَوْلَه إنّ حساب الجُمَل «لا يُعتَبر فيه إلا اللفظ العربي القُرَشي، فإنّه لُغة أَهل الجنة». هذا يَلتقي مع ما يَصفه غينون أنّ كلّ لُغة مُقدَّسة «صورة أو انعكاس للغة الأصلية». فالعربية القُرَشية في تَعليم ابن عربي هي «لُغة أَهل الجنة»، أي لُغة الفطرة بعد رَفعها، وهي الأَنسب للحساب لأنّها أَقرب إلى الحُروف العاليات.
ثانيًا، يَكشف عن مَرجع لا يَذكره غينون: «في حُدود علمي لا يوجد كتاب مَعروف تَكلَّم بتَفصيل بَديع وافٍ لا يوجد في كتاب غَيره عن اللغة السريانية الآدمية الفطرية الأصلية… مثل كتاب الإبريز من كلام سيدي عبد العزيز الدبّاغ لأحمد بن المبارك الفاسي المغربي، في الباب الثاني منه». ويَلفت إلى أنّ «الحروف النُّورانية المُفتتح بها تسعة وعشرون سورة من القرآن» (مثل ﴿الٓمٓ﴾، ﴿كٓهٓيعٓصٓ﴾) هي بقايا من تلك اللغة السريانية الأَصلية. هذه الحروف المُقطَّعة في فَواتح السُّوَر تَكتسب بُعدًا جديدًا في ضَوء هذا التَّفسير: ليست رُموزًا غامضة، بل أَطلال لُغة الفطرة.
ثالثًا، يَستشهد بآيتين قُرآنيَّتَيْن جَوهريّتَيْن لِفكرة «الحروف العاليات»: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ (الكهف:١٠٩)، و﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (لقمان:٢٧). الكَلمات هنا هي ما يُسمّيه غينون «الحروف العاليات». والقَلَم في الآية الثانية هو القَلَم الإلهي الذي يُسطِّر بها.
وأَضاف الشيخ آيةً أُخرى مَركزيّة لهذا الباب: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة:٣١). الأَسماء التي عَلَّمها الله آدم هي الحروف العاليات في تَركيبها الكامل؛ ولذلك سَجَدت الملائكة بعد أن لم تَعلم، لأنّها عَرَفت أنّ آدم حَامِل للُّغة الفِطرية الأَصلية التي بها يُتصَرَّف في الكَون.
مثال يقرّب المعنى
تَأمّل في الفرق بَيْن أَربعة استعمالات للحَرف:
-
الحَرف الصَّوتي: ما يَخرج من فَم المُتكلّم ويَدخل أُذُن السامع. هذا الحَرف مادّيٌّ مَحض، صَوْت في الهَواء. مَن يَكتفي بهذا المَستوى لا يَرى في حَرف الباء غير اهتزازة شَفَتَيْن. هذا فَهم اللُّغوي الحَديث.
-
الحَرف الكتابي: الشَّكل المُسطَّر على الوَرق. أَجمل من الصَّوتي، لأنّه ثابت ولا يَختفي. ومن هنا فنّ الخَطّ. لكنّه ما زال عَرَضًا، لو مَسحتَه زال.
-
الحَرف العَدَدي: لكلّ حَرف عَدَد بحساب الجُمَل (ا=١، ب=٢، ج=٣…). وهذا يَفتح للحَرف بُعدًا جَديدًا: يَصير مُلتقيًا بعلم الأَعداد الفيثاغوري وبعَدد كَلمات القرآن، وبالمَواقع الكَونية.
-
الحَرف العَالي: الحقيقة الميتافيزيقية التي يُرمز إليها بالحَرف. الباء هنا ليست شَكلًا ولا صَوتًا، بل هي الواسطة الكَونية التي بها يَخلق الله الأَشياء («بِسْمِ الله»). والأَلف هي القُطبانية. كلّ حَرف من ٢٨ حَرفًا حَقيقة ميتافيزيقيّة مُتمايزة، تَتَنزَّل في الكَون مَخلوقات.
والذي يَقرأ القرآن يَجد كلّ هذه الطبقات مَفتوحة عليه:
- يَقرأ ﴿الٓمٓ﴾ بصوت → الطبقة الأَوّلى.
- يَتأمَّل شَكل الحروف الثلاثة → الثانية.
- يَحسب الجُمَل (ا+ل+م = ٧١) ويُقارن بكلمات أُخرى → الثالثة.
- يَسأل عن المعنى الأَزلي للأَلف واللام والميم، فيَجد أنّ هذه الحُروف المُقطَّعة هي «أَطلال لُغة الفطرة» كما قال الشيخ → الرابعة.
والكامل لا يَستغني عن أَيٍّ منها: لا يَنفي الصَّوتي ولا يَكتفي به. كلٌّ في مَوضعه، وكلّها تَجتمع في النَّفَس الواحد الذي يَخرج من فَم القارئ المُؤمن.
صلات
- الكتاب المؤسِّس: التصوف الإسلامي المقارن (الأبواب الحادي عشر والثاني عشر، نُشرا في «برقع إيزيس» فبراير-مارس ١٩٣١).
- المفاهيم المُترابطة: الأعيان الثابتة (الحروف العاليات نَفسها)؛ الكلمة المفقودة (التي هي اللغة الفطرية الأَصلية)؛ منطق الطير (الذي هو لُغة الفطرة)؛ الروح (الباء التي يَخلق بها)؛ التوحيد (الألف التي قبل كلّ شيء).
- الرموز المتعلِّقة: القَلَم (الذي يُسطِّر)؛ اللوح المحفوظ (الذي تُسطَّر عليه)؛ العرش (الذي تَحمله ثَمانية ملائكة بأَسماء حُروفية)؛ الشمس (التي إليها يَنتسب الإشراق السرياني).
- الموازي الأكبري: الأبواب ٢، ٢٠، ٢٦، ٦٠، ١٩٨ (خصوصًا الفصول ١١-٣٨)، ٣٧١، ٧٣ من الفتوحات؛ كتاب «الميم والواو والنون» لابن عربي؛ «مفاتيح علم أسرار الحروف» للشيخ مفتاح نَفسه.
- الموازي القَبّالي (القبّالة): «سِفر يصيرا» (Sepher Yetzirah) العبري؛ «سِفر الزُّهار» (Zohar)؛ تَناسب الحروف العبرية ٢٢ مع التارو الـ٢٢.
- الموازي الفيثاغوري: «تِيتراكتيس» الفيثاغورية (المجموع الرُّباعي ١+٢+٣+٤=١٠)؛ كَون كلّ شيء عَدد عند فيثاغورس.
- المرجع القرآني: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة:٣١)؛ ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ (الكهف:١٠٩)؛ ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ (لقمان:٢٧)؛ ﴿ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (القلم:١)؛ الحروف المُقطَّعة في فواتح ٢٩ سورة (﴿الٓمٓ﴾، ﴿كٓهٓيعٓصٓ﴾، ﴿حٰم ۚ عٓسٓقٓ﴾…).
- مَرجع تَكميلي: «الإبريز من كلام سيدي عبد العزيز الدبّاغ» لأحمد بن المبارك الفاسي (يَذكره الشيخ في الحاشية)؛ «شَمس المعارف الكبرى» للبوني (في المستوى الثالث: التَّصرّف).