في جملة واحدة
العنقاء (طائر السميورغ عند الفرس، الفينيق في الغرب) عند غينون رمزٌ لِما يُسمع باسمه ولا وجود له في العين: مرتبةُ الهباء التي هي مَجلى الصور الوجودية المتغيّرة بحكم «الخلق المتجدّد»؛ ورمزُها الدوريّ (الموت والانبعاث من الرماد) يَصِلها بعقيدة الدورات، وقد خصّها ابن عربي بكتاب «عنقاء مغرب».
الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)
تَحمل العنقاء عند غينون والشيخ مفتاح دلالتين متلازمتين:
- رمز الهباء (المادة الأولى): العنقاء «يُسمع بذكره ولا وجود له في العين»، فهو اسمٌ لِمرتبةٍ لا تَثبت لها صورةٌ واحدة، بل هي مَجلى الصور المتغيّرة في كلّ آن بحكم «الخلق المتجدّد»؛ وهذا هو الهباء الذي تَظهر فيه صور الوجود وتَتبدّل. يَتّصل هذا بـالإمكانية الكلّية.
- رمز دوريّ (الموت والانبعاث): العنقاء/الفينيق يَحترق ثم يَنبعث من رماده؛ فهو صورةٌ لِتجدّد الدورات، يَصِله غينون برمزية الشمس وهليوبوليس، ويَدخل به في معجم الدورات الكونية.
ويُلاحظ غينون أنّ السميورغ الفارسيّ هو العنقاء نفسُها، وأنّ ابن عربي تَكلّم عليها في الباب السادس من «الفتوحات» وفي كتابه «عنقاء مغرب».
شواهد من غينون
“ويسمّى «العنقاء» فإنّه يُسمع بذكره ويُعقل ولا وجود له في العين.” — (رموز العلم المقدّس)
“وهو يرمز بالخصوص في العرفان الإسلامي إلى مرتبة الهباء التي هي مجلى كل الصور الوجودية المتغيرة في كل آن بحكم «الخلق المتجدد»… ومثل العنقاء عند الفرس طائر «السميورغ».” — (رموز العلم المقدّس)
“…وإلى هليوبوليس الأولى هذه ينبغي في الحقيقة إرجاع الرمزية الدورية لطائر العنقاء.” — (رموز العلم المقدّس)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
موقع العنقاء عند الشيخ مفتاح أنها جسرٌ بين الرمز العالميّ والمعجم الأكبريّ. فحين يَذكر غينون «الطائر الذي لا وجود له في العين»، لا يَترك الشيخ المعنى معلّقًا، بل يُحيله إلى مصطلحٍ إسلاميٍّ دقيق: الهباء، أي المادة الأولى التي تَقبل الصور وتَتبدّل عليها في كلّ آن، وهو عينُ ما يُسمّيه أهل التصوّف «الخلق المتجدّد» («بل هم في لبسٍ من خلقٍ جديد»).
ويُذكّر بأنّ ابن عربي سَمّى أحد كتبه «عنقاء مغرب»، وتكلّم على العنقاء في «الفتوحات» وفي «عقلة المستوفز»؛ فالرمز الذي يَستعمله غينون عالميًّا له متنٌ أكبريٌّ صريح. وبهذا تَصير العنقاء شاهدًا مزدوجًا: على وحدة الرمز عبر المِلل (الفينيق، السميورغ، العنقاء)، وعلى أنّ الميتافيزيقا التي يَقرؤها غينون مبثوثةٌ في تراث ابن عربي.
مثال يقرّب المعنى
تأمّل شاشةً تَعرض الصور:
- الشاشة نفسها لا صورة لها تَخصّها؛ هي «تُذكر» كحاملٍ، لكنّها «لا وجود لها في العين» مستقلّةً عن الصور.
- وعليها تَظهر صورةٌ بعد صورة، لا تَستقرّ واحدةٌ إلا حلّت محلّها أخرى.
فالعنقاء هي الحامل الذي لا صورة له (الهباء)، والصور المتعاقبة هي الخلق المتجدّد. ولأنّ الصور تَفنى وتَنبعث بلا انقطاع، صارت العنقاء رمزًا للموت والانبعاث، أي للدورة التي تَنتهي لتَبدأ.
صلات
- مرتبتها الوجودية: الهباء (المادة الأولى)؛ الإمكانية الكلّية؛ «الخلق المتجدّد».
- دلالتها الدورية: الدورات الكونية؛ العجلة الكونية (تَجدّد الصور).
- نظيرها التراثيّ: السميورغ الفارسيّ (انظر منطق الطير)؛ الفينيق الغربيّ.
- متنها الأكبريّ: ابن عربي («عنقاء مغرب»، الفتوحات الباب السادس).
- الكتب التي تُذكَر فيها: رموز العلم المقدّس؛ الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا؛ ملل ومذاهب تراثية ودورات كونية؛ هيمنة الكمّ.