في جملة واحدة
الكرسي هو رمز تجلّي السلطان الإلهي وتثنية الأمر وتفصيله في الأكوان (مرتبة الازدواج والكيف)، بينما العرش هو الفلك المحيط الجامع للوحدة المبدئية قبل ظهور التباين والتقابل.
الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)
تلخيصٌ لموقف غينون في «مليك العالم» وفصول متفرقة من مقالاته في الرمزية، بصياغة المحرّر.
- القطبية الكونية (الرحمة والعدل):
يبيّن غينون أن التجلّي الكوني يقوم على توازن دائم بين قطبي المبدأ الأول؛ ويظهر هذا في التراث العبري الحاخامي بالقول إن لله كرسيين:
- كرسي الرحمة: يمثل جانب الجمال واللطف والرحمة، وهو القطب المنفعل الإيجابي.
- كرسي العدل: يمثل جانب الجلال والقهر والعدل، وهو القطب الفاعل الحاكم. وهذان الكرسيان يقابلان في الرمزية التراثية الإسلامية مقامي «العرش» و «الكرسي»، كما يتناسبان مع تقسيم الأسماء الإلهية إلى أسماء جمالية (رحمة) وأسماء جلالية (قهر وعدل).
- الاستواء والمركزية: يرتبط العرش والكرسي هندسياً برمزية “المركز” والمحيط؛ فاستواء الذات على العرش يعني استقرار المركز القطبي الذي يدور حوله فلك الكون بأسره. ومن هذا المركز تفيض البركة والمدد الروحي (البركات/Berakoth) عبر الوسائط السماوية لتأسيس الجغرافيا المقدسة والمراكز الروحية في الأرض.
- بيت العدل: يمثل الكرسي والعرش معاً “بيت العدالة” (Beith-Din) أو محكمة القضاء الكوني التي يديرها مليك العالم؛ ففي المركز الأعلى تجتمع السلطتان الروحية (الرحمة/اليمين) والملكية (العدل/الشمال) في وحدة واحدة، بينما تظهران في الخارج كمظهرين متمايزين.
شواهد من غينون
“حسب التلمود ، إنّ لله – تعالى – كرسيين ، كرسي العدل ، وكرسي الرحمة ؛ وهما يناسبان في الملّة الإسلامية «العرش » و « الكرسي». ومما يستجيب أيضا لنفس النمط من التمييز، أنّ الملّة الإسلامية تقسّم ، من جانب آخر ، أسماء الله - تعالى – الصفاتية ، أي التي تعبّرعن نعوت تختصّ به – تعالى – إلى أسماء جلالية وأسماء جمالية.” — (مليك العالم، تعقيبات الباب الثالث)
“كرة الكون، كرمز للحكم الملكي أو للملكية الكونية، توجد في كثير من الأحيان موضوعة في يد المسيح ، وهذا يبيّن أنه شعار للسلطة الروحية كما هو كذلك أيضا للحكم الزمني.” — (مليك العالم، تعقيبات الباب الثالث)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
قلم المحرّر يؤصل الشيخ مفتاح الكرسي والعرش صوفياً بربطهما بمراتب الوجود والتثنية الكونية عند الشيخ الأكبر ابن عربي:
- الكرسي والتثنية الوجودية:
يوضح الشيخ مفتاح أن التوحيد الخالص ينفي كل ثنائية؛ لكن عند تنزل الوجود، تظهر أول مراتب التثنية والتقابل عند «الكرسي»:
“وفي التصوّف الإسلامي لا تظهر الثنائية الكونية إلا في مستوى مرتبة «الكرسي» الذي هو كحلقة في فلاة بالنسبة للعرش المحيط. فالكلمة الإلهية الخلاّقة المتنزّلة عبر مراتب الوجود واحدة… وعندما تصل إلى «الكرسي» تتثنّى الكلمة على مظهرين كما في الآية: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.”
- الكيف الوجودي والتفصيل: في الباب 198 من الفتوحات، يفصل ابن عربي أن الكرسي هو مجلى التفصيل حيث تنقسم الصور والطبائع والأبعاد؛ فالعرش يمثل العقل الأول والقلم الأعلى الجامع، بينما الكرسي يمثل بداية تنزل الحكم والتأثير الإلهي في السماوات والأرض.
- حملة العرش والقوائم الأربعة:
يربط الشيخ مفتاح قوائم العرش بأركان الوجود الأربعة؛ فقوائم العرش الأساسية تدل على الأسماء الأمهات: الحي، العليم، المريد، القادر. ويناسبها من الملائكة الأربعة الكبار: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل. وحملة العرش الثمانية يوم القيامة يدلون على كمال التجلي الجسدي الروحي في النشأة الآخرة:
“وتناسُب حجم الجسم مع الثمانية راجع إلى أن للجسم ثلاثة أبعاد… وتكرر العدد ثمانية في القرآن… وهو عدد حملة العرش، أي المُلك الذين خصص ابن العربي للتعريف به الباب 13 من الفتوحات.”
مثال يقرّب المعنى
تأمل منشوراً زجاجياً (موشوراً) يسقط عليه الضوء:
- الضوء الأبيض الواحد قبل دخول المنشور (العرش): يمثل الوحدة المطلقة والأحدية التي تجمع كل الألوان والصفات في جوهر واحد دون تمايز.
- المنشور الزجاجي (الكرسي): هو الحد الفاصل الذي يستقبل الضوء الأبيض فيكسره ويفرقه.
- الألوان المتعددة الناتجة (الأكوان والطبائع): وهي صفات الجلال والجمال، والرحمة والعدل، واليمين والشمال التي تظهر متمايزة في الخارج.
فالضوء الأبيض الواحد هو مقام العرش؛ والمنشور الكاسر للضوء هو الكرسي مجلى التثنية؛ والألوان الناتجة هي عوالم التمايز والتقابل.
صلات
- الرموز الهندسية المقترنة: الكرة والدائرة (العرش المحيط)؛ المكعب (الكرسي المستقر الكعبة).
- الرموز القطبية المقابلة: القطب ومحور العالم (مستقر الاستواء).
- المدد والوساطة الروحية: السكينة والروح المحمدي؛ ومططرون.
- التثليث المرتبط: السماء والأرض والإنسان.
- النص المؤسس: الفتوحات المكية لابن عربي (الأبواب 13، 73، 198).
- الكتاب المرجع: مليك العالم؛ ومقالات في العرفان المقارن.