في جملة واحدة
المكعّب عند غينون رمز النهاية: الشكل الأكثر ثباتًا، المتعيَّن تعيُّنًا تامًّا في اتّجاهاته الستّة. هو صورةُ تَصلّب العالم حين يَبلغ أقصى الكمّ. وعند الشيخ مفتاح، يُقابل الكعبة الشريفة.
الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)
تلخيصٌ لموقف غينون في «هيمنة الكمّ» (الفصل ٢٠) و«رموز الإنسان الكامل» (الباب ١٨)، بصياغة المحرّر.
ثلاث دلالات للمكعّب:
- الشكل الأشدّ ثباتًا: المكعّب هو الوحيد بين المجسّمات المنتظمة الذي يَملأ الفضاء دون فراغ (تراكبه يُغطّي الفضاء كلّه). وهو الذي يَستقرّ على سطحه. ولذلك هو رمزٌ للرسوخ، للبنية، للمادّة الصلبة.
- الشكل الأشدّ تَعيّنًا: ستّ جهات (أعلى، أسفل، شمال، جنوب، شرق، غرب). لا شكلَ هندسيّ أشدَّ تَعيّنًا من المكعّب في الفضاء الإقليدي. كلّ اتّجاه فيه محدّد بدقّة، خلافًا للكرة التي لا اتّجاه مميّز فيها.
- الشكل الأشدّ انطباقًا على الكمّ: المكعّب قابلٌ للقياس بدقّة (حجم = ض×٣). يُمكن تَجزئته إلى مكعّبات أصغر بلا نهاية، وكلُّها متماثلة. هذا يُطابق منطق الكمّ: تَجزئة متماثلة، قياسٌ دقيق، لا تَمايز كيفيّ.
من الكرة إلى المكعّب: الدورة
في الفصل العشرين من «هيمنة الكمّ»، يَرسم غينون الدورة هندسيًّا:
- البداية: الكرة (الشكل الكروي) وهي اللطف الأوّل.
- الوسيط: الأشكال الأخرى (الأهرام، الأسطوانة) وهي مراحل وسطى.
- النهاية: المكعّب، الثبات الأخير.
ثمّ يُربط هذا بتحليل الكمّ والكيف: الكرة كيفٌ محضٌ (بلا تمييز اتجاهي)، المكعّب كمٌّ صرفٌ (تمييز اتجاهي كامل قابل للقياس).
المكعّب والكعبة
في اللغة العربية، الكعبة من نفس جذر «الكعب»، الذي يَعني المكعّب. وهذا لَيس مصادفةً لغوية: الكعبة الشريفة هي مكعّب بالمعنى الهندسي. تَوجّه اتّجاهاتها الستّ كلُّها متعيّنة. وهي مَركز الأرض الروحي في الإسلام.
هذا الربط يَفتح قراءةً خاصّة للمكعّب: ليس مجرّد «نهاية انحطاط»؛ يُمكن أن يَكون أيضًا مَركزًا ثابتًا محموداً. المكعّب-الكعبة هو موضع الاستقرار حول الله. القمح الذي يَنزل من السماء (الكرة) يَثبت في الأرض (المكعّب). والصلاة تَتوجّه إلى المكعّب، ومنه تَصعد إلى الكرة (السماء).
شواهد من غينون
“فالمكعب بالعكس، هو الشكل الأكثر ثباتا ورسوخا… أي أنّه المناسب لأقصى تخصيص.” (هيمنة الكمّ، الفصل العشرون: من الكرة إلى المكعّب)
“فهذا الشكل هو إذن على هذا النحو الشكل الأمثل للجسم الصلب.” (هيمنة الكمّ، الفصل العشرون)
“المرور من الاحداثيات المستقيمة إلى الإحداثيات القطبية” (رموز الإنسان الكامل، عنوان الباب الثامن عشر)
نصوص الشيخ عبد الباقي مفتاح
“وبالعكس المكعب النوراني يُمثل كبلّورة من الياقوت الأصفى ويرمز لمقام القطبية الثابت المستقرّ في مركز الوجود كرسوخ الكعبة وسط دائرة المسجد الحرام، وهو مقام التمكين المتعالي عن تغيرات الأحوال في أفلاك منازل السير.” (هيمنة الكمّ، تعقيبات المترجم على الفصل الحادي والعشرين)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
يُقدّم الشيخ هنا أحد أعمق تعليقاته الإسلامية على رمز غينوني:
قلم المحرّر الشيخ يَقلب المفهوم من داخله: حين تَكلم غينون على المكعّب، كان يَنظر إليه من جهة النهاية الكمّيّة (الصلابة الأخيرة). أمّا الشيخ، فَيَنظر إليه من جهة المركز (الكعبة). وكلاهما صحيح:
- المكعّب على وجه الكمّ = صلابة نهاية الدورة.
- المكعّب على وجه الكيف = ثبات المركز (الكعبة).
وهذا الفرق يَكشف عمقًا إسلاميًّا إضافيًّا: المكعّب ذاته يُمكن أن يَكون رمزًا للنقيضَين، بحسب الموقع المرجعي. مكعّب الكمّ المحض في نهاية الدورة، ومكعّب الكيف المقدّس في مركز الأرض. ومن عَرَف الفرق فَتَح له الشيخ بابًا من أبواب تطبيق الرمز على التوحيد الإسلامي.
مثال يقرّب المعنى
قارِن بين شكلَين:
- الكرة: استديري، لا حدود حادّة. إذا وَضعتها على سطحٍ مائل، تَتدحرج.
- المكعّب: ستّ أوجه مسطّحة، اثنا عشر حافّة، ثمانية زوايا. إذا وَضعتَه على سطح، لا يَتحرّك.
المكعّب هو الشكل الأكثر ثباتًا في الفضاء الإقليدي. كلُّ أحجاره المعمارية القديمة (من الأهرامات إلى الكعبة إلى أحجار ستونهنج) لها شيء من المكعّبية. لماذا؟ لأنّ الثبات الأقصى في الفضاء الثلاثيّ هو ثبات المكعّب.
ومن هنا يَرى غينون: ما كان يَبدأ كرة (لَطيفًا، غيرَ متعيّن) يَنتهي مكعّبًا (كثيفًا، متعيّنًا). هذا مسار الكون في الدورة: من اللطافة إلى الصلابة، من الحركة إلى السكون، من الكيف إلى الكمّ.
هل هذا انحطاط؟ بحسب المقام:
- بالنسبة للفرخ في البيضة، الخروج إلى العالم المكعّبيّ تقدّم.
- بالنسبة للكون في الدورة، الانتقال إلى المكعّبيّة انحدار: فَقْدٌ للإمكان اللطيف الذي كان في البداية.
المرجع الإسلامي
ربط الرَّمز الهندسي للمكعّب بالنُّصوص القُرآنية والأَكبرية.
أَهَمّ تَطبيق إسلامي للمكعّب هو الكعبة المُشرَّفة. الاسم نَفسه «كَعبة» مُشتقّ من شَكلها المُكَعَّب. وهي:
- ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران:٩٦) — أَوَّل بَيت في الأَرض.
- ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ﴾ (المائدة:٩٧) — قِيام الناس بها.
- ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ (البقرة:١٢٧) — بِناؤها على يَد إبراهيم وإسماعيل.
والشيخ الأكبر ابن عربي خَصَّص أَبوابًا للكعبة في «الفتوحات»:
- الباب ٧٢ (مَنزل أَسرار الحَجّ).
- الباب ٢٧٠ (الكعبة الشريفة).
- باب من «إنشاء الدوائر» في تَوزيع الزوايا.
ومن أَعمق ما يَلتقي عَنده غينون والإسلام: الكعبة قُطب أَرضي. صَلاة المسلمين كلّها تَتَوَجّه إلى نُقطة هَندسية واحدة هي مَركز هذا المُكعَّب الحَجَري. والمُكَعَّب هنا ليس كَثافةً صَلبة بمعنى الانحدار، بل تَجلٍّ مَركزي للمحاور الستّة التي تَشير إلى الجهات الستّ. فالكعبة ليست المُكَعَّب السلبي الذي يَنحلّ فيه الكَون، بل المُكَعَّب الإيجابي الذي يَتجمَّع فيه التوجُّه.
ومن مَلامح اللُّقيا بَيْن غينون والإسلام: حَجَر الزَّاوية الأَسود (الحَجَر الأَسود) في الكعبة. يَلتقي مع «الحَجَر السَّاقط من السَّماء» الذي يَذكره غينون في «مَليك العالم» باعتباره رَمز سَنَد القُطبية الأَرضية إلى المَلكوت.
صلات
- النقيض الدوري: الكرة (بداية الدورة).
- الإطار البنيوي: الصليب (مرسوم داخل المكعّب).
- الإطار الدوري: كَالي يُوكا (حيث نَقترب من المكعّبيّة الصلبة)؛ المَانْفانْتَارا.
- الأصل الميتافيزيقي: هيمنة الكمّ؛ الكمّ (في وجهه الانحطاطي).
- المقابل القدسي: القطب؛ المركز الروحي؛ الكعبة.
- النسق المعرفي: العلم العرفاني (الهندسة المقدّسة).
- الكتابان المرجعيّان: هيمنة الكمّ (الفصل العشرون)؛ رموز الإنسان الكامل (الباب الثامن عشر).