في جملة واحدة
«الجنة الأرضية» و«الجنة السماوية» في التراث النصراني الوسيط ليستا مرحلتين من الآخرة فقط؛ هما خريطة معرفية توزّع غايات الإنسان: الأولى كمال البشرية في حدودها، والثانية تَجاوز البشرية إلى مقاماتٍ فوقها. وعند غينون، توزيع السلطات (الإمبراطور/البابا) يَقوم على هذا الفرق.
الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)
تلخيصٌ لموقف غينون في «السلطة الرّوحية والحكم الزمني» (الباب الثامن).
يَستعمل غينون التمييز لثلاث غايات:
- تحديد الغايات: للإنسان غاية داخل مرتبته البشرية (الكمال البشري)، وغاية فوقها (الكمال فوق البشري). هذه بنية ميتافيزيقية لا ذاتية. كلّ كائن يَحتمل الأمرَين، ولكن لا يَبلغهما كلّ كائن.
- تحديد السلطات: بما أنّ للإنسان غايتَين، له معلِّمَين: الإمبراطور للأولى، البابا للثانية. الإمبراطور يَضمن الشروط الاجتماعية والسياسية لبلوغ «الجنة الأرضية» (الأمن، العدل، الاقتصاد السوي). البابا يُعلّم «الأسرار الكبرى» لمن تَأهّل منهم.
- قراءة دانتي: كتاب دانتي «الكوميديا الإلهية» يَتبع هذا الهيكل: ينتقل بدانتي من «الجحيم» إلى «المطهر» إلى «الجنة الأرضية» (على قمّة المطهر)، ثمّ من الجنة الأرضية إلى الجنة السماوية. يُلاحظ غينون أنّ الفرَجيل (رمز الحكمة العقلية) يَقود دانتي إلى الجنة الأرضية ثمّ يَتوقّف؛ ولا يُكملُ الرحلة إلا بياتريس (رمز الحكمة الإلهية). هذا تطبيقٌ أدبيٌّ ميتافيزيقي دقيق.
«الأسرار الصغرى» و«الأسرار الكبرى»
في التراث الغربي الباطني، كان هذا الفرق معروفًا. «الأسرار الصغرى» هي أسرار الطبيعة الإنسانية المكتملة: معرفة الإنسان بما هو إنسان، بكلّ ما في قابليّته. «الأسرار الكبرى» هي أسرار تجاوز الطبيعة الإنسانية إلى مقامات ملكوتية. لا يَصل إلى الثانية إلا من أتمّ الأولى.
وهذا يُطابق في التصوّف الإسلامي فرقَ المقامات والأحوال: المقام يُنال بالمجاهدة (وهذا قريب من الأسرار الصغرى)؛ والحال يَأتي من فوق كمنَحٍ إلهية (وهذا قريب من الأسرار الكبرى). الأوّل طَورٌ يُبلغ بالكسب، والثاني يُوهَب.
العلاقة بالتراتب السياسي
في الترتيب التراثي:
| السلطة | الغاية | الجمهور |
|---|---|---|
| الإمبراطور/الملك | الجنة الأرضية | العامّة (كلّ الناس) |
| البابا/السلطة الروحية | الجنة السماوية | الخاصّة (العارفون) |
ولذلك: البابا فوق الإمبراطور، لأنّ غايته فوقه. ولكنّ الإمبراطور لا يُلغى؛ هو ضروريّ لأنّ الجنة الأرضية ضرورية (لا يُمكن بلوغ السماوية بلا الأرضية).
شواهد من غينون
“فالامبراطور يُشــْرف على «الأسرار الصغرى» المتعلقة بـ«الجنة الأرضيّة»،أي تحقيق كمال الوضع البشري” (السلطة الرّوحية والحكم الزمني، الباب الثامن: الجنة الأرضية والجنة السماويّة)
“فقارب القدّيس “بولس” ينبغي أنْ يقود البشر إلى «الجنة السّماويّة»؛ لكن، إذا كان دور «الأمير الرّوماني» أي الامبراطور هو قيادتهم إلى «الجنة الأرضية»، فهذا أيضا إبحار” (السلطة الرّوحية والحكم الزمني، الباب الثامن)
“والإنسان بصفته بشرا يستطيع بنفسه بلوغ الأولى من بين الغايتين، التي يمكن وصفها بـ«الطبيعيّة»، أمّا الثانية فهي بحصر المعنى «فوق طبيعيّة» لأنّ مجالها ورَاء العالم الظاهر.” (السلطة الرّوحية والحكم الزمني، الباب الثامن)
“وهذا التمييز هو الحاصل بين الميدان «الفيزيقي»… و«الميتافيزيقي»… وهنا يظهر أوضح توَافق بين جميع التراثيات سواء كانت شرقية أو غربية.” (السلطة الرّوحية والحكم الزمني، الباب الثامن)
“وكما أنّ انطلاقا من «الجنة الأرضية» يحصل الترقي عبر مدارج المعراج نحو «الجنة السماويّة»… فكذلك فيما يتعلق بكلّ ما يتجاوز الوضع البشري المعهود، حيث تصير الملكات الفردية عاجزة، ولا بدّ من وسائل أخرى. وهنا يتدخـّل «الوحي» الذي هو اتصال مباشر بالمقامات العليا.” (السلطة الرّوحية والحكم الزمني، الباب الثامن)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
في التراث الإسلامي، أقرب ما يُقابل هذا التمييز هو فرق **«خلافة الظاهر»** (وهي الإمامة السياسية) و**«خلافة الباطن»** (وهي الولاية العرفانية). وفي ابن عربي «المقامات» (من الزهد والتوكّل والصبر إلى التوحيد والفناء والبقاء)، حيث بعض المقامات ضمن الحدود البشرية، وبعضها يَتجاوزها. والشيخ مفتاح، حين يُترجم هذه الثنائية لغينون، يَختار لها مقابلات عرفانية دقيقة، تُظهر أنّها ليست غربيّة طارئة، بل فَصلٌ من العرفان العالمي المشترك.
مثال يقرّب المعنى
تأمّل غايتَين مشروعتَين للإنسان:
- الغاية الأولى: أن يَكون إنسانًا كاملًا في حالته البشرية: عالمًا، عادلًا، شجاعًا، صحيحَ الجسم، ذا عائلة، مَسؤولًا في أمّته، حاكمًا على نفسه وعلى ما حوله. هذا كمال الطبيعة الإنسانية.
- الغاية الثانية: أن يَتجاوز الحالة البشرية نفسها، فَيَصير عارفًا بما فوق البشر: بالملائكة، بالأسرار الإلهيّة، بما في البطون. هذا كمال فوق بشري.
كلتا الغايتَين مشروعة. غينون لا يَعتبر الأولى مذمومة؛ هي جزءٌ من الترتيب الصحيح. لكنّه يَقول: الأولى ليست الأخيرة. من بَلغها لا يَزال عليه طريق. وأكثر الناس لا يَصلون إلا إلى الأولى، وهي كافية لخلاصهم في الدين؛ لكنّ أقلّيّة يَصلون إلى الثانية، وهم من يَحملون المعرفة الحقيقية.
هذا الفرق، في لسان التراث النصراني الوسيط، هو فرق الجنة الأرضية (التي تَقابل «الأسرار الصغرى») والجنة السماوية (التي تَقابل «الأسرار الكبرى»). وتوزيع السلطات يَتبع: الإمبراطور يَقود الناس إلى الأولى، البابا يَقود الخاصّة إلى الثانية.
المرجع الإسلامي
ربط ثُنائية الجنّتين عند غينون بالنُّصوص القُرآنية والأَكبرية.
التَّمييز بَيْن الجنّة الأَرضية والجنّة السَّماوية يُقابله في القرآن تَمييز جَوهري بَيْن مَنازل المؤمنين في الآخرة. والقرآن يُؤسِّس مَراتب مُتعدّدة للنَّعيم الأُخروي:
- ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (الواقعة:١٠-١٢) — جنّة المُقَرَّبين.
- ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ (الواقعة:٢٧) — جنّة أَصحاب اليمين، وهي دُون جنّة المُقَرَّبين.
- ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ (الرحمن:٤٦) — تَصريح بثَنائية الجنّات لمن خَافَ مَقام ربّه.
- ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ (الرحمن:٦٢) — جَنَّتان أُخريان دُون الأَوّلَيْن.
والشيخ الأكبر ابن عربي تَناول هذا في:
- الباب ٣٠٢ من الفتوحات (في الجنّتَين العُلويّتَين والجَنَّتَين الأَدنيَيْن).
- الباب ٦٣ (في مَنازل المُقَرَّبين).
والقاعدة الأكبرية: لكلّ مؤمن مَنزله في الجنّة بحَسب مَقامه في الدنيا. الجنّة الأَرضية عند غينون تُقابل جنّة العُموم (أَصحاب اليمين)، والجنّة السماوية تُقابل جنّة الخُصوص (المُقَرَّبين). الفِرق بَيْنهما ليس في الكَمّ ولا في النَّعيم وَحده، بل في قُرب من الحقّ.
صلات
- السلطتان الموزّعتان: البابوية والإمبراطورية؛ السلطة الرّوحية والحكم الزمني.
- التراتب المرتبط: التراتب الوظيفي؛ الملكية.
- النموذج البشري الأعلى: الإنسان الكامل (الجامع للأرضية والسماوية).
- المعرفة المرتبطة: العرفان الخالص (للسماوية)؛ العلم العرفاني (يَشمل كلتَيهما).
- المطابق الإسلامي: خلافة الظاهر وخلافة الباطن؛ مقامات الكسب ومقامات الوهب.
- المطابق الأدبي: الكوميديا الإلهية لدانتي (الجنة الأرضية في أعلى المطهر، الجنة السماوية فوقها).
- الكتاب المرجع: السلطة الرّوحية والحكم الزمني (الباب الثامن).