في جملة واحدة

البابوية والإمبراطورية في العصور الوسطى الغربية هما التطبيق الأوروبي لثنائية السلطة الروحية والحكم الزمني بعد انفصالهما. البابا يَحمل الوظيفة الروحية، الإمبراطور الوظيفة الزمنية، ولكن التفوّق يَبقى للبابا، لأنّ الروحي أعلى من الزمني.

الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)

تلخيصٌ لموقف غينون في «السلطة الرّوحية والحكم الزمني» (الباب الثامن)، بصياغة المحرّر.

يَرى غينون في البابوية والإمبراطورية ثلاث دلالات:

  1. صورةٌ غربيّة للثنائية التراثية: بعد أن كانت السلطتان مجتمعتَين في ملكي-تصادق وفي الكهنة-الملوك الأوائل، انفصلتا في العصور المتأخرة. البابوية والإمبراطورية هي الصيغة الأوروبية لهذا الانفصال، تُوازي في الهند ثنائية البراهمان-الكشاطرية، وفي الصين ثنائية حكماء الكنفوشية-الإمبراطور.
  2. التفوّق الصريح للبابوية: عند غينون، ليست العلاقة تكاملًا بين السلطتَين على المستوى نفسه. هي علاقة تبعيّة: البابا أعلى، والإمبراطور تابع. ولذلك يَتلقّى الإمبراطور التاج من يد البابا، لا العكس. من تَناسى هذا الترتيب خَالف البنية الميتافيزيقية نفسها.
  3. بداية الانقلاب: حين رَفض ملوك أوروبا (فرنسا، إنجلترا، ألمانيا) تبعيّتهم للبابا، بَدأ مسار الانقلاب. هذا هو اعتداء الكشاطرية في صورته الأوروبية. مع كلّ عقد من القرن الرابع عشر والخامس عشر، يَبتلع الملك اختصاصات أكثر من البابا، حتى تَنتهي الحروب الدينية (القرن السادس عشر) بتأسيس «الدولة القومية» التي يَكون فيها الملك هو السيّد الوحيد في أرضه.

الرموز المرتبطة

يَستخدم غينون رمزَين مهمَّين:

  • المفتاح والصولجان: البابا يَحمل مفتاحَين (كما في شعاره التقليدي)، الإمبراطور يَحمل صولجانًا. المفتاح يَفتح (مجال المعرفة)، والصولجان يَحكم (مجال القوّة).
  • جانوس والمسيح-جانوس: في الرمزية الرومانية، جانوس إلهٌ بوجهَين. في التراث النصراني الوسيط، رُمز للمسيح بنفس الوجهَين: وجهٌ روحي (للبابا)، ووجهٌ زمني (للإمبراطور). كلاهما في المسيح واحد، وفي الممالك منفصلان.

النهاية: لم يَعد للصورة الكاملة وجود

يُلاحظ غينون أنّ هذه الثنائية اليوم لا وجود حقيقيّ لها في الغرب. البابوية الحديثة لا تُعلن سلطانًا زمنيًّا. والدول العلمانية لا تَعترف بسلطة روحية أعلى. ولذلك لا يَجد غينون في الغرب المعاصر ما يُقاس بالثنائية الأصلية. انكسرت البنية، وما بَقي منها آثار.

الموازاة الإسلامية

في التاريخ الإسلامي، الخلافة الراشدة جَمعت السلطتَين. ثمّ في الدولة الأموية بَدأ الانفصال: الخليفة يَحتفظ بالصورة السياسية، ويَنتقل العلم والعرفان إلى العلماء والأولياء. في التراث السنّي، وَضعت الشريعة نظريّةً لعلاقتَيهما: الخليفة يَنفّذ ما يُفتي به العلماء. ولكنّ الواقع التاريخي عَرف أيضًا انقلابًا: طغيان الخلفاء على العلماء، خصوصًا في الدولتَين العبّاسية والعثمانية.

شواهد من غينون

“والتمييز بين البابوية والامبراطورية صادر نوعا مّا من تقسيم للسلطات.” (السلطة الرّوحية والحكم الزمني، الباب الثامن: الجنة الأرضية والجنة السماويّة)

“إنه مرّة أخرى خطأ اعتبار العلاقة بينهما علاقة تكامل على نفس المستوى، بينما هي علاقة تبعيّة.” (السلطة الرّوحية والحكم الزمني، الباب الثامن)

“بمجرّد انفصالهما، يبقى الرّوحي صادرا مباشرة من المبدأ الأعلى، بينما يصير الزمني موصولا به بمقدار غير مباشر.” (السلطة الرّوحية والحكم الزمني، الباب الثامن)

“والإنسان بصفته بشرا يستطيع بنفسه بلوغ الأولى من بين الغايتين، التي يمكن وصفها بـ«الطبيعيّة»، أمّا الثانية فهي بحصر المعنى «فوق طبيعيّة» لأنّ مجالها ورَاء العالم الظاهر.” (السلطة الرّوحية والحكم الزمني، الباب الثامن)

“ولهذا كان مفتاح «الأسرار الكبرى» ذهبيّـا ومفتاح «الأسرار الصغرى» فضيّا، لأنّ الذهب والفضة في الميدان الكيميائي، يكافئان بالضبط الشمس والقمر في الميدان الفـلـكي.” (السلطة الرّوحية والحكم الزمني، الباب الثامن)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

يَرى الشيخ في هذه الثنائية «تجربة غربية» ينبغي أن يَتعلّم منها المسلم، دون أن يَستنسخها. فالإسلام في أصله لا يَعرف «كنيسة» مؤسّسية على نمط الفاتيكان؛ ولكنّه يَعرف **العلماء العارفين** الذين يَحملون السلطة الروحية، ويَعرف الأمراء والسلاطين الذين يَحملون السلطة الزمنية. والشيخ يُلاحظ أنّ صراع الفقهاء مع السلاطين في التاريخ الإسلامي (من مالك مع المنصور، إلى ابن حنبل في المحنة، إلى ابن تيمية مع المماليك) يُوازي في جوهره صراع البابوية والإمبراطورية، وإن اختلفت الأشكال.

مثال يقرّب المعنى

في المسرح السياسي للقرن الثالث عشر في أوروبا، تَجد مشهدَين عجيبَين:

  • المشهد الأوّل (١٠٧٧م، كانوسّا): الإمبراطور هنري الرابع يَقف حافيًا في الثلج لثلاثة أيّام أمام قلعة كانوسّا الإيطالية، يَطلب مغفرة البابا غريغوري السابع. هذا ليس مجرّد إذلال سياسي؛ هو إعلان ترتيبي: البابا أعلى من الإمبراطور.
  • المشهد الثاني (١٣٠٣م، أنانيي): الملك الفرنسي فيليب الجميل يُرسل رجاله لاعتقال البابا بونيفاس الثامن. يَنهار بونيفاس، يَموت بعد أسابيع. هذا إعلان مضادّ: الإمبراطور والملك أعلى من البابا.

في المشهدَين، يَتمثّل صراعُ السلطات. ولكنّ غينون يَنبّه: المشهد الأوّل هو الترتيب الطبيعي، والمشهد الثاني هو الانقلاب الذي أنتج الحداثة. من ذلك الانقلاب بدأ مسار الغرب الحديث: صعود الملك على الكاهن، ثمّ صعود البورجوازية على الملك، ثمّ صعود السودرا على البورجوازية.

ولذلك عند غينون: البابوية والإمبراطورية ليستا «حكاية تاريخية»؛ هما لحظة حاسمة في انقلاب الترتيب، ومفتاح لفهم انهيار الغرب التراثي.

صلات