التعريف
التراتب الوظيفي عند غينون هو توزيع الناس في المجتمع بحسب اختلاف طبائعهم وكفاءاتهم، لا بحسب الولادة أو المال. والحداثة تَلغيه باسم المساواة، فَتُنتج فوضًى لا نظامًا: إذ يَحلّ غير الكفء محلّ الكفء.
الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)
تلخيصٌ لموقف غينون في «السلطة الرّوحية والحكم الزمني» (الأبواب ١ و٦ و٩)، بصياغة المحرّر.
يَبني غينون المفهوم على ثلاث دعائم:
- الاختلاف الفطري بين الناس: ليس كلّ الناس متساوين في القابليات. من تَجاهل ذلك جَعل كلَّ الناس في قوالب متماثلة، فَأَهدَر القابليات العالية، وحَمَّل القابليات الضعيفة ما لا تَستطيع.
- التطابق بين البنية الاجتماعية والبنية الميتافيزيقية: المجتمع السويّ يَعكس في بُنيته مراتب الوجود المتعدّدة. كما أنّ في الكون مراتب (روحاني، لطيف، جسماني)، في المجتمع مراتب موازية (العلماء، المحاربون، التجار، العمّال). هذا التوازي ليس مصادفة؛ هو انعكاس ضروريّ.
- إنكار التراتب = إنكار الحقيقة: من أنكر التراتب الاجتماعي، أنكر بالتبعية تعدّد المراتب الميتافيزيقية. والعكس صحيح: من قبل المراتب الميتافيزيقية قبِل المراتب الاجتماعية. الذهنية الحداثية لا تَستطيع أن تقبل أحدَهما، لأنّها بنت نفسها على المساواة الصورية في ميدان الحسّ.
النظام الطبيعي عند غينون
يَنقل غينون عن التراث الهندوسي الأنموذج الأمثل:
| المرتبة | الوظيفة | الطبقة |
|---|---|---|
| ١ | المعرفة والحفظ | البراهمان (الكهنة) |
| ٢ | الحكم والقتال | الكشاطرية (المحاربون) |
| ٣ | الإنتاج والتجارة | الفايشيا (التجار) |
| ٤ | الخدمة والعمل اليدوي | السودرا (العمّال) |
ويُنبّه غينون على أنّ هذه المراتب دَنِيَوية اجتماعية وليست أبديّة؛ يُمكن للعامل أن يَصير أعظمَ من الكاهن عند الله، إن كان تقيًّا صالحًا. ولكن في الوظيفة الاجتماعية، لكلٍّ مَوضعه.
وخلل النظام هو: ثورة الطبقات الأدنى على الأعلى، ذلك الذي يَرسم غينون ثلاث حلقاته:
- ثورة الكشاطرية على البراهمان (في العصور الوسطى والنهضة).
- ثورة الفايشيا على الكشاطرية (الثورة الفرنسية، صعود البورجوازية).
- ثورة السودرا على الفايشيا (الشيوعية، الديمقراطية الجماهيرية).
وخلاصة المسار: هيمنة الكمّ، إذ يَتساوى الجميع تحت معيارٍ واحد هو المال والإنتاج.
شواهد من غينون
“ومبدأ تـأسيس الطبقات الاجتماعيّة… يـعـبّر عن اختلاف الطبائع بين أفرَاد البشر ويقيم بينهم ترَاتـبًا وظيفيّا، ولا يُؤدّي الجهل به إلاّ إلى الفوضى والارتباك.” (السلطة الرّوحية والحكم الزمني، الباب الأوّل: السّـلطة والترَاتب الوظيفي)
“ومن بين الذين يفهمون أنّه ينبغي، قبل كلّ شيء، للانفلات من الفوضى التي يتخبّط فيها العالم الغربي، إدانة غرور الأوهام «الدّيمقرَاطيّة» و«المساوَاتية»، كم هم المستوْعبون لأهمّية وجود سلـّم تراتبي حقيقي في المجتمع.” (السلطة الرّوحية والحكم الزمني، الباب التاسع: القانون الثابت)
“تعاليم جميع المذاهب التراثيّة تؤكـِّـد على تفوّق ما هو روحيّ على ما هو زمني، وعلى اعتبار التــنـظيم الاجتماعيّ سويّا شرْعيّا عندما يتحقق الإقرار بهذا التفوّق ويُترْجم في العلاقات بين السلطتين الممـثـِّـلـتـيْـن لهذين المجالين.” (السلطة الرّوحية والحكم الزمني، الباب التاسع: القانون الثابت)
“التاريخ يـبـيّـن لنا بوضوح أنّ عدم الاعترَاف بهذا النظام الترَاتبي تــنجرّ عنه في كلّ مكان وزمان نفس النتائج: فقدان للتوازن الاجتماعي، واختلاط في الوظائف، وهيمنة متـفاقمة للعناصر الأكثر انحطاطا.” (السلطة الرّوحية والحكم الزمني، الباب التاسع: القانون الثابت)
“والفوضى، في الصميم، عبارة عن عدم التوازن، وتظهر في الميدان الإنساني بما يُسمّى: «الظلــم»، لوجود تطابق بين مفاهيم العدل، والنظام، والتوازن، والانسجام.” (السلطة الرّوحية والحكم الزمني، الباب التاسع: القانون الثابت)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
لم يَرِد تعليقٌ خاصٌّ للشيخ على هذا المفهوم في المواد المتاحة، ولكنّه يُدرج المفهوم ضمن الإطار الإسلامي للتفريق بين «أصحاب رسول الله» و«التابعين» و«تابعي التابعين»، وبين «العلماء» و«العوامّ»، و«أهل الحلّ والعقد» و«الرعية». هذه كلّها صور للتراتب الوظيفي في تاريخ الإسلام، وإن اختلفت التسميات عن التراث الهندوسي. والقاعدة الشرعية «لا يَصلح هذا الأمر إلا من قريش» في الحديث النبوي، تتضمّن وَعيًا فطريًّا بأنّ القيادة لا تَقوم لأيّ أحد؛ لها شروطُ كفاءة خاصّة.
صلات
- الشقّ الأعلى: السلطة الرّوحية (البراهمان).
- الشقّ الثاني: الحكم الزمني (الكشاطرية)؛ الملكية.
- الزوج النموذج: البراهمان والكشاطرية.
- الأرضية الميتافيزيقية: تعدّد مراتب الوجود.
- التطبيق الغربي الوسيط: البابوية والإمبراطورية؛ الأمّة المسيحية.
- النقيض الحداثي: نزعة الفردانية؛ «المساواة الصورية» الديمقراطية.
- النتيجة الأخيرة للإلغاء: هيمنة الكمّ؛ الحضارة المادّيّة.
- الكتاب المرجع: السلطة الرّوحية والحكم الزمني.