التعريف

العلم التراثي العرفاني هو المعرفة التي تَنظر إلى الأشياء من جهة مبادئها المبدئية لا من جهة ظواهرها القابلة للقياس: علمٌ تأتي منه العلومُ الخاصّة كالفروع من أصلٍ واحد، وهو النقيض المباشر لـ العلم الظاهري الحديث.

الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)

تلخيصٌ لموقف غينون في ستّة كتب: «هيمنة الكمّ»، «أزمة العالم الحديث»، «شرق وغرب»، «السلطة الرّوحية»، «رموز الإنسان الكامل»، «مراتب الوجود المتعدّدة». بصياغة المحرّر.

تعرض كتب غينون وجوهًا متعددة للعلم العرفاني التراثي، يجمع هذا المدخل منها:

  1. الوجه الميتافيزيقي المجرّد (في «مراتب الوجود»): هو معرفةٌ بالمبدأ الواحد من جهة إطلاقه وإمكاناته ومراتب ظهوره، ويَبلغها الكائن بالتحقّق لا بالتنظير.
  2. الوجه التطبيقي العلمي (في «أزمة العالم الحديث»): هو الأصل الذي منه تَتفرّع العلوم الجزئية (علم الأعداد، علم الحروف، الهندسة المقدّسة، التنجيم الرمزيّ)، وكلّها لا تُفهم إلا من فوق.
  3. الوجه الحضاري (في «شرق وغرب»): هو الميزة الجوهرية لحضارات الشرق، وهو ما فَقَدَه الغرب الحديث فَصَار لا يَعرف إلا «تأثير العقل على المادّة».
  4. الوجه السياسي-الترتيبي (في «السلطة الرّوحية والحكم الزمني»): هو الأصل الذي به تَثبُت شرعية السلطة الرّوحية، ومنه يَستمدّ الحكم الزمني حقَّه في التطبيق.
  5. الوجه الرمزي-الهندسي (في «رموز الإنسان الكامل»): هو العلم الذي لا يُفصح عن نفسه إلا بالرموز كـ الصليب وشجرة الوسط والكرة.
  6. الوجه الرياضي التصحيحي (في «مبادئ الحساب اللامتناهي صغرا»): هو ردّ العلم الجزئي إلى مبادئه حتى لا يبقى الحساب التفاضلي والتكاملي مجرد تقنية ناجحة بلا تبرير مبدئي.

والخيط الذي يَجمَع هذه الأوجه هو أنّ العلم عند غينون ليس جمع بياناتٍ، بل طريقٌ يَعرج به الكائنُ إلى أصله. وحين يَنقطع هذا الطريق، يَصير ما يُسمّى علمًا جمعَ بياناتٍ عن الظاهر، لا أكثر.

ومن هنا كانت هيمنة الكمّ وجهًا معرفيًّا، لا حضاريًّا فقط: هي انتصار العلم الظاهري على العلم العرفاني في كلّ ميدان.

شواهد من غينون

“فاللازم في هذا الصدد، هو توظيفها لمنع كل خلط بين وجهة نظر العلم التراثي العرفاني ووجهة نظر العلم الظاهري.” (هيمنة الكمّ، المقدّمة)

“«العلوم التراثية» بمقتضى ارتباطها بالمبادئ الميتافيزيقة، تندرج بكيفية فعلية بـ«العلم المقدّس».” (أزمة العالم الحديث، الفصل الرابع: العلم المقدّس والعلم العموميّ الدّوني)

“كيف يمكننا تبيان مدى أهمية المعرفة المعنوية على التمام لأناس ، العقل المفكر عندهم ليس سوى وسيلة للتأثير على المادة وإخضاعها لغايات نفعية عملية.” (شرق وغرب، الباب الأول: الحضارة والتقدم)

“أمّا الهيئة الرّوحيّة، فوظيفتها الجوْهريّة هي المحافظة على المذهب التراثي(أو الدّين) وتبليغه، وفيه يجد كلّ التنظيم الاجتماعيّ النظاميّ مبادئه الأساسيّة.” (السلطة الرّوحية والحكم الزمني، الباب الثاني)

“لا وجود لأشياء غير قابلة للمعرفة، وإنما توجد في الوقت الحاضر أشياء غير مفهومة.” (مراتب الوجود المتعدّدة، الباب السادس عشر: معرفة ووعي)

“هذا وإنّ التصوّف في جوهره, هو معرفة خالصة لما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا) , بالمعنى الحقيقي والأصلي لهذه الكلمة” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الثالث)

من تقديم عبد الإله بن عرفة

“كان هذا الكتاب حول علم دقيق يسميه عبد الواحد يحيى بالعلم الميتافيزيقي، وهو ما نسمّيه في دائرة العلوم الإسلامية بعلم الإلهيات أو التوحيد أو علم الوجود الحق.” (تقديم د. عبد الإله بن عرفة لمراتب الوجود المتعدّدة)

نصوص الشيخ عبد الباقي مفتاح

“ومن مميّزات هذا الكتاب بيانه أنَّ استنباط أسرار الوجود من رمزية الصليب تساعد على عرض أسس المعرفة الميتافيزيقية والسلوك الروحي بأسلوب قريب من المنطق الرياضي الهندسي.” (رموز الإنسان الكامل، مقدّمة المترجم)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

[صياغة الموسوعة] يصف عبد الإله بن عرفة، في تقديمه لـ«مراتب الوجود المتعدّدة»، موضوع الكتاب بأنه من علم الإلهيات والتوحيد والوجود الحق، ويذكر في سياقه الشيخ الأكبر ابن عربي. هذا التقديم من كلام ابن عرفة، لا من تعليق الشيخ مفتاح.

أما الشيخ مفتاح فيشير، في مقدمة «رموز الإنسان الكامل»، إلى أن الرمزية تتيح عرض أسس المعرفة الميتافيزيقية والسلوك الروحي بأسلوب قريب من المنطق الرياضي الهندسي. تلتقي العبارتان في وصف موضوع المعرفة وطريقة عرضه، مع استقلال نسبة كلّ منهما إلى صاحبها.

صلات