في جملة واحدة
العلم التراثي العرفاني هو المعرفة التي تَنظر إلى الأشياء من جهة مبادئها المبدئية لا من جهة ظواهرها القابلة للقياس: علمٌ تأتي منه العلومُ الخاصّة كالفروع من أصلٍ واحد، وهو النقيض المباشر لـ العلم الظاهري الحديث.
الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)
تلخيصٌ لموقف غينون في ستّة كتب: «هيمنة الكمّ»، «أزمة العالم الحديث»، «شرق وغرب»، «السلطة الرّوحية»، «رموز الإنسان الكامل»، «مراتب الوجود المتعدّدة». بصياغة المحرّر.
يَذكر غينون للعلم العرفاني التراثي خمسة أوجه، كلّ وجه يَبرز في كتابٍ من كتبه:
- الوجه الميتافيزيقي المجرّد (في «مراتب الوجود»): هو معرفةٌ بالمبدأ الواحد من جهة إطلاقه وإمكاناته ومراتب ظهوره، ويَبلغها الكائن بالتحقّق لا بالتنظير.
- الوجه التطبيقي العلمي (في «أزمة العالم الحديث»): هو الأصل الذي منه تَتفرّع العلوم الجزئية (علم الأعداد، علم الحروف، الهندسة المقدّسة، التنجيم الرمزيّ)، وكلّها لا تُفهم إلا من فوق.
- الوجه الحضاري (في «شرق وغرب»): هو الميزة الجوهرية لحضارات الشرق، وهو ما فَقَدَه الغرب الحديث فَصَار لا يَعرف إلا «تأثير العقل على المادّة».
- الوجه السياسي-الترتيبي (في «السلطة الرّوحية والحكم الزمني»): هو الأصل الذي به تَثبُت شرعية السلطة الرّوحية، ومنه يَستمدّ الحكم الزمني حقَّه في التطبيق.
- الوجه الرمزي-الهندسي (في «رموز الإنسان الكامل»): هو العلم الذي لا يُفصح عن نفسه إلا بالرموز كـ الصليب وشجرة الوسط والكرة.
والخيط الذي يَجمَع الأوجهَ الخمسةَ هو أنّ العلم عند غينون ليس جمع بياناتٍ، بل طريقٌ يَعرج به الكائنُ إلى أصله. وحين يَنقطع هذا الطريق، يَصير ما يُسمّى علمًا جمعَ بياناتٍ عن الظاهر، لا أكثر.
ومن هنا كانت هيمنة الكمّ وجهًا معرفيًّا، لا حضاريًّا فقط: هي انتصار العلم الظاهري على العلم العرفاني في كلّ ميدان.
شواهد من غينون
“فاللازم في هذا الصدد، هو توظيفها لمنع كل خلط بين وجهة نظر العلم التراثي العرفاني ووجهة نظر العلم الظاهري.” (هيمنة الكمّ، المقدّمة)
“«العلوم التراثية» بمقتضى ارتباطها بالمبادئ الميتافيزيقة، تندرج بكيفية فعلية بـ«العلم المقدّس».” (أزمة العالم الحديث، الفصل الرابع: العلم المقدّس والعلم العموميّ الدّوني)
“كيف يمكننا تبيان مدى أهمية المعرفة المعنوية على التمام لأناس ، العقل المفكر عندهم ليس سوى وسيلة للتأثير على المادة وإخضاعها لغايات نفعية عملية.” (شرق وغرب، الباب الأول: الحضارة والتقدم)
“أمّا الهيئة الرّوحيّة، فوظيفتها الجوْهريّة هي المحافظة على المذهب التراثي(أو الدّين) وتبليغه، وفيه يجد كلّ التنظيم الاجتماعيّ النظاميّ مبادئه الأساسيّة.” (السلطة الرّوحية والحكم الزمني، الباب الثاني)
“لا وجود لأشياء غير قابلة للمعرفة، وإنما توجد في الوقت الحاضر أشياء غير مفهومة.” (مراتب الوجود المتعدّدة، الباب السادس عشر: معرفة ووعي)
“هذا وإنّ التصوّف في جوهره, هو معرفة خالصة لما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا) , بالمعنى الحقيقي والأصلي لهذه الكلمة” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الثالث)
نصوص الشيخ عبد الباقي مفتاح
“كان هذا الكتاب حول علم دقيق يسميه عبد الواحد يحيى بالعلم الميتافيزيقي، وهو ما نسمّيه في دائرة العلوم الإسلامية بعلم الإلهيات أو التوحيد أو علم الوجود الحق.” (تقديم د. عبد الإله بن عرفة لمراتب الوجود المتعدّدة)
“ومن مميّزات هذا الكتاب بيانه أنَّ استنباط أسرار الوجود من رمزية الصليب تساعد على عرض أسس المعرفة الميتافيزيقية والسلوك الروحي بأسلوب قريب من المنطق الرياضي الهندسي.” (رموز الإنسان الكامل، مقدّمة المترجم)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
يَرْبط الشيخ، في تعليقه، هذا «العلم الميتافيزيقي» بما يَعرفه المسلم في مكتبته الكلاسيكية:
ويَربط الشيخ الرمزَ الهندسيَّ عند غينون بجودةٍ معرفية خاصّة يمتاز بها عن غيره:
وبهذا، يَصير العلم التراثي العرفاني عند الشيخ الاسمَ الجامعَ الذي يَشمل: علم التوحيد، وعلم الحقائق، وعلم الأعداد والحروف، والرمزية المقدّسة، وكلّها مسالك إلى معرفةٍ واحدةٍ عَرَفَها الشيخ الأكبر ابن عربي قبل غينون بقرون.
مثال يقرّب المعنى
خُذْ حرفًا من حروف الأبجدية، «الألف» مثلًا:
- العلم الظاهري يدرسه من جهة صوتيّاته (ذبذبة، تردّد، حركة اللسان) وشكله (خطوطه، أبعاده). ويتوقّف هنا.
- العلم التراثي العرفاني يَراه رمزًا للألفة والأوّلية والوحدة الأفقية (الاستواء)، ويَربِطه بحديث «أنا مدينة العلم وعلي بابها»، ويَجد فيه ابنُ عربي بابًا من أبواب التوحيد. ثمّ يَجْعَل منه مفتاحًا لفهم الأعداد، وبناء الكلمة، وسلسلة الأسماء الإلهية.
كلا النظرَين صحيحان، لكنّ الثاني يَعرف ما لا يَعرفه الأوّل. والعصر الحديث لا يَكتفي بفَقْد الثاني، بل يَزعم أنّه غير موجود أصلًا، وأنّ العلم الأوّل هو العلم كلُّه. هذا هو ما يُسمّيه غينون نهاية الطريق.
صلات
- النقيض: العلم الظاهري.
- الأرضية: التراث الروحي؛ العرفان الخالص.
- السلطة الحاملة: السلطة الرّوحية.
- الوجه الرمزي: الصليب؛ شجرة الوسط؛ الكرة؛ المكعّب.
- النتيجة الوجودية: الإنسان الكامل؛ التحقّق بـ تعدّد مراتب الوجود.
- الجهة الجغرافية المحفوظة: الشرق.
- المترجم الشارح: الشيخ عبد الباقي مفتاح.
- الشاهد المعاصر: كوماراسوامي (التراثيّ الذي بَيّن أنّ الرموز حاملةٌ لِعلمٍ مقدّس لا زخارف).
- مَنزل أكبري: الباب ٤ من «الفتوحات» (في عِلم وَرَثة الأَنبياء)؛ والباب ١٧٧ في عِلم الجَمع.
- الكتب المرجعيّة: مراتب الوجود المتعدّدة؛ أزمة العالم الحديث؛ رموز الإنسان الكامل؛ شرق وغرب؛ السلطة الرّوحية والحكم الزمني؛ التصوف الإسلامي المقارن؛ هيمنة الكمّ.