في جملة واحدة
الإنسان الكامل ليس «الإنسان المثالي» أخلاقيًّا؛ هو الكائن الذي تَحقّق فعلًا بكلّ مراتب الوجود، فَجَمع في ذاته ما كان متفرّقًا في العالم الكبير، وصار صورةَ الكون الجامعة.
الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)
تلخيصٌ لموقف غينون في «رموز الإنسان الكامل» و«مراتب الوجود المتعدّدة»، بصياغة المحرّر.
للإنسان الكامل عند غينون ثلاث خصائص جامعة، كلُّ خاصّة تَكشف عن وجهٍ من وجوهه:
- الجامعيّة (la totalisation): هو الكائن الذي تَحقّق بـ مراتب الوجود المتعدّدة في ذاته. لا يَبقى في الحالة البشرية وحدها، بل يَصعد إلى الحالات فوق البشرية (ما يسمّيه ابن عربي «الحقيقة المحمدية» أو الفَلك الأعلى)، ولا يَنقطع منها إلى ما دون البشرية. فهو يَجمع القوس كلَّه.
- المركزية (la centralité): موضعه في الكون ليس على المحيط، بل في المركز. ولذلك تُحيل كلّ الرموز المركزية إليه: الصليب (نقطة التقاطع)، شجرة الوسط (المحور)، المركز الروحي (البقعة الأعلى)، القطب (الثابت الذي يَدور حوله الكون).
- الرمزية الهندسية (la symbolique géométrique): يَصفه غينون بالصليب لأنّ الصليب شكلٌ يَجمع بُعدَين: الأفقيّ («الانبساط»، أي الكائن في حالةٍ واحدة من الوجود)، والعمودي («العروج والنزول»، أي الكائن عبر مراتب الوجود). والإنسان الكامل هو نقطة التقاطع: يَحمل كلَّ الامتدادَين في آن.
ولذلك نَفهم لماذا جَعل غينون هذين الكتابَين ركنَين:
- «مراتب الوجود المتعدّدة» يُقدّم الأرضية الميتافيزيقية: كيف تَنبنى الحالات المتعدّدة للكائن، وكيف يَرتفع الكائن فيها. هذا هو العلم النظريّ اللازم لفَهم الإنسان الكامل.
- «رموز الإنسان الكامل» يُقدّم الأرضية الرمزية والعملية: كيف يَرى التراثُ الإنسانَ الكاملَ في صورته الهندسية، وكيف يَعرفه بالصليب والشجرة والمركز.
وبدون الكتابَين معًا لا يكتمل الفَهم: الأوّل يُخبرك بـ«ماهيّته»، والثاني يُخبرك بـ«رمزه».
شواهد من غينون
“إنّ التحقيق الفعلي بمراتب الوجود المتعددة يرجع إلى المفهوم الذي تطلق عليه مذاهب تراثية مختلفة، وبالأخص التصوّف الإسلامي، اسم «الإنسان الكامل».” (رموز الإنسان الكامل، الباب الثاني)
“الترتيب التسلسلي الهرمي للمراتب المتعددة في التحقق الفعلي للكائن الكلي، هو وحده الذي يتيح فهم كيفية اعتبار ما يسمّى عموما بـ«السلالم الروحية».” (مراتب الوجود المتعدّدة، الباب الثالث عشر)
“جُلّ المذاهب التراثية تشير إلى التحقق بمقام «الإنسان الكامل» بنفس الرّمز في كل مكان.” (رموز الإنسان الكامل، الباب الثالث: الرمزية الميتافيزيقية للصليب)
“ولنأخذ لذلك مثلا واحدا وهو مفهوم “الإنسان الكامل” الذي لم نجد له أثرا، والذي هو أساس النظرية الصوفية المتعلقة بـ”تجلي الحضرة النبويّة ”.” (التصوف الإسلامي المقارن، القسم الرابع)
نصوص الشيخ عبد الباقي مفتاح
“لهذه الأسباب فضلتُ في ترجمة عنوان الكتاب التعبيرعن روحه وقطب مداره، أي: الإنسان الكامل المتحقق بكمال التوحيد، والمستوعب لكل مراتب الوجود: “انبساطـًا أفقيًا، وعروجـًا ونزولا عموديًا”.” (رموز الإنسان الكامل، مقدّمة المترجم)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
يُوضّح الشيخ في مقدّمته لـ «رموز الإنسان الكامل» لماذا اختار هذا العنوان بالذات (مع أنّ العنوان الأصلي الفرنسي هو «رمزية الصليب»)، ويَكشف في ذلك عن موقعه من المفهوم:
قلم المحرّر في هذا الاختيار حكمٌ تفسيريٌّ ثقيل: الشيخ يَقرّر أنّ الصليب ليس موضوع الكتاب، بل وَسيلته. الموضوع هو الإنسان الكامل، والصليبُ صورته. ومعنى ذلك أنّ الشيخ لا يَقرأ الكتاب بوصفه كتابًا في الرمزية الهندسية، بل بوصفه كتابًا في الميتافيزيقا الأكبريّة، كَتَبه غينون بلغة هندسية لأنّها أدقّ من لغة الخطاب.
ولهذا السبب أيضًا، يَستدعي الشيخ في كتبه «المفاتيح» لِفصوص ابن عربي: لأنّ ابن عربي هو المرجع الأكبر لمفهوم الإنسان الكامل في الإسلام، وغينون عنده يُعيد تقديم العقيدة نفسها بلغةٍ غربيّة.
مثال يقرّب المعنى
خذ خريطةً لِمدينة، تحتوي كلَّ شارعٍ وكلَّ ميدان. الخريطة ليست المدينةَ؛ المدينةُ أعظم منها. لكنّها تَحوي صورةَ المدينة في نقطةٍ صغيرة من الورق. وبالخريطة يَفهم صاحبها المدينةَ دون أن يَسير كلَّ شوارعها.
الإنسان عند غينون خلقه الله خريطةً للكون: فيه ما في السماء وما في الأرض، ما في عالم الحسّ وعالم الغيب. والإنسان العاديّ يَعيش غافلًا عن هذه الخريطة: يَنام في غرفةٍ صغيرةٍ منها، ويَظنّها كلَّ بيته. أمّا الإنسان الكامل، فهو من تَحقّق بالخريطة كلّها: سار في كلّ شارعٍ فيها بالمعرفة والمجاهدة، حتى صار يَعرف كلَّ حيٍّ من أحياء العالم الصغير (نفسه) على مقابله في العالم الكبير.
هذا المعنى عبَّر عنه ابن عربي بقوله: «من عرف نفسه عرف ربّه». ولا يَعرف نفسَه إلا من خَتَم معرفتها على كلّ مراتبها. فَتَبقى هذه المعرفة امتيازَ الإنسان الكامل الذي يَصلح أن يكون خليفةً في الأرض.
صلات
الإنسان الكامل هو **الغاية القُصوى لكلّ التَّحقّق** في كلّ تَراث: يَنتظم في ذاته جميع [[concepts/taaddud-maratib-al-wujud|مَراتب الوجود]]، فيَجمع [[concepts/al-imkaniyya-al-kulliyya|الإمكانية الكلّية]] والظُّهور. ورَمزه الهَندسي [[symbols/al-salib|الصليب]] (تَقاطع الأَفقي والعَمودي). يُكافئه في الفيدنتا [[concepts/jivan-mukta|جيفان-مُكتا]]، وفي الطاوية «تشن-جان» (الإنسان المُتعالي). ومَن بَلَغه نال [[concepts/al-fath-al-kabir|الفَتح الكبير]]. مَرجعه الأَكبر [[figures/ibn-arabi|ابن عربي]] في «فصوص الحكم».
- الأرضية الميتافيزيقية: تعدّد مراتب الوجود؛ الإمكانية الكلية؛ الوجود الظاهر والوجود الباطن.
- الرموز المركزية: الصليب (أوضحها)؛ شجرة الوسط؛ الكرة؛ المكعّب.
- الموقع: القطب؛ المركز الروحي؛ أڤارتتها.
- الأعلام التراثية: ملكي-تصادق (النموذج التاريخي للإنسان الكامل في التراث الإبراهيمي)؛ ابن عربي (المرجع الأكبري للمفهوم في التصوف الإسلامي).
- الطريق إليه: العرفان الخالص؛ العلم العرفاني؛ التراث الروحي.
- النقيض الحداثي: نزعة الفردانية (اختزال الإنسان في الفرد، وهو عكس الإنسان الكامل).
- المترجم الشارح: الشيخ عبد الباقي مفتاح الذي أعاد ربط المفهوم بابن عربي.
- الكتب المرجعيّة: رموز الإنسان الكامل (الصريح)؛ مراتب الوجود المتعدّدة (الأرضية)؛ التصوف الإسلامي المقارن (المعجم الإسلامي).
عند الشيخ عبد الباقي مفتاح في الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا
يربط مفتاح مرتبة جيفان-موكتا الفيدنتية ببيان الجيلي للإنسان الكامل، وبأبواب ابن عربي في الفتوحات عن العبودية والحرية. هذا لا يجعل المصطلحين مترادفين آليا، لكنه يفتح محور مقارنة مضبوطا بين التحقق الفيدنتي والتحقق الأكبري.
“يوجد تفصيل لمرتبة العارف المتحقق بكلّ الحقائق الوجودية في ذاته في البابين13 و14 من كتاب “الإنسان الكامل “للشيخ عبد الكريم الجيلي” (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا، حاشية المترجم)