في جملة واحدة
الجهاد الأكبر عند غينون هو الحرب الباطنية التي يَخوضها السالك ضدّ ما في نفسه من عناصر مُناقضة للوحدة والانسجام، وهو أَعلى مَرتبةً من «الجهاد الأصغر» (الحرب الخارجية)، الذي ليس إلا «صورةً مَحسوسة» له. وغايتُه في الحقيقة السلام، أي الاستسلام لإرادة الحقّ، الذي تَلتقي به كلمة «الإسلام» في جذرها العربي.
الشرح الميتافيزيقي
يَكتب غينون فصلًا كاملًا بعنوان «سيف الإسلام» في «التصوّف الإسلامي المقارن» (الباب الأوّل، حسب ترتيب الكتاب)، يَبسط فيه ستّ نقاط:
-
الإسلام ليس دين حَرب فقط: التَّصور الغربي الشائع أنّ الإسلام «دين حرب» يَختزل السيف في معناه الحَرفي الضيّق. والحقّ أنّ كلّ التراثيات السوية فيها جانب جهادي، بما فيها المسيحية: «لم آت بالسلام وإنّما جئت بالسيف» (إنجيل مَتّى)، والهندوسية في «البهاجافادجيتا».
-
الحديث النبوي المؤسِّس: «هذان المعنيان للحرب، وكذلك العلاقة الحقيقية القائمة بينهما، عَبّر عنهما بأَوضح ما يُمكن حديث النبيّ ﷺ الذي قاله إثر الرجوع من إحدى الغزوات ضدّ الأعداء الخارجيين، وهو: رَجَعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر». فالحرب الخارجية ثانوية بالنسبة إلى الحرب الباطنية، وما هي إلا صورة محسوسة لها.
-
السيف رَمز لا أداة فقط: في المسجد يَحمل الخطيب سيفًا فوق المنبر مع أنّ الخطبة لا علاقة لها بالحرب الميدانية. وأَكثر هذه السيوف من خَشب، أي غير صالحة للقتال أَصلًا. هذا يُؤكّد طابع السيف الرمزي: السيف هو الكلمة الفاصلة التي تُميّز الحقّ من الباطل، والقلب من النفس.
-
رمزية مُزدوجة شَمسية وقُطبية: السيف يُشبَّه بالصاعقة (الفاجرا الهندية) وبالشُّعاع الشمسي (سهام أبولّون)، وأحيانًا بالمحور (رمزية قُطبية). والحدّان القاطعان يُمثِّلان «قدرة الكلام المُزدوجة: المُبدعة الخلّاقة والمُفنية الساحقة». والسيف الذي يَخرج من فَم الكلمة الإلهية في رؤيا يوحنا «حدّ مَزدوج»، هو نَفس رَمزية الكلمة الفاصلة.
-
غاية الجهاد: السلام والانسجام: «المآل السويّ للجهاد، وهو في النهاية السبب الوحيد لوُجوده، إنّما هو السلام، الذي لا يُمكن التحقّق به فعليًّا إلا بالاستسلام للإرادة الإلهية (وهذا هو معنى كلمة الإسلام)، وذلك بوضع كلّ من العناصر في مَوقعه لكي يُساهم الجميع في التحقيق الواعي لنفس المُخطَّط». وغينون يَلفت إلى التَّقارب اللُّغوي بين «الإسلام» و«السلام».
-
السيف غاية لا وسيلة فقط: في الرمزية المحورية، السيف ليس وسيلةً للوصول إلى الانسجام فحسب، بل هو الانسجام نفسه: «المحور هو الموقع الذي تَلتقي فيه كلّ المتضادات وتَتلاشى عنده». فالسيف يَجمع بين كَونه وسيلة (يَحسم النزاع) وكَونه غاية (هو الوسط الثابت الذي تَؤول إليه الأشياء).
شواهد من غينون
“في وجهة النظر التراثية الروحية التي تعطي للحرب كل قيمتها من حيث هذا المفهوم, هي ترمز إلى الجهاد الذي ينبغي أنْ يقوم الإنسان به ضد الأعداء الذين يحملهم في نفسه, أيْ ضد كل العناصر التي هي في باطنه مناقضة للانسجام وللوحدة” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الأوّل: سيف الإسلام)
“هذان المعنيان للحرب، وكذلك العلاقة الحقيقية القائمة بينهما، عبّر عنهما بأوضح ما يمكن حديث النبي الذي قاله إثر الرجوع من إحدى الغزوات ضد الأعداء الخارجيين، وهو: “رجعـنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"" (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الأوّل)
“فإذا كانت الحرب الخارجية ليست سوى “الجهاد الأصغر”, بينما الحرب الباطنية هي “الجهاد الأكبر”, فهذا يعني أنْ ليس للأولى سوى أهمّية ثانوية بالنسبة إلى الثانية, وما هي إلا صورة محسوسة لها فقط” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الأوّل)
“المآل السويّ للجهاد، وهو في النهاية السبب الوحيد لوجوده، إنما هو السلام، الذي لا يمكن التحقق به فعليّاً إلا بالاستسلام للإرادة الإلهية (وهذا هو معنى كلمة “إسلام”)” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الأوّل)
“وفي مثل هذه الحالة لا يمكن للسيف أنْ يكون رمزاً، خاصة أنه مصنوع في الغالب من الخشب، وهذا مما يجعله طبعاً غير ملائم لأيّ استعمال في قتال خارجي” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الأوّل)
“يرمز قبل كل شيء إلى القدرة الفعّالة للكلمة, ويظهر هذا بديهيّا, خصوصاً أنّ “الكلمة الفاصلة” هي إحدى الدلالات التي تُنسب عموماً إلى السيف” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الأوّل)
“كم هم بعيدون عن الحقيقة أولئك الذين يزعمون أنْ ليس للسيف سوى دلالة “مادية"" (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الأوّل)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
يَختم الشيخ مفتاح هذا الباب بإضافة لافتة في الهامش: يَستشهد بإمام الجهادَيْن الأمير عبد القادر الجزائري (١٨٠٨-١٨٨٣م)، ويَنقل من «المواقف» (المَوقف ٧٣) قَوْلَه شارحًا حديث «رَجَعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»: «سَمّى جهاد الكفّار أَصغر لكَون جهاد الكفّار وقَتلهم ليس مَقصودًا للشارع بالذات، إذ ليس المقصود من الجهاد إهلاك مَخلوقات الله وإعدامهم… فلو فُرض أنّه لا يَلحق المسلمين أَذًى من الكافرين ما أُبيح قَتلهم. بخلاف جهاد النفس وتَزكيتها، فإنّه مَقصود لذاته».
هذه الإضافة جَوهرية. الأمير عبد القادر ليس مُجرّد عالم نَظَري؛ هو الذي قاد الجهاد المسلَّح أكثر من خمسة عشر عامًا، ثُمّ كَتب في «المواقف» أنّ الجهاد الأكبر فوق الأصغر. فالشيخ مفتاح يُريد أن يَقول: ليس هذا تأويلًا صوفيًّا لتَخدير المسلمين، بل هو تَعليم من مَن خاض الجهاد بنَفسه. والشاذلية الدرقاوية كلّها قائمة على هذه القاعدة: السيف الخارجي لا يَعمل بلا سيف داخلي، والثاني أَوْلى وأَهَمّ.
والآية المرجع في القرآن: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (الحج:٧٨)، نُزِّلَتْ بمكّة قبل أن يَفرض الجهاد المُسلَّح، فدلّت على أنّ «الجهاد في الله» مُتقدِّم على «الجهاد في سبيل الله». والآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت:٦٩)، نزَلت بمكّة كذلك، والـ«جاهدوا فينا» هنا هو جهاد الباطن الذي يَنفتح به الفتح المعرفي.
ومن أَدقّ ما في الباب: غينون يَلفت إلى أنّ الحدَّيْن القاطعَيْن للسيف يُمثِّلان «قدرة الكلام المُزدوجة: المُبدعة الخلّاقة والمُفنية الساحقة». وهذا في الإسلام تَطبيقه بَيِّن: «لا إله» مُفنية ساحقة (تَنفي ما سوى الله)، «إلا الله» مُبدعة خَلّاقة (تُثبت الوحدة). فشَهادة التوحيد سَيفٌ ذو حَدَّيْن، وكلّ ذِكر تَكرارٌ لِفعله.
مثال يقرّب المعنى
تَأمّل في الفرق بَيْن سَيفٍ خارجي وسيف داخلي:
-
الجُندي في الميدان: يَحمل سَيفًا (أو سِلاحًا حَديثًا)، يُواجه عَدوًّا له اسم وعُنوان، ويَنتهي القتال بأَحد مَصيرَيْن: نَصرٌ أو هَزيمة. هذا الجهاد الأَصغر، وله شُروط الشرع المَعروفة عند الفقهاء، وله أَجر عظيم: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء:٩٥).
-
السالك أمام نفسه: يَحمل سيفًا لا يَراه، يَواجه عَدوًّا داخل صَدره (هَوى، عُجب، حَسد، رِياء، خَوف، طَمَع). لا يَنتهي القتال بنَصر مُؤقَّت، لأنّ النفس تَنتفض كلّما ظَنّ أنّه قَهَرها. الأمير عبد القادر في «المواقف» يَصف هذا الجهاد بأنّه يَستمرّ إلى المَوت.
-
الكامل: من خَاض الأَصغر بنية القُربى، فاستَخدم الجهاد الخارجي وَسيلةً لتربية الباطن، فعاد إلى الأكبر بأَدوات أَصقَل. سَيفه على عَدوّه الخارجي لم يَخلع عنه سَيفه على عَدوّه الداخلي، بل كلاهما يَخدم الآخر.
ومن لطائف الرمز: حين يَخرج الخطيب يَوم الجمعة ويَتوكّأ على السيف، يَنظر إليه أَلوف من المُصلّين. أَكثرهم يَظنّ السيف زِينةً تاريخية. القَلائل منهم يَفهمون: هذا السيف حُجّةٌ عَلَيهم. الخطيب لا يَحمله ليُخوف العَدوّ، بل ليُذَكِّر كلّ مُصَلٍّ أنّ أَكبر عَدوّ له واقفٌ معه في الصفّ، يَستمع للخطبة معه، ويَدخل البيت معه، وإذا لم يَسلّ هو السيف عَليه فلن يَسلّه أَحدٌ غيرُه.
ولذلك جَعَلت الشاذلية الدرقاوية الذِّكر سَيفًا. «لا إله إلا الله» تَكرارها هو تَكرار ضَربات على عَدوّ لا يَموت إلا بضَربة مُتواصلة: النفس الأَمّارة بالسوء.
صلات
الجِهاد الأَكبر هو **العَمل الباطن** الذي يَخوضه السالك في [[concepts/al-tariqa|الطريقة]]. يَنبثق من [[concepts/al-faqr|الفَقر]] (إدراك العَجز) فيَفتح بابه، وغايته [[concepts/al-fath-al-kabir|الفَتح الكبير]] (انعتاق النَّفس)، ومَوضعه [[concepts/al-tawhid|التَّوحيد]] (تَوحيد المُريد على الحقّ وَحده). يَلتقي مَفهوميًّا بـ«الجِهاد ضدّ النفس» في كلّ تَراث صوفي صادق، وبـ«قَهر الأَهواء» في الفيدنتا. ولولاه لكان السلوك مُجرَّد لَفظ.
- الكتاب المؤسِّس: التصوف الإسلامي المقارن (الباب الأوّل: سيف الإسلام).
- المفاهيم المُترابطة: الفقر (الذي يَفتح بابَ الجهاد الأكبر)؛ الطريقة (سبيل الجهاد الأكبر المُنظَّم)؛ التوحيد (الذي يُتحقّق به الجهاد الأكبر)؛ الفطرة الأصلية (التي يَعود إليها الكائن بعد الجهاد).
- رموز السيف والحرب: السيف بحدّيه القاطعَيْن (الرمز الجامع لِلكَلمة الفاصِلة)؛ السيف الخشبي في القربان الفيدي؛ الفاجرا الهندية (صاعقة إندرا)؛ سهام أبولّون.
- الموازي الأكبري: الباب ٢٧٠ من الفتوحات (مَنزل الجهاد)؛ الباب ٧١ في الحَرب الأَكبر؛ فصّ يحيى في فصوص الحكم (سَيف الكلمة).
- الموازي المقارن: قَتل إندرا للتنّين فريترا في الـ«ريغفيدا»؛ مُحاربة أَبولّون للثعبان بيتهون في الميثولوجيا اليونانية؛ سَيف الكلمة في رؤيا يوحنا.
- المرجع القرآني: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (الحج:٧٨)؛ ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت:٦٩)؛ ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (الفرقان:٥٢).
- المرجع الحديثي: «رَجَعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» (رواه البيهقي بسند ضعيف، لكن المعنى مُؤيَّد بالقرآن)؛ «المُجاهد من جاهَد نفسه في الله» (رواه أحمد وغيره).
- مَرجع تكميلي: «المواقف» للأمير عبد القادر الجزائري، المَوقف ٧٣ (يَنقله الشيخ مفتاح في الحاشية).