في جملة واحدة

الإنسان الحقيقي (تشان-جان) هو الذي وَصَل إلى اكتمال المرتبة الإنسانية فتطابق مع مركزها وأصبح ملكَ ملكاته الفطرية الأولى؛ والإنسان المتعالي (شيون-جان) هو الذي تَجاوز المرتبة البشرية كلَّها وتحقّق بـ«الوحدة العظمى»؛ والفرق بينهما هو الفرق بين مقام الفطرة الأصلية الأولى والفتح الكبير، أي بين «الأسرار الصغرى» و«الأسرار الكبرى».

الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)

تلخيصٌ لموقف غينون في الفصل الثامن عشر من «الثلاثية العظمى»، بصياغة المحرّر.

يَبني غينون التمييز على ست نقاط:

  1. التطابق مع المعجم الإسلامي: «الإنسان الحقيقي» = «إنسان الفطرة الأصلية»، والمعجم القرآني له ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (الروم:٣٠). «الإنسان المتعالي» = «الإنسان الكامل» في الاصطلاح الأكبريّ، نهاية «الأسرار الكبرى» = «الفتح الكبير» = «الوحدة العظمى».
  2. حدّ الفصل بينهما: المرتبة البشرية. الإنسان الحقيقي بَلَغ مركزها لكنّه فيها؛ الإنسان المتعالي خرج منها كلّيًا. وغينون يُصرّح: «هو لم يَعد بتعبير دقيق إنسانًا بالمعنى الفردي لهذه الكلمة، إذ تَجاوز مرتبة البشرية العمومية وتَحرّر تمامًا من أوضاعها الخاصة، وأيضًا من جميع الأوضاع المقيِّدة لأيّ مرتبة وجودية أخرى».
  3. عَلاقتهما بالأسرار: في المعجم العرفاني العالمي «الأسرار الصغرى» (المعنى عند غينون: ما يَتعلّق بكمال المرتبة البشرية ورُجوع الفرد إلى مركزه الفطري) تَنتهي عند الإنسان الحقيقي. و«الأسرار الكبرى» (ما وراء المرتبة البشرية) تَنتهي عند الإنسان المتعالي. وهذا تَناظر يَستحضره غينون في الرّمزية الهرمسية بـ«العمل بالأبيض» للأولى و«العمل بالأحمر» للثانية.
  4. مَن لم يَبلغ المركز يَخلطهما: للذين هم في المرتبة البشرية ولم يَصلوا إلى مركزها، «الإنسان المتعالي» غير مَشهود؛ لا يُرى إلا من خلال أثره، وهذا الأثر مُطابِق لِصورة «الإنسان الحقيقي». فلهذا يَخلط الناس عادةً بينهما. لكنّ غينون يُحرّر: «من وجهة النظر البشريّة، لا يوجد أيّ تمييز ظاهر بين الإنسان المتعالي والإنسان الحقيقي، لأنّ ما يميّزهما هو بالتحديد وراء المرتبة البشريّة».
  5. التسلسل الطاوي الكامل (خمس درجات): من أسفل إلى أعلى:
    • الإنسان الحكيم (شانـڨ-جان) — أعلى الكنفوشيوسية، أوّل الطاوية، صاحب «الحكمة» الظاهرية.
    • الإنسان الموْهوب (تشاو-جان).
    • سالك الطريق (طاو-جان) — في الطريق، لم يَصل.
    • الإنسان الحقيقي (تشان-جان) — نهاية «الأسرار الصغرى».
    • الإنسان المتعالي (شيون-جان) — نهاية «الأسرار الكبرى».
    والأَلْطَف في هذا التسلسل: الدرجة الأدنى من الطاوية (الإنسان الحكيم) هي الأعلى من الكنفوشيوسية، فبينهما اتّصال لا انفصام؛ يَخرج المسلك من نهاية الجانب الظاهري إلى أوّل الجانب الباطني.
  6. الوظيفة الكونية: «الإنسان الحقيقي» في موقع المركز البشري يَقوم بدور «الوسيط» بين السماء والأرض = «المحرّك السّاكن» بالنسبة للمرتبة البشرية. «الإنسان المتعالي» يَقوم بدور «المحرّك السّاكن» بالنسبة لجميع المراتب. والاثنان يُحاكِيان «تصرّف السماء» = الفعل بالحضور بلا تَدخّل ظاهر.

المطابق الإسلامي عند الشيخ مفتاح

في تَعليقاته على هذا الكتاب، يَستعير الشيخ مفتاح هذا التمييز صراحةً ويَرسم الموازي الصوفي:

الدرجة الطاويةالترجمة الصوفيةالمقام
الإنسان الحكيمالعالم الزاهدالبداية
سالك الطريقالمريدالتَلقّي
الإنسان الحقيقيالفاني عن أوصافهنهاية الأسرار الصغرى
الإنسان المتعاليالباقي بأوصاف الحقّنهاية الأسرار الكبرى

والفرق بين المقامَين الأخيرَيْن عند الصوفية هو الفرق بين الفناء (= الإنسان الحقيقي = خروج عن الأوصاف البشرية الخاصة بالعبد) والبقاء (= الإنسان المتعالي = الوصول إلى الجمع بعد الفرق، حيث يَبقى الكائن بأوصاف الحقّ بعد فنائه عن أوصافه). هذا التَطابق ليس صدفة؛ هو تَطابق بنيوي لأنّ المنطق المتافيزيقي واحد في التراثَين.

نَفاذ التمييز إلى مسائل عمليّة

هذا التمييز ليس نظريًّا فقط؛ غينون يَستعمله لِحلّ مسائل عمليّة عدّة:

  • لماذا يَبدو أنّ كثيرًا من الصُّوفية الكبار يَختفون بعد بُلوغهم المقام الأعلى؟ لأنّ «الإنسان المتعالي» غير مَشهود لِمَن في المرتبة البشرية.
  • لماذا يَظهر الإنسان المتعالي إذا ظَهر في صورة إنسان حقيقي؟ لأنّه ينطبع كأثرٍ على المستوى البشري.
  • لماذا يُعطى للأنبياء وللأقطاب وَظائف ظاهرة في الدنيا؟ لأنّهم يَستعملون درجتهم العليا كـ«وظيفة عارضة» في الدرجة الدنيا.

شواهد من غينون

“«الإنسان الحقيقي»(تشان- جان) قد أطلق عليه البعض اسم: «الإنسان المتعالي»، ولكن هذه التسمية هي بالأحرى غير مناسبة، لأنه هو فقط الشخص الذي وصل إلى اكتمال المرتبة الإنسانية، ولا يمكن أنْ يُطلق وصف «متعالٍ» حقًا إلا على ما وراء تلك المرتبة.” (الثلاثية العظمى، الفصل الثامن عشر)

“إنه أصبح فعليًّا «الإنسان الكامل»، في حين أنّ هذا ليس هو مقام «الإنسان الحقيقي»، المتطابق بالفعل فقط مع «إنسان الفطرة الأصلية».” (الثلاثية العظمى، الفصل الثامن عشر)

“«الإنسان المتعالي» و«الإنسان الحقيقي»، المتناسبان على التوالي مع كلمتيْ: «الأسرار الكبرى» و«الأسرار الصغرى»، هما أعلى درجتين في التسلسل الهرمي الطاوي.” (الثلاثية العظمى، الفصل الثامن عشر)

“من وجهة النظر البشريّة، لا يوجد أيّ تمييز ظاهر بين «الإنسان المتعالي» و«الإنسان الحقيقي» (رَغم أنه في الواقع لا يوجد مقياس مشترك بينهما، كما لا يوجد مقياس بين المحور وواحدة من نقاطه)، لأنّ ما يميّزهما هو بالتحديد وراء المرتبة البشريّة.” (الثلاثية العظمى، الفصل الثامن عشر)

“في عيون الناس العاديين، وحتى المريدين الذين لم يُكْملوا مسار «الأسرار الصغرى»، يظهر «الإنسان المتعالي»، بل أيضًا «الإنسان الحقيقي»، باعتباره «مفوّضا» أو ممثِّلا للسماء التي تظهر لهم من خلاله بكيفيّة مّا.” (الثلاثية العظمى، الفصل الثامن عشر)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

يُحرّر الشيخ مفتاح هذا الزوج المصطلحي في قائمة المصطلحات في صدر «الثلاثية العظمى»:

> - Homme véritable: إنسان حقيقي > - Homme transcendant: إنسان متعالي > - Homme Universel: إنسان كامل

هذا الاختيار اللغويّ بالغ الدقّة. «الإنسان الكامل» (Homme Universel) يَختصّ بالمقام الأعلى الذي يَستوعب جميع المراتب الوجودية، فهو موازٍ لـ«الإنسان المتعالي» في وَصْفه التحقّقي. لكنّ «الإنسان الكامل» مصطلحٌ أكبريٌّ كلاسيكيٌّ بالعربية (راجع كتاب عبد الكريم الجيلي «الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل»)، فاستعماله يَفتح للقارئ المسلم بابًا إلى تراثه الصوفي العميق. ولذلك في الفصل الثامن عشر تَقرأ صياغة الشيخ صريحةً: «وصل إلى التحقق التامّ بـالكمال وبـ«الهويّة العليا» (أو «الوحدة العظمى» أو «الفتح الأكبر»)».

ومن أعمق ما يَفعله الشيخ ربط هذا التمييز عند غينون بمقامات الفتح عند ابن عربي وأتباعه (الفتح القريب للنفس، الفتح المبين للقلب، الفتح الكبير للروح)، وبمقامات الفناء عند الصوفية (الفناء، البقاء، الفناء في الفناء، البقاء بعد الفناء). فما يُسمّيه غينون «الإنسان الحقيقي» (الذي بَلغ مركزه البشري) يَلتقي مع «المقام المحمدي» أو «النَّفس المطمئنة»، وما يُسمّيه «الإنسان المتعالي» يَلتقي مع «مقام الجمع» أو «الذات» أو «الفتح المطلق» الذي «لا فوقه فتح».

مثال يقرّب المعنى

تأمّل المسارَ كصُعود في جبلٍ ذي ذُروتَين، يَفصلهما سهلٌ:

  1. في السفح: الإنسان العادي، مَنغمس في «تيّار الأشكال»، تُحرّكه قطبيّاتُ الـ«يين» والـ«يَانـڨ» في سَوقٍ دائري، ولا يَرى من نفسه إلا حواشيها.
  2. عند الذُّروة الأولى (الإنسان الحقيقي): يَصل إلى مركز المرتبة البشرية. يَملك كلَّ ما يَملكه إنسانٌ من ملكات (روحية، عقلية، نفسية، جسدية) في أكمل تناسقها. هو في سهل الفطرة الأصلية، لا يَخضع لتقلّبات الزمن السَّفلي، يَنظر إلى الكون كلِّه من نقطته المركزية. لكنّه لا يَزال في المرتبة البشرية؛ هو إنسانٌ كاملٌ بشريّتُه، لا متجاوزٌ لها.
  3. عند الذُّروة الثانية (الإنسان المتعالي): يَترقّى عبر المحور العمودي الذي يَنطلق من مركز المرتبة الإنسانية إلى ذُروة السماء. يَخرج من المرتبة البشرية كلِّها، يَتحقّق بمراتب فوق-فردية، ثمّ يَتطابق مع المحور نفسه عند المركز الكلّي. هو لم يَعُد إنسانًا بالمعنى الفردي؛ هو الإنسان الكامل الذي يَجمع جميع مراتب الوجود.

والفرق العمليّ: الإنسان الحقيقي يَكفيه أن يَستعيد ما أَضاعَه آدم بالهبوط؛ الإنسان المتعالي يَتحقّق بما لم يَكن لآدم نفسه قبل الهبوط: مقام «الكائن الكلّي» الذي يَستوعب جميع المراتب.

صلات