ماذا يعلّمك هذا الكتاب؟

هذا هو النصّ التأسيسي لميتافيزيقا غينون كلِّها. محاضرةٌ ألقاها في جامعة السوربون بباريس يوم ١٧ ديسمبر ١٩٢٥، فيها يَختصر في صفحاتٍ قليلة كلَّ ما سيُفصّله لاحقًا في كتبه الكبيرة. مَن أراد أن يَفهم ما تَعنيه «الميتافيزيقا» عند غينون قبل أن يَدخل في تفاصيل مراتب الوجود ورموز الإنسان الكامل، فَهذا هو المدخل.

يُعلِّمك هذا الكتاب أربعة أمور:

  1. ما الميتافيزيقا: ليست «علمَ الإلهيات» الفلسفي، ولا «علم الكون» الطبيعي، ولا «نظرية المعرفة»؛ هي معرفة ما فوق الطبيعة (μετά + φυσική بمعناها الحرفي)، أي ما وراء كلّ ما هو من نطاق الظهور المُقَيَّد، حتى المراتب الفوق-بشرية.
  2. الفاعليّة التي تُدركها: ليست العقل المفكِّر ولا الحدس الحسّي البرغسوني، بل البصيرة المفارقة أو الحدس الروحي الخالص، فاعليّة فوق-عقلية تَنتمي إلى مرتبة كلّيّة لا فردية.
  3. بنية الكائن: الفرد ليس جوهرًا مغلقًا كموناد ليبنتز؛ هو حالةٌ واحدة من مراتب الوجود المتعدّدة لِكائنٍ أوسع. والشمسُ تشبيهٌ هندوسي: الانعكاسات (الأفراد) موصولة بالمنبع (الشخصية) لا تَستقلّ عنه.
  4. مراحل التحقّق: (التحقّق الميتافيزيقي) ثلاث مراحل: (أ) إتمام الإمكانيات الفردية البشرية = مقام الفطرة الأصلية الأولى، (ب) المقامات فوق-الفردية المُقَيَّدة، (ج) المقام المطلق غير المُقَيَّد = الفتح الكبير / الانعتاق الأكبر / اليوغا بمعناها الأصلي.

التعريف

«الميتافيزيقا الشرقية» محاضرةٌ قصيرة (نحوُ خمسة عشر صفحة في المتن الأصلي)، عنوانها الفرنسي La métaphysique orientale، ألقاها غينون في السوربون عام ١٩٢٥، ثمّ نُشرت مستقلّةً سنة ١٩٣٩. هي أوسع نصٍّ موجز عنده يَجمع تعريف الميتافيزيقا، الفاعليّة، الموضوع، وسائل التحقّق، والمراحل، في وحدةٍ واحدة. ترجمها الشيخ عبد الباقي مفتاح مع عشر تعليقات قرآنية-أكبريّة في الهامش، أهمّها نقلٌ مطوّل من الباب ٧٣ من «الفتوحات المكية» لابن عربي وملحقٌ معاصر يَربط تشخيص غينون عام ١٩٢٥ بحال الإسلام والتراث الروحي اليوم.

بنية الكتاب

النصّ ليس مقسَّمًا إلى فصول، بل يَسير في حركةٍ منطقية واحدة على ثماني نقاط متّصلة:

  1. التمييز الأوّل: الميتافيزيقا في جوهرها كونيّة لا شرقية ولا غربية؛ لكنّها لا تُوجد فعلًا اليوم إلا في الشرق، فمن أراد التعرّف عليها فَلِيَتوجّه إلى أهلها الأحياء. والاسم «الميتافيزيقا الشرقية» اختيار اضطراريّ لا اختياريّ.
  2. التعريف الاشتقاقي: μετά + φυσική = «ما وراء الفيزياء» = ما وراء الطبيعة. كلُّ تعريفٍ آخر — كنظرية المعرفة، أو علم النفس، أو الإلهيات الفلسفية — التباسٌ. وأرسطو نفسه قَصَر الميتافيزيقا في «الكائن من حيث هو كائن» وهذا حصرٌ للكلّ في الجزء، إذ المبدأ الأعلى وراء الكائن.
  3. الفاعليّة المُدْرِكة: الحدس الروحي الخالص (البصيرة المفارقة)، فاعليّة فوق-عقلية تَنتمي إلى مرتبة كلّيّة. لا يَجوز خلطها بحدس برغسون الحسّي الذي هو تحت-عقلي. والعقل المفكِّر مَلَكة مخصوصة بالإنسان وحده؛ ما فوقه «فوق المرتبة البشرية».
  4. بنية الكائن: الفرد ليس جوهرًا مغلقًا (ضدّ ليبنتز)؛ هو حالةٌ من حالات كائن أوسع. تشبيه الشمس الهندوسي: انعكاسات الشمس متعدّدة، الشمس واحدة. الفردية ≠ الشخصية.
  5. النظرية ثمّ التحقّق: المعرفة النظرية تمهيدٌ ضروريّ لا غاية في ذاتها. لا بدّ من تحويلها من القوّة إلى الفعل بالتحقّق العمليّ. أرسطو وقف عند النظر؛ التراث الشرقي يَتجاوزه إلى التحقّق.
  6. وسائل التحقّق: الشعائر والكلمات والرموز ركائز عَرَضية، لا أسباب فاعلة. أهمّ وسيلة دائمة: التركيز والحضور، وهو ضدّ ذهنية التشتّت الحديثة.
  7. المراحل الثلاث:
    • مرحلة تمهيدية: تحقيق كمال الإمكانيات الفردية = مقام الفطرة الأصلية الأولى (مقام آدم الأوّل، الانعتاق من قيد الزمان).
    • مرحلة وُسطى: المقامات فوق-الفردية المُقَيَّدة (الانعتاق من «تيّار الأشكال» بتعبير التراث الصيني).
    • المرحلة الأخيرة: الفتح الكبير / الانعتاق الأكبر = «التحقّق بالوحدة العظمى» = اليوغا في معناها الحرفي.
  8. الخاتمة: التراث الميتافيزيقي «غير بشري» في أصله، أي إلهيّ ربّاني. لا تاريخ بشري له. والغرب الحديث في حاجة إلى «العودة إلى الأصول» (عبارة من التصوّف الإسلامي يَستعملها غينون).

خريطة موضوعية

صلات بالكتب الأخرى

هذا النصّ هو مفتاح بقيّة الكتب. من قَرأه أوّلًا، تَكون قراءته للكتب الأخرى أعمق:

قراءة الموسوعة لتعليقات الشيخ عبد الباقي مفتاح

يُلحق الشيخ بالنصّ عشر تعليقات على هامش الترجمة، تَقوم بثلاث وظائف:

  1. التأطير القرآني: التعليق ٥ يَستحضر آية العنكبوت ٦٩ ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ كأصلٍ قرآنيّ لِما يَسمّيه غينون «دوام تركيز الفكرة وقوى الكائن على الهدف»، وآيات سورة الليل في الغاية الأعلى. والتعليق ٧ يَستحضر آيتي الميثاق (الأعراف ١٧٢-١٧٣) وآية الفطرة (الروم:٣٠) كأصل قرآنيّ لمفهوم «الفطرة الأصلية الأولى».
  2. التأطير الأكبريّ: التعليق ٦ نقلٌ طويل من الباب ٧٣ من الفتوحات المكية، جواب ابن عربي عن السؤال ٦١ من أسئلة الحكيم الترمذي، حول قوله تعالى ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾، حيث يَشرح ابن عربي أنّ «الزمان الفرد المتوهَّم هو يوم الشأن»، ويَسرد فيه حكاية الجوهري الذي رأى في «الواقعة» ستّ سنين في زمن غسلٍ واحد. والتعليق ٨ يُحذّر من ترجمة Union بـ«اتّحاد» لقول ابن عربي: «لا يقول بالاتّحاد إلا أهلُ الإلحاد، ولا يقول بالحلول إلا مَن دينه معلول».
  3. التحديث التشخيصي: التعليق ١٠ يَستعرض ملحقَ غينون الذي أضافه عام ١٩٤٨ لكتاب «شرق وغرب»، ثمّ يَستدرك الشيخ بأنّ ما رصده غينون قد تَوسّع: «العولمة الدجّاليّة… اكتسحت تقريبًا كلّ عقول البشر، أزالت كلّ الحدود بين الشرق والغرب». ويَختم بأنّ المسار الدوري لهذه المرحلة قد فَصَّله غينون في «هيمنة الكمّ».

وأهمّ ما في هذه التعليقات أنّها تَكشف عن تطابقٍ بنيوي بين تعريف غينون الميتافيزيقا ومنظومة ابن عربي في الفتوحات. حين يَتكلم غينون على «الآن الدائم» الذي تَتزامن فيه كلّ المراتب، يَقابله عند ابن عربي «يوم الشأن» الواحد. وحين يَتكلم غينون على الفطرة الأصلية، يُقابلها عند المسلم ميثاق الذرّ.

نصوص الشيخ عبد الباقي مفتاح

“بالفعل، فإنّ من بين الأسئلة التي قد يطرحها القارئ لكتب المؤلف الشيخ عبد الواحد يحيى السؤال التالي: كيف نفسّر اعتماده الأساسي في تآليفه وبحوثه على تعاليم ومصطلحات المذهب الميتافيزيقي الهندوسي، بدلا من تعاليم الإسلام، خصوصا في جانبه العرفاني الصّوفي الذي يكتفي بالإشارة أو التلميح إليه لِمامًا، مع أنه أسلم وعمره خمسة وعشرون سنة تقريبا…” (الميتافيزيقا الشرقية، تعليق المترجم ٢)

“قد يُترجم البعضُ كلمة Union بلفظة «اتـّحاد»، لكن هذه اللفظة قد تــُحْدِث التباسًا في مفهومها العرفاني الدقيق، ولهذا فإنّ أكثر العارفين من الصوفية يتجنـّبون استعمالها، حتى أنّ الشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي يقول: (لا يقول بالاتحاد إلا أهل الإلحاد، ولا يقول بالحلول إلا مَن دينه معلول).” (الميتافيزيقا الشرقية، تعليق المترجم ٨)

“والمسار المّقدّر للبشرية في آخر مراحل دورتها الأرضية، بمظاهرها السالبة والموجبة، وضــّحَتْ معالمه كل الكتب المقدّسة، وفي مقدّمتها القرآن الكريم والأحاديث الثابتة عن النبي – صلى الله عليه وسلم-، وقد أصبحت ماثلة للعيان، وقد حلـّلها وفصـّلها بكيفية غير مسبوقة الشيخ عبد الواحد في كتابه الرّائع «هيمنة الكم وعلامات آخر الزمان».” (الميتافيزيقا الشرقية، تعليق المترجم ١٠)

شواهد من الكتب

“إنّ الأشكال الخارجية وحدها هي التي يمكن أنْ تكون إمّا شرقية، وإمّا غـربية؛ وهي الأشكال التي تكتـسـيها الميتافيزيقا بالضرورة عند عرْضها، بهدف الإفصاح عن ما هو قابل للتعبير. إلا أنّ تحت تنوّع هذه الأشكال، يوجد في كلّ مكان وفي كلّ زمان، صميم جوهريّ مشترَك متطابق.” (الميتافيزيقا الشرقية، المقدّمة)

“فإنّ تركيب كلمة «ميتافيزيقا» تعني حرفيا:«ما وراء الفيزياء».” (الميتافيزيقا الشرقية)

“فالفيزياء تهتمّ بدراسة كلّ ما ينتمي إلى ميدان الطبيعة؛ وأمّا الميتافيزيقا فتهتمّ بما وراء الطبيعة. فكيف يمكن إذنْ للبعض الادّعاء بأنّ المعرفة الميتافيزيقيّة هي معرفة تتعلـّق بالطبيعـة، سواء بالنسبة لموضوعها، أو بالنسبة للمَلــَكات التي بواسطتها يتمّ الحصول عليها؟ فهنا يوجد تناقض في المعنى، بل في الألفاظ نفسها.” (الميتافيزيقا الشرقية)

“العلم هو المعرفة العقلية، الاستدلالية، وهي دائما غير مباشرة، وتحصل بالانعكاس. أمّا الميتافيزيقا فهي المعرفة «فوق العقل»، حدسية ومباشرة. وهذا الحدس الرّوحي الخالص، الذي بدونه لا وجود لميتافيزيقا حقيقية، لا ينبغي بتاتا تشبيهه بالحدس الذي يتكلـّم عنه بعض الفلاسفة المعاصرين، لأنّ هذا الأخير، بالعكس، هو حدس «تحت العقل».” (الميتافيزيقا الشرقية)

“الوعي الفعليّ بالمراتب «فوق الفردية» هو الموضوع الحقيقي للميتافيزيقا، بل بتعبير أحسن، هو عين المعرفة الميتافيزيقة.” (الميتافيزيقا الشرقية)

“إنّ التفوّق المادّيّ للغرب الحديث لا نزاع حوله، ولا أحد يسعى لانتزاعه منه، لكن لا أحد يحسده عليه… إنّ هذا التضخـّـم المادّي المفرط يوشك عاجلا أو آجلا أنْ يُهلِك الغرب إذا لم يتدارك وضعه في الوقت المناسب، وإن لم يتوجّـه بجدّ نحو «العودة إلى الأصول» تبعًا لعبارة مألوفة في بعض مدارس التصوّف الإسلامي.” (الميتافيزيقا الشرقية، الخاتمة)

ارتباطات

مراجع داخلية

الفيدا