في جملة واحدة
التصوّف الإسلامي عند غينون هو الوجه الباطني للإسلام: طَريقة تَربوية عِرفانية تأخذ قاعدتها من الشريعة، وغايتها الحقيقة، ولا تَنفصل عن التوحيد ولا عن السلسلة النَّظامية المُتَّصلة بالنبيّ ﷺ. وهو «عَرَبيّ كما أنّ القرآن عربي»، مَبادئه في الوحي لا في «استعارات» من اليونان أو الفرس أو الهند.
التعريف الميتافيزيقي
يَكتب غينون فصول ٣، ٤ و٥ كاملةً عن التصوّف في «التصوّف الإسلامي المقارن»، يَبني فيها سَبع نُقَط:
-
القسمان المتكاملان: «العقيدة الإسلامية، من بين العقائد التراثية الصادرة من الوحي، هي العقيدة التي يَظهر فيها أَوضح فرقان بين قسمين مُتكاملين: الظاهر والباطن». الشريعة طريق واسِع للجميع، والحقيقة مَخصوصة بالخَواصّ.
-
عَلم الباطن = الحقيقة + الطريقة: «عِلم الباطن، باعتباره مُشتملًا على الطريقة والحقيقة معًا، كوسيلة وكغاية، هو المُسمّى في العربية بالتصوّف». ولا تَنفصل الوَسيلة عن الغاية، فلا تَصوّف بلا طَريقة، ولا طَريقة بلا غاية.
-
عَرَبيّ كالقرآن: «التصوّف عَربيّ كما أنّ القرآن عَربيّ، وهو الذي تُوجد فيه مَبادئه المُباشرة». والذين يَنسبون أَصلَه إلى اليونان أو الفُرس أو الهند مُخطئون: «وسائل التَّعبير الخاصّة بالتصوّف الإسلامي تَرتبط ارتباطًا وَثيقًا بالتركيب نفسه للُّغة العربية».
-
ليس مِيستيسيزمًا: غينون يَفصل قاطعًا: «لا يُمتّ التصوّف الإسلامي بأيّة صلة مع ما يُسمّى في الفرنسية بالميستيسيزم». المُيستيسيزم انفعالي يَنتظر، والتصوّف فَاعل يَجتهد. الميستيسيزم بلا شيخ ولا سلسلة، والتصوّف لا يَكون إلا بسَنَد.
-
السلسلة شَرط: «لا توجد طَريقة أَصيلة وصحيحة إلا وهي تَعتمد على سلسلة مُتواصلة للتربية الروحية تَصعد دائمًا في نهايتها إلى الرسول ﷺ». والبَركة تَنتقل عَبْر السلسلة، والكتب وَحدها لا تَكفي مَهما كانت.
-
«الأكثر يَتضمَّن الأَقلّ»: الالتزام بالشريعة شَرط أَوّل لا يَتعطّل أبدًا: «الالتزام بالشريعة هو الشَّرط الأَوّل الذي يَتوقّف عليه الاقتراب من التصوّف؛ وفوق ذلك، لا يَنبغي اعتقاد أنّه يُستغنى عن الشريعة بعد سُلوك الطريق». الإحسان لا يَكون بلا إسلام وإيمان.
-
علوم التَّصوّف: التصوّف يَشتمل على «مَجموعة مُركَّبة من العلوم التراثية» تَتفرّع من مَبادئه الميتافيزيقية: عِلم الحُروف والأَعداد، السيمياء (الكِيمياء الباطنية)، الجَفر، عِلم الإيقاع والأَوزان، عِلم الكَواكب القَديم. وهي عُلوم لا نَظير لها في الغَرب الحديث.
شواهد من غينون
“التصوف ليس أبدا شيئا “مضافا” إلى الدين الإسلامي, أي ليس هو شيئا أتى من الخارج فألصق بالإسلام, وإنما هو بالعكس جزء جوهريّ من الدين” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الثالث)
“والحق أنّ التصوّف عربي كما أنّ القرآن عربي, وهو الذي توجد فيه مبادئه المباشرة” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الثالث)
“وعلم الباطن, باعتباره هكذا مشتملا على الطريقة والحقيقة معا, كوسيلة وكغاية, هو المسمّى في العربية بالتصوف” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الثالث)
“لا يَمُتّ التصوف الإسلامي بأيّة صلة مع ما يسمّى في الفرنسية بــ: “الميستيسيزم"" (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الثالث)
“التصوف الإسلامي, مثل أيّ علم باطني حقيقي, هو “تربية روحية عرفانية” ولا يمكن أنْ يكون غير هذا” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الثالث)
“في سبْره لحقائق العرفان في مختلف الملل الأصيلة السويّة وجد “ڨينو” أنّ جوهرها وأهمّ جوانبها موجود ما يعادله تماما في التصوّف والعرفان الإسلامي” (دراسات حول المذاهب الهندوسية، مقدمة المترجم)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
التصوّف الإسلامي ليس مَوضوعًا لِلشيخ مفتاح، بل بَيته الذي يَكتب منه. هو سَالك في الطريقة الشاذلية الدرقاوية، وهي إحدى أَكبر الطُّرق الصوفية المُمتدّة من المغرب العربي إلى الشام والحجاز ومصر، تَتّصل سَلسلتها بالشاذلي (٥٩١-٦٥٦هـ)، ثُمّ المُرسي وابن عطاء الله، وصولًا إلى مولاي العَربي الدرقاوي (ت ١٢٣٩هـ) الذي تَنتسب إليه الفرع. والشاذلية تَفترض الالتزام التامّ بالشريعة المالكية، وتَجعل الذِّكر والتَّفكُّر مَنهَج التَّربية.
ومن هنا تأتي وَزن قِراءة الشيخ مفتاح لغينون: مَن يَنتمي إلى طَريقة أَصيلة، فيها بَيعة وذِكر وسَنَد، يَقرأ غينون من داخل التراث، لا من خارجه. ولذلك يَلتقط بسُهولة كلّ التَّمييزات الدقيقة عند غينون: التَّمييز بين التصوّف والمُيستيسيزم، بين الكَرامة والاستِدراج، بين الطريقة الأَصيلة والروحانية المُحدَثة.
والآية المرجع: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾ (التوبة:١٠٠). والتصوّف عند الصُّوفية تَطبيق لقَوله ﴿بِإِحْسَانٍ﴾، أي مَقام الإحسان الذي عَرّفه النبيّ ﷺ في حديث جبريل: «أن تَعبد الله كأنّك تَراه، فإن لم تَكن تَراه فإنّه يَراك» (رواه مسلم). فالتصوّف ليس بِدعةً مُحدَثة، بل تَطبيق المَقام الثالث من الدّين الذي عَلَّمه النبيّ ﷺ لجبريل.
ومن أَهمّ ما يَلفت إليه الشيخ مفتاح في غَير مَوضع: أنّ غينون نَفسَه سَالكٌ في الطريقة الشاذلية. سَنده الصوفي إلى الشيخ عبد الرحمن إِلِيش الكبير (شَيخ الأَزهر السابق، شاذلي صوفي). فاسم غينون الإسلامي «عبد الواحد يحيى»، ووَفاته بالقاهرة سنة ١٣٧٠هـ/١٩٥١م. هو إذن لَيس مُستشرقًا، بل شاذليّ سالك، يَكتب لِلغربيين عن التراث الذي دَخَل فيه.
مَثل يقرّب المعنى
تَأمّل أَربع صُوَر للنظر إلى التصوّف:
-
المُستشرق الأَجنبي: يَنظر إلى التصوّف من خارج، فيُحاول رَدّه إلى أَصل غَير إسلامي: يونانًا أو فُرسًا أو هندًا. هذا فَهم سَطحي، يَنبّه عليه غينون بصَريح العبارة، ويَردّه قَطعًا.
-
الفقيه المتشدّد: يَنظر إلى التصوّف من داخل الإسلام لكن من خارج التَّربية، فيَخاف عليه أن يَخرج عن الشَّرع، فيَكتفي بظاهر النَّقد دون عُمق التَّعلُّم. غينون لا يَعتب على هذا أَبدًا، بل يَقول إنّ جَهلَه «لا يُبرّر إنكارَه». لكنّ خَطره دون خَطر الصِّنف الرابع.
-
مُتَصوّف مُتساهل: يَدّعي التصوّف بلا التزام بالشريعة، يَستخدم لُغة الباطن دون أن يَخوض جِهاد الظاهر. غينون يَقول صَريحًا: هذا «من غير المقبول»، ويَخلطه برِفض «الذهنية الغَربية الحديثة». هو خَطَر داخلي على التَّصوّف نَفسه.
-
المُتَصوّف الأَصيل: مَن دَخَل طَريقة بسلسلة، يُؤدّي الفرائض، يُلتزم بالشريعة، ويَخوض الذِّكر، ويَستمدّ من شَيخه البَركة. هذا هو التَّصوّف الذي يَتكلّم عنه غينون، والذي يَنتمي إليه الشيخ مفتاح. الموسوعة كلّها مَكتوبة لِخدمته.
ولذلك في تَعريف الشيخ مفتاح، التصوّف الإسلامي ليس مَدرسة فِكرية، ولا تَيّارًا ثقافيًّا، بل مُؤسَّسة روحية حيّة: في كلّ مَدينة عربية، في كلّ قَرية، في كلّ زاوية، يوجد تَطبيقه الفعلي. وكلّ ما يَكتبه غينون في الفلسفة الفرنسية يَجد له تَطبيقًا عَمَليًّا في زَاوية شاذلية مَغمورة في الجزائر أو السودان.
صلات
- الكُتب المؤسِّسة: التصوف الإسلامي المقارن (المرجع الكلّي)؛ رموز الإنسان الكامل (الفِكرة الأَكبرية)؛ مراتب الوجود المتعدّدة (الأنطولوجيا الصوفية)؛ مقالات في العرفان المقارن.
- المفاهيم المُترابطة: الشريعة والحقيقة؛ الطريقة؛ التوحيد؛ الفقر؛ الجهاد الأكبر؛ الفتح الكبير؛ الإنسان الكامل؛ علم الحروف.
- الأَعلام: محيي الدين بن عربي (الشيخ الأكبر، المرجعية الأَكبرية)؛ عبد الباقي مفتاح (المترجم)؛ عبد الواحد يحيى (= غينون، السالك الشاذلي).
- الأَنواع التراثية المُماثلة: الفيدنتا (الموازي الهندوسي الأَقرب)؛ الطاوية الصينية (الموازي الأَقصى الشرقي)؛ القَبّاله العبرية (الموازي السامي).
- النَّقيض المعرفي: الروحانية المُحدثة (بلا سَنَد ولا شَريعة)؛ المُيستيسيزم النَّفساني (انفعالي بلا تَربية).
- مَنازل أَكبرية مَركزية: «الفتوحات المكية» كلّها مَبسوط على ٥٦٠ بابًا، أَبرزها للتَّصوّف: الباب ١٦١ (مَنزل الطريق)، الباب ٢٠٣ (مَنزل الفَقر)، الباب ٤٧ (مَنزل الفَناء والبَقاء)، الباب ٧٣ (مَنزل العارفين والأَقطاب)؛ «فصوص الحكم» (٢٧ فصًّا، كلّ فصّ مَنسوب إلى نبيّ).
- المرجع القرآني: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (محمد:١٧)؛ ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت:٦٩)؛ ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ﴾ (التوبة:١٠٠).
- المرجع الحديثي: حَديث جبريل في تَعريف الإحسان (رواه مسلم)؛ «الإحسان أن تَعبد الله كأنّك تَراه».