في جملة واحدة

الفقر في التصوّف الإسلامي هو الوعي بافتقار الكائن المطلق إلى المبدإ الحقّ في وُجوده كلّه، فهو معنى ميتافيزيقي قبل أن يكون حالة اجتماعية أو خُلُقيّة. ومن هذا الوعي يَنبثق التجرّد عن التعلّق بالكَثرة الظاهرة، ويَنفتح الباب الضيّق إلى الفناء وانمحاء الـ«أنا».

الشرح الميتافيزيقي

يَكتب غينون فصلًا كاملًا عن الفقر في «التصوّف الإسلامي المقارن» (الباب الثامن، نُشر أصلًا في مَجلة «برقع إيزيس» أكتوبر ١٩٣٠). يَبني فيه ستّ نقاط:

  1. حدّ الكائن الحادث: الكائن الذي ليس له من ذاته علّة وُجوده هو «لا شيء» من حيث نَفسه. وحالُ كلّ الكائنات الظاهرة هكذا، مهما عَلَت مَراتبها. والوعي بهذا الاستناد المطلق إلى المبدإ الحقّ هو ما تُسمّيه التراثيات «الفقر الروحي».

  2. التجرّد لازِم الفقر: من مستلزمات هذا الوعي أن يَجعل صاحبَه مُتجرِّدًا عن التعلّق بالأشياء الظاهرة الحادثة، لأنّه يَعلم أنّها «كالعدم» إزاء الحقّ المطلق. وهذا التجرّد يَبدأ بـ«عدم الالتفات إلى ثَمرات الأعمال» كما في «البهاجافاد ـ جيتا»، وهو ما يُسمّى «العمل بلا شَهوة» أي العمل الخالص بالله لله.

  3. الانعتاق من تيّار الأشكال: بِالفقر يَتحرّر الكائن من الكَثرة، ويَنتقل من مُحيط «الدولاب الكوني» إلى مَركزه، أي من تَناوب «الحياة والموت» و«التكثيف والتحليل». والمركز هو «الفراغ الذي يُوحّد الأشعّة» في التعاليم الطاوية، وهو «السكينة» في التصوّف الإسلامي، أي الحضور الإلهي في مَركز الكائن.

  4. الفقر والبَساطة والطفولة: الفقر مُكافئ لـ«البساطة» و«الصِّغَر» في التراثيات الأخرى. والبساطة الطاوية تَعني الرجوع إلى «الوضع الفطري الأصلي الأوّل»؛ وحال «الطفولة» الهندوسية (باليا) شَرط لنَيل المعرفة المُثلى؛ ويَتطابق ذلك مع الأمّيّة الفطرية التي هي من أوصاف النبيّ ﷺ، ومع كلمة الإنجيل: «لا يَلج ملكوت الله من لا يَتلقّاه كما يَتلقّاه الطفل».

  5. الفقر يَقود إلى الفناء: تَبعًا للتصوّف الإسلامي، يَقود هذا الفقر إلى «الفناء» أي «مَحو الـ‏أنا»، وبِالفناء يُدرَك «المقام الإلهي» الذي هو النقطة المركزية حيث تَنحلّ الأضداد في تَوازن كامل. وهذه النقطة هي عَين «الباب الضيّق» في الرمزية الإنجيلية، الذي لا يَستطيع «الأغنياء» المُتشبّثون بالكَثرة المرور خلاله.

  6. انقلاب الموازين: «الأغنياء» في عالم الظهور هم في الحقيقة «الفقراء» إزاء المبدإ الحقّ، والعكس بالعكس. وهذا ما تُعبّر عنه كلمة الإنجيل: «الأواخر سيُصبحون هم الأوائل». والشخص الذي بَلَغ النقطة المركزية يَتحقّق بكمال المرتبة الإنسانية فيَصير «الإنسان الحقيقي» الطاوي، وفي عُروجه إلى المراتب العليا يَصير «الإنسان الرباني» وهو الإنسان الكامل في التصوّف الإسلامي.

شواهد من غينون

“الكائن الحادث يمكن أنْ يـُعرّف بأنه الكائن الذي ليس له من ذاته علّة وجوده, وبالتالي, فهو لا شيء من حيث نفسه هو, ولا شيء ممّا هو عليه تصح نسبته إليه حقيقية” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الثامن: الفقر)

“والوعي بهذا الاستناد المطلق إلى المبدأ الحق, هو ما تسميه العديد من التراثيات بـ”الفقر الروحي"" (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الثامن)

“وهذا التجرد عند الكائن الإنساني يستلزم أساسيّا وقبل كل شيء عدم الالتفات إلى ثمرات الأعمال” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الثامن)

“وبهذا يتحرّر الكائن من الكثرة؛ ويتخلص من صروف وتقلبات “تيّار الأشكال “تبعا للعبارت المستعملة في التعاليم الطاوية” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الثامن)

“وهذا “السلام في الفراغ “هو ما يسمى في التصوف الإسلامي بـ”السكينة"" (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الثامن)

“وتبعا للتصوف الإسلامي, هذا “الفقر “يقود إلى “الفناء” أي “محو” الـ”أنا"" (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الثامن)

“وهكذا فإنّ كلمة “فقر” و”بساطة” و”طفولة” لا تدل إلا على نفس المعنى الواحد” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الثامن)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

يَنقل الشيخ مفتاح هذا الباب من غينون كاملًا، ويُضيف في الهامش تَفسيرًا مَفصليًّا: «أي لا وجود له ولا قيام له في كلّ آن بذاته بل بالله خالقه تعالى». فالشيخ يَقرأ غينون من داخل التراث الشاذلي الدرقاوي الذي يَنتمي إليه، حيث الفقر هو شَرط الطريق منذ البداية. والمَدرسة الشاذلية في تَعريفها للفقير تَتطابق مع غينون: ليس الفقير من لا يَملك، بل من لا يَملك نَفسَه.

والآية القرآنية ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (فاطر:١٥) تَختصر ما يَبسطه غينون في صَفحات: افتقار الكائن إلى المبدإ ليس حالًا عَرَضيّة بل نَعتٌ ذاتي لكلّ ما سوى الله. وحديث النبيّ ﷺ: «الفقر فَخري وبه أَفتَخر» يَضع الفقر في مَوضع الشَّرَف الأعلى، لا في مَوضع النقص.

ومن أعمق ما في باب غينون رَبطه بين الفقر والباب الضيّق: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (الأعراف:٤٠). الجَمل في سَمّ الخِياط صورةٌ كاملة لما يَصفه غينون: «الأغنياء» المُتشبّثون بالكَثرة لا يَستطيعون المُرور إلى المركز. وعند الشيخ الأكبر ابن عربي في الفتوحات (الباب ٢٠٣ في مَنزل الفقر)، الفقر «اضطرار» قبل أن يَكون اختيارًا، أي إدراك أنّ افتقارك إلى الحقّ ليس فضيلة تَكتسبها بل حقيقة تَنكشف لك.

مثال يقرّب المعنى

تَأمّل ثلاثة أصناف ممّن يُسمَّوْن «فقراء»:

  1. الفقير الماديّ: من لا يَجد قُوت يَومه. هذا فَقر اجتماعي، قد يَكون مَضرّةً أو ابتلاءً، لكنّه ليس بحدّ ذاته فَضيلة ولا طريقًا. كثيرٌ من الفقراء ماديًّا أَعظم تَعلّقًا بالدنيا من أَغنيائها، يَطلبونها ولا يَجدونها.

  2. الزاهد الإراديّ: من يَتخلّى عن المُلك اختيارًا. هذا أَرفع من الأوّل، لكنّه قد يَقع في فَخّ آخر: التَّعلّق بـصورة التخلّي، فيَفتخر بزهده ويَرى نَفسه فيه. والشيخ الأكبر يُسمّي هذا «الزهد الناقص»، لأنّ صاحبه ما زال يَملك «أَناه» وإن تَخلّى عن دُنياه.

  3. الفقير الروحيّ الحقيقيّ: من تَكشّفت له حَقيقة افتقاره إلى المبدإ، فلم يَعد يَرى لنَفسه وُجودًا مستقلًّا. قد يَكون غَنيًّا في الظاهر ومَلِكًا، وقد يَكون شَحّاذًا في الطرقات؛ لا يَفرق. لأنّه مَحا الـ‏أنا، فلم يَبق بَين يَدَيه ما يُسمّى «مُلكي» أو «ما يَخصّني». وهذا هو الفقير الذي يَفخر به النبيّ ﷺ.

ولذلك الصحابة المُهاجرون والأنصار كانوا فُقراء في كلا المَعنيين: مُجَرَّدين من المُلك في الظاهر، ومُجَرَّدين من الـ‏أنا في الباطن. والأوّل قد يَأتي بدون الثاني، أمّا الثاني فإذا حَلّ في القلب، تَبعَه الأوّل أو لم يَتبعه، فالأمر سيّان. ولهذا قال الإمام الجنيد: «الفقر بَحرُ البلاء، وكلّ بلائه عِزّ».

صلات

الفَقر **بَوّابة التَّربية الروحية**: هو الشَّرط الأَوّل لـ[[concepts/al-tariqa|الطريقة]] (السالك يَبدأ بافتقار)، وثَمرته [[concepts/al-fath-al-kabir|الفَتح الكبير]] (انعتاق الكائن من قُيوده)، ومَوضعه [[concepts/al-fitra-al-asliyya|الفِطرة الأَصلية]] (التي يَعود إليها بانمحاء الـ‏أنا). يَلتقي بـ«البَساطة» الطاوية و«الطفولة» الهندوسية. ونَقيضه التَّعلّق بالكَثرة، أي [[concepts/haymanat-al-kamm|هيمنة الكمّ]] في الفَرد.

  • الكتاب المؤسِّس: التصوف الإسلامي المقارن (الباب الثامن خاصّة).
  • المفاهيم المُترابطة: الفتح الكبير (ثَمرة الفقر)؛ الفطرة الأصلية (التي يَعود إليها الفقير)؛ الباب الضيّق (مَدخل الفقراء)؛ الجِسر (المعبر الذي لا يَقطعه إلا الفقير)؛ الطريقة (سبيل تَحقّق الفقر)؛ الجهاد الأكبر (محو الـ‏أنا).
  • الموازي الأكبري: «الفقر اضطرار» في الباب ٢٠٣ من الفتوحات؛ «الفناء» في الباب ٤٧ منها؛ مَنزلة «الإمكان» في فصوص الحكم (فصّ شيث).
  • الموازي المقارن: «البَساطة» في الطاوية؛ «الطفولة» (باليا) في الهندوسية؛ «المساكين في الرّوح» في الإنجيل.
  • النقيض المعرفي: التَعلّق بالكَثرة، هيمنة الكمّ التي تُغرق الإنسان في الأَشكال؛ كِبر الـ‏أنا الذي يَحجب عن المركز.
  • المرجع القرآني: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ (فاطر:١٥)؛ ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ (محمد:٣٨)؛ ﴿حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (الأعراف:٤٠).