في جملة واحدة

الخطر في النفساني ليس أنه غير موجود، بل أن يحسبه الإنسان روحانيا. عند غينون، هذا الخلط هو الجسر الذي ينقل العالم الحديث من المادية الصلبة إلى الروحانية المحدثة ثم إلى الروحانية المنكوسة.

الشرح الميتافيزيقي

يميز غينون بين ثلاث مراتب يجب ألا تختلط:

الجسماني: الحس والمادة والامتداد.

النفساني: الصور والقوى والأحوال الدقيقة داخل المجال الفردي أو دونه. وهذا يشمل كثيرا مما يسميه العصر الحديث “طاقات”، “استبصارا”، “وساطة”، “تجارب باطنية”، أو “ما وراء النفس”.

الروحاني: ما يتجاوز الفرد ويتصل بالمبدأ، ولا يثبت إلا بالمعرفة والسند والترتيب الشرعي.

في هيمنة الكمّ يأتي هذا الباب بعد فصول التصدعات والشمانية والترسبات النفسانية والتحليل النفساني. الترتيب مقصود: حين يغلق العالم الحديث الأبواب العلوية باسم المادية، لا يرجع إلى الروح إذا ملّ المادية؛ بل ينفتح غالبا على المجال النفساني السفلي. ومن هنا يصبح الانبهار بالخوارق خطرا لا برهانا.

علم النفس الحديث يزيد الالتباس لأنه لا يعرف “ما فوق الشعوري”، بل يرد كل ما يتجاوز الحس إلى “ما تحت الشعوري”. والأرواحية تفعل العكس من جهة أخرى: ترى كائنات وأحوالا نفسية فتسميها أرواحا. والنتيجة واحدة: الأعلى والأسفل يختلطان، والتمييز بين الكرامة والاستدراج، وبين الرؤيا الصادقة والحلم النفسي، وبين الرمز والإسقاط، ينهار.

شواهد من غينون

“ما ذكرناه في موضوع بعض التأويلات النفسانية للعقائد والمناهج التراثية الروحية يمثل حالة خاصة للخلط والالتباس الشائعين بكثرة في العالم الحديث بين الميدانين النفساني والروحاني” (هيمنة الكمّ، الفصل الخامس والثلاثون: الخلط بين النفساني والروحاني)

“علم النفس الراهن لا ينظر دائما إلا إلى “ما تحت الشعوري” ولا ينظر إلى ما ينبغي منطقيا أن يكون ملازما له مرتبطا معه أي “ما فوق الشعوري"" (هيمنة الكمّ، الفصل الرابع والثلاثون: أضرار التحليل النفساني)

“وفي هذا الخلط بين السّامي والسافل، يوجد مسبقًا أمر يشكِّل تنكيسا حقيقيا للوضع السوي” (هيمنة الكمّ، الفصل الرابع والثلاثون: أضرار التحليل النفساني)

“ليست “اليوغا” علاجا نفسيا ولا علاجا جسميا” (هيمنة الكمّ، الفصل الرابع والثلاثون: أضرار التحليل النفساني)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

ينقل الشيخ مفتاح هذا الفرق إلى المعجم الإسلامي بتمييز الكرامات عن الخوارق النفسية والسحرية. فالكرامة لا تكون إلا لأولياء الله وبلا قصد منهم في الغالب، أما الخوارق فقد تقع لأصحاب الرياضات النفسية أو السحرة أو أولياء الشيطان.

ولهذا ينتقد الشيخ الدراسات الظاهرية للتصوف التي ترده إلى ظاهرة نفسية أو عاطفية أو أخلاقية فقط. فالتصوف الإسلامي الأصيل عنده ليس مادة لعلم نفس ديني، بل طريق معرفة وتحقق داخل الشريعة والحقيقة. ومن هنا ترتبط هذه الصفحة مباشرة بـ التصوف الإسلامي والروحي والنفساني.

مثال يقرّب المعنى

قد يرى شخص في المنام صورة نورانية، وقد يشعر آخر بطاقة جسدية، وقد تقع لثالث مكاشفة جزئية. لا ينفي غينون وجود هذه الوقائع، لكنه يسأل: من أي مرتبة جاءت؟ وهل زادت صاحبها معرفة بالمبدأ واتزانا واتباعا للحق، أم زادته اضطرابا وافتتانا بنفسه؟

إذا عجز القارئ عن هذا التمييز، صار كل خارق “روحانيا”، وكل انفعال “كشفا”، وكل صورة “وحيا”. وهذا بالضبط هو الباب الذي تدخل منه الروحانية المحدثة.

صلات