في جملة واحدة
تنكيس الرموز هو استعمال الرمز التراثي نفسه في اتجاه معاكس لمعناه الشرعي. ولذلك هو عند غينون علامة أخطر من الجهل بالرمز: إنه انتقال من الانحراف إلى معاكسة التربية الروحية.
الشرح الميتافيزيقي
الرمز عند غينون ليس علامة اعتباطية؛ هو صلة بين مراتب الوجود. لذلك لا يفسد الرمز بمجرد نسيانه، بل قد يفسد بطريقة أخطر: أن يُستعمل بعد قطع صلته بالمبدأ، أو أن تُقلب دلالته إلى الجهة المضادة.
يفرق غينون في هيمنة الكمّ بين ثلاث درجات:
الانحراف: ابتعاد تدريجي عن النظام السوي، كما في العقلانية والآلية والمادية.
القلب أو التنكيس: وضع الأعلى أسفل والأسفل أعلى، أي ظهور نظام معكوس لا مجرد نظام ناقص.
التقويم النهائي: الردّ المفاجئ للأشياء إلى وضعها السوي عند نهاية الدورة، وهو ليس التنكيس بل عكسه.
تنكيس الرموز يقع في الدرجة الثانية. فالعالم الحديث لا يكتفي بأن يجهل الرمز، بل يستعمل بقايا الرموز في اتجاه مضاد. ومن هنا يتصل تنكيس الرموز بصفحات الروحانية المحدثة والروحانية المنكوسة: كلتاهما تستعمل لغة الروح، لكن بعد قلب وجهتها.
شواهد من غينون
“الانحراف بتمامه لا يؤول في النهاية إلا إلى القلب والانتكاس” (هيمنة الكمّ، الفصل التاسع والعشرون: انحراف وانتكاس)
“الشيطان يتظاهر بمحاكاة الإله” (هيمنة الكمّ، الفصل التاسع والعشرون: انحراف وانتكاس)
“وسنعطي الآن مثالا آخر لعمل القلب والتنكيس يتميّز بالدقة، وهو التنكيس المتعمّد للمعنى الشرعي السوي للرموز التراثية” (هيمنة الكمّ، الفصل التاسع والعشرون: انحراف وانتكاس)
“والعُملة نفسها، أو ما سيقوم مقامها، سيرجع إليها طابعها الكيفي على هذا النحو” (هيمنة الكمّ، تعقيب المترجم على الفصل التاسع والثلاثين)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
يشرح الشيخ مفتاح لفظ subversion بأنه وضع أعلى الشيء أسفله، أي التنكيس. وهذا مهم لأن “التنكيس” ليس فسادا أخلاقيا عاما، بل قلب في الترتيب نفسه.
وفي تعقيبه على الصليب المعكوف وخاتم سليمان يورد أمثلة حديثة على قلب الرموز الروحية إلى شعارات تدميرية أو سياسية. لا تهم هنا التفاصيل التاريخية وحدها؛ المهم أن الرمز قد يحمل قوة دلالية باقية، فإذا انقطع عن أصله صار قابلا للاستعمال المعاكس.
كما يربط الشيخ هذا الباب بموضوع الدجال في الأحاديث: الدجال لا يأتي بلا صورة دينية، بل يحاكي المسيح ويستولي على إشاراته بمعنى معكوس. لذلك يصبح تنكيس الرموز علامة على “المحاكاة الكبرى” لا على مجرد سوء فهم.
مثال يقرّب المعنى
السهم الصاعد قد يدل على العروج. فإذا وضعته رأسا على عقب، لم تعد ترسم سهما آخر فحسب؛ بل قلبت اتجاهه. كذلك الرمز التراثي: قوته في اتجاهه نحو المركز والمبدأ. فإذا استُعمل لتثبيت الانفصال أو تعظيم الأسفل، بقيت صورته مألوفة لكن روحه انقلبت.
ولهذا يكون تنكيس الرمز أخطر من اختراع شعار جديد؛ لأن الصورة المألوفة تخدع الناظر وتمنحه شعورا كاذبا بالاستمرارية.
صلات
- كتاب الأصل: هيمنة الكمّ.
- الرمز السوي: الرمز والمجاز؛ الصليب؛ الصليب المعقوف؛ العجلة الكونية.
- القلب النهائي: الروحانية المنكوسة؛ ضدّية التربية الروحية؛ التربية الباطنية المزيّفة.
- سبب الخلط: الخلط بين النفساني والروحاني؛ القوى النفسانية الجوّالة.
- الدورة: كَالي يُوكا؛ الدورات الكونية وأطوار الزمن.