في جملة واحدة

العاطفية الحديثة ليست علاجا للمادية عند غينون، بل متمم لها. فالإنسان حين يفقد العرفان الخالص لا يصعد من المادة إلى الروح بمجرد الانفعال الأخلاقي أو الوجداني؛ غالبا ينتقل من المادة الصلبة إلى النفس المضطربة.

الشرح الميتافيزيقي

ينقد غينون في شرق وغرب وهم “التقدم الأخلاقي” كما ينقد وهم “التقدم المادي”. لا لأنه يرفض الأخلاق الحقيقية، بل لأنه يرفض الأخلاقوية الحديثة: تحويل الأخلاق إلى عواطف إنسانوية، وشفقة عامة، وحماس إصلاحي، بلا مبدأ فوق فردي يضبطها.

العالم الحديث يبدو أحيانا ثنائيا: ماديون من جهة، ووجدانيون أو روحانيون محدثون من جهة أخرى. لكن غينون يرى أن الطرفين على المستوى نفسه:

  1. المادي يحصر الواقع في الجسم والمحسوس والمنفعة.
  2. العاطفي يحصر “الروح” في الشعور والانفعال والارتياح النفسي.
  3. كلاهما دون المعرفة الميتافيزيقية، لأن كليهما يتحرك داخل الفردي والنفساني.
  4. لذلك تتجاور الصناعة الصاخبة مع الروحانية المحدثة في المجتمع نفسه، بل تغذي كل منهما الأخرى.

هذه الصفحة تصل بين نقد الحضارة المادية ونقد الخلط بين النفساني والروحاني. فهي تشرح لماذا لا يكفي أن يقول القارئ: “نرفض المادة إذن نختار الشعور”. عند غينون، الشعور بلا مبدأ يظل من جهة الدنيا، بل قد يكون أخطر لأنه ينتحل لغة الخير والروح.

شواهد من غينون

“أما فيما يتعلق بمفهوم «التقدم الأخلاقي»، فهو يمثــّل العنصر الآخر السائد في الذهنية الحديثة، ونعني به العاطفية” (شرق وغرب، الباب الأول: الحضارة والتقدم)

“والمادية والعاطفية، بعيدًا في الواقع عن التعارض، لا يمكن لإحداهما التواجد دون الأخرى.” (شرق وغرب، الباب الأول)

“تنشأ أوخم نزعات «الرّوْحنة المزيّفة» وتنتشر بسهولة لا تكاد تصدّق، في نفس الوقت الذي يتغوّل فيه التصنيعُ وهَوَسُ «الأعمال» إلى حدّ الجنون.” (شرق وغرب، الباب الأول)

“وهكذا فإنّ النزعة الأخلاقية، عند معاصرينا لا تعدو أن تكون المكمّل الضروري لمادّيتهم العملية.” (شرق وغرب، الباب الأول)

نصوص الشيخ عبد الباقي مفتاح

“وفي أخلاقيات سطحية لعواطف رجراجة فقدت أصولها العرفانية” (شرق وغرب، تقديم المترجم)

“أمّا “الأخلاقوية” فهي أخلاق مزعومة لا تسـتــنــد إلا إلى عواطف نفسية رجراجة ونسبيّة ويدّعيها حتى الملاحدة” (أزمة العالم الحديث، تعقيب المترجم)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

يفصل الشيخ هنا بين “الأخلاق” و”الأخلاقوية”. الأخلاق في الإسلام مرتبطة بالوحي، وبالتوحيد، وبالاقتداء بالرسل، وبتهذيب النفس على مبدأ أعلى منها. أما الأخلاقوية الحديثة فهي عاطفة نفسية لا سند لها، ولذلك يمكن أن يتبناها المؤمن والملحد معا بالمعنى نفسه تقريبا.

هذا الفصل مهم للقارئ المسلم: نقد غينون للأخلاقوية ليس نقدا لمكارم الأخلاق، بل نقد لتحويل الأخلاق إلى بديل عن العقيدة والمعرفة والشريعة. وحين ينفصل الخلق عن الحق، يصير ذوقا عاما يتبدل بتبدل المزاج الاجتماعي.

مثال يقرّب المعنى

رجل حديث يرفض الدين لأنه “غير علمي”، ثم يقول إنه يعيش للإنسانية والحب والسلام. في الظاهر هو ضد المادية الخشنة، لكنه لا يزال داخل الأفق نفسه: لا وحي، لا مبدأ فوق فردي، لا شريعة، لا تحقق. بدل أن يعبد المادة الصلبة، صار يعبد عاطفة عامة.

عند غينون، هذا ليس خروجا من المادية، بل وجهها النفسي. لذلك يمكن أن تجد في المجتمع نفسه مصانع لا تهدأ، وإعلانات عن التأمل السريع، وعلاجات بالطاقة، ومؤتمرات أخلاقية عالمية. كلها تعمل داخل أفق واحد: أفق فقدان المبدأ.

صلات