في جملة واحدة
القوى النفسانية الجوّالة عند غينون قُوًى لَطيفة دُون روحيّة، سَمّاها الصينيون القدامى «القوى الجوّالة»، تَملأ الميدان النَّفساني بَيْن الجِسماني والروحاني، وتُنتج ظَواهر غَريبة (تَأثيرات، استحضار «الأرواح» المَزعوم، خَوارق السَّحَرة) قد تُخدَع بها العَامّة. خَطرها لا في وُجودها بل في تأويلها تَأويلًا روحيًّا؛ وهذا الخَلط هو لبّ نَقد غينون لـالروحانية المُحدَثة.
الشرح الميتافيزيقي
يَكتب غينون فصلًا بعنوان «القوى الجوّالة» في «التصوّف الإسلامي المقارن» (الباب العشرون، نُشر أصلًا في «مَجلة المعرفة» نوفمبر ١٩٣١). يَبني فيه ستّ نقاط:
-
مَيدان النفس أَوسع من ميدان الجِسم: «القُوى التي نَعنيها هنا، لكَونها ذات طبيعة نَفسية، تكون بالضرورة أَلْطف من قُوى العالم الحسي أو الجسمي». والميدان النَّفسي «أَكثر امتدادًا من الميدان الجسمي، وأَقلّ ضيقًا منه إلى حدّ كَبير». فالغَلَط أن يَختزل المُحدَثون الكَون إلى الجِسم وحده، وأن يَردّوا كلّ ما هو لَطيف إلى وَهم أو جَهالة.
-
الانحلال النَّفساني للموتى: «هذه القوى… في حالات أُخرى تَكون صادرة عن عَناصر نَفسية مُنحلّة كانت تَخصّ فيما سَبق كائنات حيّة، ومن بينها الإنسان». فالميّت تَتحلّل بَعد مَوته رُوحه إلى مَنزلتها العُليا، أمّا «نَفسانياته» (الذِّكريات، العواطف، رَواسبه اللطيفة) فتَتحلّل في الميدان الجَوّال، وقد تَتجمَّع وتُحاكي شَخصيّته. وهذا ما يَستحضره الرُّوحيُّون ظَنًّا منهم أنّه «روحه».
-
التَّكثيف والتَّحليل: للقُوى الجوّالة قَوانين كقَوانين الكَهرباء: «إذا ما لَمَس الإنسان بطَرف مَعدني مُدبَّب نَفس النُّقطة التي يُوجد منها ما يُمكن أن يُسمى عُقدة التَّكاثف، فإنّه يَصدر عن ذلك شَرار، ولو أنّ هذا التَّكثيف قام به ساحر، فإنّه يجوز أن يُجرَح أو يُقتَل بردّ فعل الضربة». فالقوانين الفيزيائية للكهرباء صورة سُفلى لقَوانين كَونية تَطول الميدان النَّفسي أيضًا.
-
الكائنات «الوُسطاء»: غَيْر العارفين بقَوانينها قد تَنجذب القوى الجوّالة إليهم لخُصوصيّة في طِباعهم، فيُسمَّوْن «وُسطاء» (مَديوم). وهؤلاء «يُعيرون القُوى التي يَتَّصلون بها شَخصية ظاهرية، ولكنّهم يَخسرون بإزاء ذلك سَلامة حالاتهم النَّفسية التي يَعتريها من تلك القوى اضطرابات قد تَصل إلى حدّ الانحلال الجزئي في الشخصية». هذا الانحلال هو ثَمَن جَلسات الاستحضار.
-
السحر تَقليد للوَلاية: «السَّحَرة يُمكنهم، ولو إلى حدّ مُعيَّن، تَقليد بعض كَرامات الأَولياء، ومع هذا التَّشابه الظاهري في النَّتائج، فإنّه ليس يُوجد شيء مُشترك بين مَصادرها المُتباينة فيما بَيْنها تمامًا». الكَرامة من قُوّة روحيّة عُليا، والسحر من قوّة نَفسانية دُونيّة. والثَمَرة الظاهرة قد تَتشابه، لكنّ المَنبع مُتباين.
-
العِلم الحقيقي يَبدأ من فَوق: «العِلم الحقيقي لا يُمكن أن يَنفع إلا إذا بَدأ من فوق، أَعني من مَبادئ عَالية، تُطبَّق على الوقائع التي ليست في الحقيقة إلا نَتائج لتلك المبادئ. وهذا نَقيض ما يَفعله العِلم الغربي الحديث تمامًا، ذلك العِلم الذي يُريد أن يَبدأ من الوقائع ليَستخرج منها تَفسيرًا شاملًا». فالغَلَط المَنهجي للحَداثة قَلب الترتيب: تَدرس الأَدنى لتَستخلص منه الأَعلى.
شواهد من غينون
“القوى التي نعنيها هنا ــ لكونها ذات طبيعة نفسية ــ تكون بالضرورة ألطف من قوى العالم الحسي أو الجسمي, ولهذا ينبغي أنْ لا نخلط بينهما حتى ولو تشابهت نتائجها مع آثار القوى الحسية بعض الشبه” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب العشرون: القوى الجوّالة)
“في بعض الحالات تكون هذه القوى بذاتها, وفي حالات أخرى تكون صادرة عن عناصر نفسية منحلة كانت تخص فيما سبق كائنات حيّة, ومن بينها الإنسان” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب العشرون)
“هؤلاء أيضا يعـيرون القوى التي يتصلون بها شخصية ظاهرية, ولكنهم يخسرون بإزاء ذلك سلامة حالاتهم النفسية التي يعتريها من تلك القوى اضطرابات قد تصل إلى حد الانحلال الجزئي في الشخصية” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب العشرون)
“السحرة يمكنهم ــ ولو إلى حد معيّن ــ تقـليد بعض كرامات الأولياء، ومع هذا التشابه الظاهري في النتائج, فإنه ليس يوجد شيء مشترك بين مصادرها المتباينة فيما بينهما تماما” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب العشرون)
“إنّ الظواهر بمفردها لا تقوم دليلا, ولا تنهض حجة, على شيء من الأشياء, وهي لا تستطيع إثبات صحة نظرية من النظريات أيّا كانت” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب العشرون)
“العلم الحقيقي لا يمكن أنْ ينفع إلا إذا بدأ من فوق, أعني من “مبادئ عالية”. تـُطبّق على الوقائع التي ليست في الحقيقة إلا نتائج لتلك المبادئ تقرب أو تبعد عنها” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب العشرون)
“هذا نقيض ما يفعله العلم الغربي الحديث تماما, ذلك العلم الذي يريد أنْ يبدأ من الوقائع ليستخرج منها تفسيرا شاملا، كما لو كان الأكثر يمكن أنْ يـُستخرج من الأقل” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب العشرون)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
يَنقل الشيخ مفتاح هذا الفصل كاملًا، ولا يَضيف فيه مُلاحظات تَفصيلية كَبيرة، لأنّ نَقد غينون للروحانية المُحدثة يَتطابق مع الموقف الشَّرعي الإسلامي الذي يَعرفه القارئ المسلم: تَحريم استحضار الأَرواح، تَحريم السِّحر، تَحريم الكَهانة. والشيخ يَفترض أنّ القارئ المسلم يَملك هذه المُسلَّمات.
والآية المرجع: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (الجن:٦). هؤلاء «الرجال من الجِنّ» هم في تَحليل غينون كائنات تَنتسب لنَفس العالم اللطيف الذي تَنتمي إليه القُوى الجوّالة. والاستِعانة بها لا تَزيد المُستعينين إلا «رَهَقًا»، أي إرهاقًا وانحلالًا في الشَّخصية، كما يَصف غينون أنّ «الوُسَطاء يَخسرون سَلامة حالاتهم النَّفسية».
وفي الحديث النبوي: «من أَتى عَرّافًا فسَأله عن شيء فصَدَّقه، لم تُقبَل له صلاة أربعين يومًا» (رواه مسلم). والعَرّاف هنا قد يَكون مُستعينًا بهذه القُوى الجوّالة، أو ساحرًا، أو وَسيطًا. والشرع يَحسم: حتى التَّصديق به جَريمة مَنزلية، لا فقط الاستعانة.
ومن أَدقّ ما في الباب نَكَّت غينون: التَّمييز بين كَرامة الوليّ وخارقة الساحر. الكَرامة من قُوّة روحيّة، لها قانونها العُلوي، وثَمَرتها سَلام للولي وللأَخذين عنه. والخارقة من قُوّة نَفسانية، تَستهلك صاحبَها وقد تَقتله، وثَمَرتها انحلال في شخصيته وفَتن لمَن يَنخدع بها. هذا تَمييز جَوهري للمسلم في عَصرنا الذي تَكثر فيه دَعاوى الكرامات. فالسؤال الأَوّل ليس «هل وَقَع الخارق؟»، بل «ما حالُ صاحبه؟ هل يَزداد التزامًا بالشريعة، أم يَخرج عنها؟».
وفي القرآن صورة قَطعية لهذا الخَلط: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ (البقرة:١٠٢)، في حقّ من يَتعلّم سحر هاروت وماروت. والسحر مَوجود في الواقع، فاعل، له آثار. لكنّ صاحبه «ما له في الآخرة من خَلاق»، أي لا نَصيب له. فالحَكم لَيس على الفِعل وَحده، بل على المَآل.
مثال يقرّب المعنى
تَأمّل ثلاث حَالات لظاهرة خارقة:
-
الكَرامة: وَلِيٌّ كامل التَّحقُّق، ساكن في طاعة، أَلقى عَصاه فإذا هي حَيّة تَسعى (كَكَرامة الجَلَنُسي مع أَتباعه). هذه قُوّة روحيّة نَزَلت من فوق، صاحبها لا يَتَكَلَّفُها ولا يَفخر بها، بل قد يَستَتِر بها. وعَلامتها: لا تُخالف الشَّريعة، ولا تُفسد العَقيدة، ولا تَترك صاحبَها مَنهوكًا، بل تَزيده تَواضعًا.
-
الخارقة من قُوّة جوّالة: ساحرٌ في الهند يَمشي على النار، يَخرق جَسده بسَيف فلا يَنزف، يَقرأ بطن مَريض ويُخبره بمَرضه. هذه قُوّة جوّالة استَجمَعها بمَنهج تَدريبي ضيّق، استَعمَلها لأَجر مادي. ثَمنها: شَخصيته مُهتزّة، أَخلاقه لا تَنضبط، يَدّعي ما لا يَملك. والخارقة عَلامة على وُقوف ترقّيه في ميدان نَفساني، ليس على بُلوغه شيئًا روحيًّا.
-
الخارقة من اتصال شَيطاني: عَرّاف يَتنبَّأ بحوادث صحيحة، أو وَسيط في جَلسة استحضار «يَتَكلَّم بصَوت المَيت». هنا استَعار جنّيٌّ شخصية الميّت أو سَبق إلى الغَيب، فأَلقى الخَبر على لسان العَرّاف أو الوسيط. وثَمَن هذا الاتّصال: انحلال نَفسي تَدريجي، وشُروع في وُقوع المَعاصي، وفِتنة لمَن يَنخدع.
والكامل من المسلمين: لا يَنفي الظَّواهر («حدوثها مَعروف»، كما يَقول غينون)، ولا يَنخدع بها (الكَرامة لا تَدلّ على وَلاية حتى يَكون صاحبها مُلتزمًا)، ولا يَستعجل تَكفير ما لا يَفهم. يَأخذ بقاعدة الجُنيد: «من نَطَق على خِلاف الكتاب والسُّنّة فلا تَلتفت إليه، ولو طار في الهَواء وأَمشى على الماء». السلوك السَّوي مِعيار، لا الخارقة.
صلات
- الكتاب المؤسِّس: التصوف الإسلامي المقارن (الباب العشرون: القُوى الجوّالة).
- الكتب المُترابطة: ضلال الأرواحية (تَفصيل نَقد الروحانية المُحدثة)؛ الثيوصوفيسم (نَقد التَّيار المُوازي)؛ أزمة العالم الحديث (التَّحليل الأَعمّ).
- المفاهيم المُترابطة: الروحانية المُحدَثة (التَيار الذي يَستثمر هذه القُوى)؛ الروحانية المنكوسة (الانقلاب الشَّيطاني عليها)؛ ضدّية التربية الروحية (التَّمييز الأَكبر)؛ الروح (ما تُحاول هذه القوى أن تُحاكيه).
- مَوازي إسلامي: السِّحر في القرآن (البقرة:١٠٢)؛ الاستِعاذة بالجنّ (الجن:٦)؛ نَهي الإسلام عن الكَهانة وإتيان العَرّاف.
- الموازي الأكبري: تَمييز ابن عربي في الباب ١٣٢ من الفتوحات بين «الكَرامات الإلهية» و«الكَرامات الشَّيطانية» (التي تَجري على يَد المُستدرَجين)؛ فصول الفتوحات حول «أبدال الشيطان» الذين يُحاكون أبدال الرحمن.
- المرجع القرآني: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (الجن:٦)؛ ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ (البقرة:١٠٢)؛ ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾ (طه:٦٩).
- المرجع الحديثي: «من أَتى عَرّافًا فسَأله عن شيء فصَدَّقه، لم تُقبَل له صلاة أَربعين يومًا» (رواه مسلم)؛ «من تَعلَّق شيئًا وُكِل إليه» (رواه أحمد).