في جملة واحدة

المعرفة عند غينون أوسع من الوعي. الوعي نمطٌ خاصّ ومشروط من المعرفة، يخصّ بعض مراتب الظهور وبعض أوضاع الكائن. أمّا المعرفة الكلية فليست شعورًا نفسيًا ولا انعكاسًا فرديًا؛ هي متمادية مع الإمكانية الكلية، ولذلك لا يصحّ أن يُقال إنّ في الحقيقة شيئًا غير قابل للمعرفة، بل توجد أشياء غير مفهومة لنا الآن بسبب حدود وضعنا.

الشرح الميتافيزيقي

يفتح غينون هذا التمييز من الباب الخامس عشر، حيث يجعل المعرفة الحقيقية تطابقًا بين العارف والمعروف، لا تمثّلًا ذهنيًا عن موضوع خارجي. لذلك لا تكون المعرفة الفعلية “نظرية معرفة” بالمعنى الفلسفي الحديث، بل حيازةً فعليةً للمرتبة المعروفة. فالكائن لا يعرف المرتبة العليا كما يعرف مسألةً ذهنية، بل يعرفها بأن يتحقق بها.

في الباب السادس عشر يضبط غينون النتيجة: الوعي ليس مرادفًا للمعرفة. الوعي إنّما يظهر حيث توجد مرتبة مشروطة تسمح للكائن بأن يعي شيئًا ضمن شروطها. لذلك يمكن أن تكون هناك معرفة لا تأخذ صورة وعي فردي حاضر، ويمكن أن تكون هناك مراتب فوق الوعي لا فوق المعرفة. ومن هنا يظهر الفرق بين:

  • العقل المفارق السامي: مبدأ كلي، لا ينحصر في الفكر الإنساني.
  • الوعي الفردي: انكسار أو انعكاس محدود لذلك المبدأ في مرتبة مخصوصة.
  • الفكر: ملكة فردية إنسانية، نافعة في مجالها لكنها لا تبلغ بذاتها الميتافيزيقا.

هذه النقطة أساسية في قراءة غينون: ما فوق العقل ليس “لا معقولًا”، بل هو فوق العقل المفكّر مع بقائه معقولًا في ذاته. فالحدّ ليس في الحقيقة، بل في الملكة التي تحاول إدراكها.

شواهد من غينون

“لا وجود لمعرفة حقيقيّة، في أيّ ميدان كان سوى المعرفة التي تتيح لنا الولوج المتفاوت عمقه زيادة أو نقصا، في صميم جوهر طبيعة الأشياء” (مراتب الوجود المتعدّدة، الباب الخامس عشر: التحقق الروحي للكائن بحصول المعرفة)

“المعرفة بمعناها المطلق والكلي الجامع الشامل، ليست بتاتا مرادفة أو مكافئة للوعي” (مراتب الوجود المتعدّدة، الباب السادس عشر: معرفة ووعي)

“لا وجود لأشياء غير قابلة للمعرفة، وإنما توجد في الوقت الحاضر أشياء غير مفهومة” (مراتب الوجود المتعدّدة، الباب السادس عشر: معرفة ووعي)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

مفتاح يقرأ هذا الفرق في ضوء التمييز الأكبري بين الفكر والكشف. في ملحق الباب الثاني ينقل عن ابن عربي أنّ الفكر “حجاب” حين يريد أن يستقلّ بالإلهيات، لا لأن الفكر باطل في مجاله، بل لأنه لا يجاوز الكون ولا يصل إلى الحقائق إلا إذا صار خادمًا لما فوقه. وفي ملحق الباب الثامن يزيد هذا المعنى وضوحًا: الفكر في الإنسان قوة مخصوصة، والعقل الأعلى ليس هو التفكير الصوري، بل مبدأ تتلقى منه الملكات الفردية ما تقدر عليه.

لذلك فصفحة الميتافيزيقا والفلسفة لا تكتمل إلا بهذا التمييز: الفلسفة تجعل المعرفة عملًا عقليًا فرديًا، أما الميتافيزيقا فتجعل العقل الفردي قابلًا لانكسار نور أعلى، وتطلب التحقق لا الاكتفاء بالتصور.

مثال يقرّب المعنى

حين تستيقظ من حلم واضح، تقول: “كنت أعي ما يجري”. لكن هذا الوعي كان مشروطًا بعالم الحلم وصوره. وحين تكون في يقظة عادية، تقول أيضًا: “أنا واع”. لكن هذا الوعي مشروط بالجسد والحواس والزمن.

غينون يسأل: هل المعرفة محصورة في هذين النمطين من الوعي؟ الجواب عنده: لا. فالوعي صورة من المعرفة في وضع مخصوص، مثلما أنّ ضوءًا منعكسًا على مرآة صغيرة ليس هو الشمس. من الخطأ أن ننكر الشمس لأن المرآة لا تعكس إلا قدرًا ضيقًا منها.

صلات