في جملة واحدة
الشخصية والفردية عند غينون ثُنائيٌّ يَنقذ به مَفهوم الإنسان من اختزال الحَداثة. الشخصية (la Personnalité) هي آتما نَفسه، أي المبدأ المُتعالي الدائم للكائن. الفردية (l’individualité) هي المرتبة المَشروطة المُقيَّدة التي يَتعيَّن فيها هذا المبدأ كإنسان مُحدَّد. الفردية تَموت بالموت؛ الشخصية لا تَفنى. الغَرب الحديث يَختزل الإنسان إلى فرديته فيَفقد شَخصيته. والثيوصوفيست يَعكسون التَّسميتين فيَفقدون التَّمييز نَفسه.
الشرح الميتافيزيقي
يَكتب غينون فصلًا كاملًا عن هذا التَّمييز في «الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا» (الفصل الثاني). يَبني فيه ستّ نقاط:
-
التَّسميتان البَديلتان: «بَدلًا من مُصطلحَيْ الهو والأنا، يُمكن أيضًا استعمال مُصطلحَيْ الشخصية والفردية». فالتَّقابل ليس لُغويًّا اعتباطيًّا، بل ميتافيزيقيًّا أَصيلًا.
-
التَّمييز كان مَعروفًا في الغَرب القديم: «كلَّما تَمّ التَّمييز بين هذين المُصطلحَيْن، كانت الشخصية تُعتبر دائمًا مُتفوّقة على الفردية». الفلسفة المدرسية القَديمة تَعرف هذا، لكنّها «لم تُعطه قيمته الميتافيزيقية الكاملة».
-
الانقلاب الحَديث: الفلاسفة المُعاصرون يَتكلَّمون عن «الشخص الإنساني» قاصدين الفَردية النَّفسية. «الشخصية إذا فُهمت ميتافيزيقيًّا ليس لديها أَيّ شيء مُشترك مع ما يُسمّيه الفلاسفة المُعاصرون الشَّخص الإنساني، والذي ليس في الواقع سوى مُجرَّد فَردية بَسيطة». هذا الانقلاب جَوهري لانهيار الإنسان الحديث: فَقَد نَفسَه الميتافيزيقية بمَوازنة لُغوية.
-
انقلاب الثيوصوفيست: «الثيوصوفيست الذين يَبدو أنّهم يَستمتعون بالخَلط بين مُصطلحاتهم، يَأخذون الشخصية والفَردية بمَعنى هو تَمامًا عَكس ما يَنبغي فَهمهما». يَجعلون الشخصية = الأنا، والفردية = الهو. هذا قَلب لُغوي خَطير، لأنّه يَفتح للقارئ فَخّ التَّأويل المَعكوس.
-
«أكثر وأقلّ» في آن: «الفَردية الإنسانية هي أَكثر وأَقلّ بكثير ممّا يَعتقده الغَربيون عادةً». أَكثر، لأنّهم يَختزلونها إلى الجِسم بَيْنما هي تَشمل كَثرة أَنماط لَطيفة. أَقلّ، لأنّهم يَجعلونها = الكائن كلَّه بَيْنما هي مَرتبة واحدة من مَراتب الكائن.
-
الفردية = درجة واحدة فقط: الكائن الكامل يَشمل عَددًا غير مُحدَّد من المراتب الفَردية وفَوق-الفَردية. الفردية البَشرية مَرتبة واحدة من بَيْن لا حَصر له. والشَّخصية هي مَبدأ كلّ هذه المراتب جَميعًا، فهي وَحدها الكائن الحقيقي.
شواهد من غينون
“بدلاً من مصطلحي الـ”هو” والـ”أنا”، يمكن أيضًا استعمال مصطلحي “الشخصية” و”الفردية"" (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا، الفصل الثاني)
“كلما تم التمييز بين هذين المصطلحين، كانت الشخصية تُعتبر دائما متفوّقة على الفرديّة” (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا، الفصل الثاني)
“الشخصية، إذا فُهمتْ ميتافيزيقيًا، ليس لديها أيّ شيء مشترك مع ما يسميه الفلاسفة المعاصرون في كثير من الأحيان “الشخص الإنساني”، والذي ليس في الواقع سوى مجرّد فردية بسيطة” (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا، الفصل الثاني)
“الـ”ثيوصوفيست”، الذين يبدو أنهم يستمتعون بالخلط بين مصطلحاتهم، يأخذون الشخصية والفردية بمعنى هو تماما عكس ما ينبغي فهمهما بشكل صحيح” (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا، الفصل الثاني)
“الفردية الإنسانية هي أكثر وأقل بكثير مما يعتقده الغربيون عادةً” (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا، الفصل الثاني)
“هذه الفردية، بعيدًا عن كونها في الواقع الكائن الكلي، ليست سوى مرتبة من هذا الكائن، من بين عدد غير محدد من المراتب الأخرى” (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا، الفصل الثاني)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
التَّمييز بين الشخصية والفردية الذي يَطرحه غينون يَنزل في الإسلام تَقابلًا أَكبر هو «الروح» و«النَّفس». هذا التَّمييز جَوهري في القرآن نَفسه:
- الروح: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ (الحجر:٢٩) — مَنفوخة من الحقّ في الإنسان، فلا تَفنى. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (الإسراء:٨٥) — مَجالها أَعلى من مَجال المخلوقات المُنفصلة.
- النَّفس: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ (الشمس:٧)، ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (يوسف:٥٣) — هي التي تَموت ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (آل عمران:١٨٥).
التَّقابل الفيدنتي:
- الشخصية = آتما = الروح
- الفردية = الأنا = النَّفس (الأمّارة والمُطمئنّة بحَسب درجاتها)
والشَّيخ الأَكبر ابن عربي يَفصِّل هذا في فصّ آدم من فصوص الحكم. آدم في فصّه هو الشخصية المُطلَقة (الإنسان الكامل بمَعنى المبدأ)، والفَرد الإنساني هو التَّجلّي الفَردي لهذه الحقيقة الأَصلية. ومن هنا قَوله: «الإنسان الكامل هو الجامع لكلّ الحقائق»، أي أنّ شَخصيته الأَكبرية تَشمل كلّ مَراتب الكائن، لا فَقط مَرتبته البَشرية.
ومن أَدقّ ما في غينون نَقده للذِّهنية الغَربية الحَديثة: «الغَربيّون، حتى عندما يُريدون المُضيّ قُدمًا في مَفاهيمهم أَكثر ممّا يُريد مُعظمهم، لا يَعتبرون الشخصية في الحقيقة إلا مُجرَّد الجزء العُلوي من الفَردية، أو مُجرَّد امتداد لها». هذا تَوصيف دقيق لما يُسمّيه الفقهاء «تَنَجيس الباطن بالظاهر»: جَعل ما هو فوق المخلوق امتدادًا للمخلوق، وهذا هَدم للتمييز الميتافيزيقي بالكُلية.
مثال يقرّب المعنى
تَأمّل ثلاث طُرق للإجابة عن سؤال «من أنا؟»:
-
الجَواب الإسلامي العاميّ المُعاصر: «أنا فلان، عُمري كذا، أَنتمي إلى عائلة كذا، أَهوى كذا». هذا تَعريف فردي خالص. لا شَخصية فيه بالمَعنى الميتافيزيقي. وإن مات الإنسان، انتهى كلّ هذا التَّعريف. مَنطق غينون: هذا تَعريف «الفَردية» التي هي مَرتبة واحدة فقط من مَراتب الكائن.
-
الجَواب الفلسفي الحَديث: «أنا شخصية إنسانية، لها كَرامة، وحُقوق، وحُريّة». هذا أَوسع من الأَوّل، لكنّه ما زال داخل حَدّ الفَردية. ما يُسمّى «شخصية» هنا ليس إلا «الفَردية المُترقّاة». وغينون يَنتقد هذا الخَلط صَريحًا.
-
الجَواب الفيدنتي/الأَكبري: «أنا في حَقيقتي ليست شَخصًا بَشريًّا، بل آتما (الشخصية الميتافيزيقية)، الذي يَتجلَّى في هذه الفَردية البَشرية كما يَتجلَّى في فَردياتٍ أُخرى لا حَصر لها. ما يَموت بمَوت هذا الجِسد هو الفَردية. أمّا الشخصية فلا تَموت، لأنّها مَبدأ، لا تَعيُّن».
والشَّاهد الحَديثي: «من عَرَف نَفسه فقد عَرَف ربّه». ليس المَعنى «من عَرَف فَرديته فقد عَرف ربّه» (وهذا فَخّ الذِّهنية الحَديثة)، بل «من عَرَف شَخصيته (آتمه، رُوحه الحقّيّة) فقد عَرَف ربّه». والصُّوفية تَدلّ السالك على هذا بعِبارة «الفَناء عن الأَنا في رُؤية الحَقّ» — أي الفَناء عن الفَردية المُختزَلة، والبَقاء بالشَّخصية الحقّ.
ولذلك حَين يَقع الصُّوفي في حال الفَناء، يَتلَفَّظ بألفاظ مثل «أنا الحَقّ» (الحلّاج) أو «سُبحاني، ما أَعظَم شأني» (البِسطامي). لا يُريدون أنّ فَرديّاتهم البَشَرية = الحقّ (وهذا كُفر إجماعًا)، بل أنّ ما يَنطق منهم في تلك اللحظة ليس فَرديتهم بل الشَّخصية الباطنة فيهم، التي تَلتقي بُنيويًّا مع الحقّ. والإمام مالك حين قال «الكَلام شَطح» إنّما رَدّ هذه الألفاظ إلى مَوضعها: لا يُحتجّ بها في الفقه، لكن لا تُنكَر من المُنتسبين إلى التَّحقيق.
صلات
هذا التَّمييز هو **المَفتاح اللُّغوي الذي يَفتح كلّ الفيدنتا** عند غينون. منه تَنبثق فُكرة [[concepts/al-atman|آتما]] (= الشخصية)، ومُقابِله [[concepts/nama-rupa|ناما-روبا]] (= حُدود الفَردية)، ومُجاوزته [[terms/moksha|موكشا]] (= التَّحقّق بأنّ الشخصية تَنفذ الفَردية). والمَوازي الإسلامي البُنيوي: التَّمييز القرآني والصُّوفي بَيْن «الروح» و«النَّفس».
- الكتاب المؤسِّس: الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا (الفصل الثاني خاصّة)؛ مراتب الوجود المتعدّدة (التَّوسيع الميتافيزيقي).
- المفاهيم المُترابطة: آتما (= الشخصية)؛ براهما (= الشخصية في إطلاقها)؛ ناما-روبا (= حُدود الفَردية)؛ مايا (التي تَجعل الفَردية تَظنّ نَفسها مُستقلّة)؛ موكشا (= تَجاوز الفَردية).
- التراث: الفيدنتا (الإطار النَّظَري الفَيصلي).
- التَّطبيق العَملي: كونداليني-يوغا (لاستيقاظ ما في الفَردية من قُوى لَطيفة وَصُعودها فَوقها).
- النَّقيض المعرفي: «الشخص الإنساني» في الفَلسفة الحَديثة (الفَردية المُختزَلة)؛ انقلاب الثيوصوفيست في تَسمية الشخصية والفَردية.
- الموازي الأكبري: «الإنسان الكامل» عند ابن عربي (= التَّحقّق التامّ بالشخصية)؛ فصّ آدم من فصوص الحكم؛ التَّمييز بين «الروح» و«النَّفس» في الباب التاسع من «التصوف الإسلامي المقارن».
- التَوازي القُرآني: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ (الحجر:٢٩)؛ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (الإسراء:٨٥)؛ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (آل عمران:١٨٥).
- المرجع الحديثي: «من عَرف نَفسه فقد عَرف ربّه» (يُفهم بمَعنى مَعرفة الشَّخصية الميتافيزيقية، لا الفَردية النَّفسية).