في جملة واحدة
الكائن عند غينون ليس محدودًا بالفرد الظاهر ولا بمرتبةٍ واحدة؛ هو سلسلةٌ من المراتب المتزامنة، كلّ مرتبة منها تَظهر في عالمها الخاصّ. والإنسان الذي تَعرفه في عالم الحسّ هو مرتبة واحدة من مراتبه، لا هو كلُّه.
الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)
تلخيصٌ لموقف غينون في «مراتب الوجود المتعدّدة» (الأبواب ٤-١٣) و«رموز الإنسان الكامل» (الأبواب ٢-٣)، بصياغة المحرّر.
يَبني غينون النظرية على ثلاث دعائم:
- الدعامة الميتافيزيقية: لو لم يَكن الكائن متعدّد المراتب، لَمَا كانت الإمكانية الكلية ذات معنى في حقّه. لأنّ الإمكانيات اللانهائية تَقتضي مجالًا لانهائيًّا لِظهورها، لا مجالًا واحدًا فقط. فكلُّ كائن هو «جزءٌ» من إمكانية كلية، ومراتبُه هي إمكاناتُه المختلفة المتحقّقة.
- الدعامة الظاهرة-الباطنة: الوجود الظاهر والوجود الباطن يَقتضي أنّ الكائن له جهةٌ ظاهرة وجهةٌ باطنة. الجهة الظاهرة هي ما يَظهر في مراتبه المختلفة؛ الجهة الباطنة هي ما يَبقى في الإمكان غير المتحقّق.
- الدعامة التحقيقية: هذه المراتب ليست مجرّد تقسيمات نظرية؛ هي مقاماتٌ يَبلغها الكائن بالتحقّق الفعلي. ومن هنا يَخرج مفهوم «السلّم الروحي» في التراثات: يصعد الطالب في مراتب وجوده حتى يَبلغ جامعيّتها في الإنسان الكامل.
التطبيق الرمزي
في «رموز الإنسان الكامل»، يَرسم غينون هذه المراتب هندسيًّا:
- الخطّ الأفقي من الصليب يُمثّل مراتب الظهور في حالةٍ واحدة (مثلًا كلّ تَنوّعات العالم الجسماني).
- الخطّ العمودي يُمثّل الصعود من مرتبة إلى مرتبة (من عالم الجسم إلى المثال إلى الروح).
- نقطة التقاطع هي موضع الإنسان الكامل الذي يَجمع المحورَين.
وهذا هو السبب الذي يَجعل الصليبَ، عند غينون، رمزًا للإنسان الكامل: فالصليب صورةٌ هندسيّةٌ لتعدّد المراتب.
النقيض الحداثي
العصر الحديث يَرفض هذه النظرية بالكامل. يُصِرّ على:
- أنّ الكائن واحد = فرد جسماني.
- أنّ العقل = الدماغ.
- أنّ الموت = نهاية الكائن.
- أنّ الأحلام = تخيّلات عشوائية للدماغ.
وكلّ ذلك عند غينون قَصرٌ للكائن في مرتبةٍ واحدة، وإنكارٌ للبقيّة. وهو نفس الخطأ الذي يُنتج نزعة الفردانية والعلم الظاهري والحضارة المادّيّة: كلّها ثمار إنكار المراتب المتعدّدة.
شواهد من غينون
“ما سبق بيانه يتضمّن، في عمومه الكلي، أساس نظرية تعدد مراتب الوجود.” (مراتب الوجود المتعدّدة، الباب الرابع)
“إنّ التحقيق الفعلي بمراتب الوجود المتعددة يرجع إلى المفهوم الذي تطلق عليه مذاهب تراثية مختلفة… اسم «الإنسان الكامل».” (رموز الإنسان الكامل، الباب الثاني)
“الترتيب التسلسلي الهرمي للمراتب المتعددة في التحقق الفعلي للكائن الكلي، هو وحده الذي يتيح فهم كيفية اعتبار ما يسمّى عموما بـ«السلالم الروحية».” (مراتب الوجود المتعدّدة، الباب الثالث عشر)
نصوص الشيخ عبد الباقي مفتاح
“كان هذا الكتاب حول علم دقيق يسميه عبد الواحد يحيى بالعلم الميتافيزيقي، وهو ما نسمّيه في دائرة العلوم الإسلامية بعلم الإلهيات أو التوحيد أو علم الوجود الحق.” (تقديم د. عبد الإله بن عرفة لمراتب الوجود المتعدّدة)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
يَربط الشيخ هذا المفهوم مباشرةً بالمصطلح الأكبريّ الكلاسيكي:
قلم المحرّر المطابق الأكبريّ المباشر لـ«تعدّد مراتب الوجود» هو ما يَذكره ابن عربي من الحضرات الخمس (الذات، العقل، الروح، المثال، الحسّ) أو مراتب العوالم السبعة. والكائن عند ابن عربي يَتنقّل بين هذه الحضرات لا بالفصل بينها، بل بالاشتمال: يَحمل كلّ حضرة أثرًا من التي تَحتها وأثرًا من التي فوقها. وهذا بعينه ما يَشرحه غينون في «مراتب الوجود».
مثال يقرّب المعنى
تأمّل حياتك اليوم:
- في اليقظة، لك جسدٌ ترى به، وحواسُّ تَلمس بها، وبَدن يَتحرّك في الفضاء.
- في النوم، يَنام الجسد؛ ولكنّك لا تَنام. أنت ترى في الحلم، وتَشعر، وتَتحرّك، وتَستيقظ وتَتذكّر. أين كنتَ وجسدك نائمٌ؟
- في النوم العميق بلا حلم، ليس ثمّ جسدٌ مُتحرّك ولا حلمٌ مَرئيّ. ومع ذلك، أنت لم تَمُتْ. أنت في حالةٍ من الوجود غير الحالتَين السابقتَين.
إذًا أنتَ في كلّ لحظةٍ في حالةٍ واحدة، ولكنّك في طبيعتك ذو ثلاث حالات على الأقلّ، متاحة لك بالتناوب. الهندوسية سمّت هذه: الجاگرت، السفنا، السوشبتي. والتراث الأكبريّ يَعرفها: عالم الشهادة، عالم المثال، عالم الغيب.
غينون يَذهب أبعد: للكائن حالاتٌ فوق بشرية لا يَعرفها إلا أهل التحقّق. ومن كان إنسانًا كاملًا، تَحقّق بها كلّها في ذاته. بينما الإنسان العاديّ يَعيش غافلًا في واحدةٍ منها، ظانًّا أنّها كلُّه.
وبهذا المعنى تَكون نظرية «تعدّد مراتب الوجود» ليست نظريّةً فلسفيّةً من نظريّات الفلاسفة؛ هي وصفٌ دقيقٌ لحقيقة كلّ كائن، يَعرفه من تَدبّر أحوال نومه ويقظته.
صلات
- الأرضية: الإمكانية الكلية؛ الوجود الظاهر والوجود الباطن.
- النتيجة العملية: الإنسان الكامل (الذي تَحقّق بالمراتب).
- الصورة الرمزية: الصليب (محوران يُمثّلان المراتب)؛ شجرة الوسط؛ الكرة؛ المكعّب.
- النقيض: نزعة الفردانية؛ العلم الظاهري.
- المعرفة الموصلة: العلم العرفاني؛ العرفان الخالص.
- المطابق الأكبري: الحضرات الخمس، مراتب العوالم السبعة عند ابن عربي.
- مَنزل أكبري: الباب ٢ من «الفتوحات» (في تَركيب الأَلواح) — يَشرح ابن عربي مَراتب الوجود السبعة كحَضَرات؛ والباب ٣٤٨ في تَدبير الكَون عَبر المَراتب.
- الكتب المرجعيّة: مراتب الوجود المتعدّدة (التفصيل النظري)؛ رموز الإنسان الكامل (التفصيل الرمزي)؛ الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا (الصياغة الفيدنتية للإنسان).
عند غينون في الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا
يعطي كتاب الفيدنتا صياغة أنثروبولوجية مباشرة لهذه النظرية: الفردية الإنسانية ليست سوى درجة واحدة من الوجود الكلي، ولها مرتبة كثيفة ومراتب لطيفة، أما الشخصية فليست مشروطة بهذه الدرجات.
“الفردية الإنسانية هي أكثر وأقل بكثير مما يعتقده الغربيون عادةً” (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا، الفصل الثاني)