في جملة واحدة

الإمكانية الكلية عند غينون هي كلُّ ما يمكن أن يكون، قبل أن يُوجد أو لا يُوجد. شملت ما ظَهر وما لم يَظهر، وما يقبل الظهور أصلًا وما لا يقبله. وهي غير محدودة، لأنّ تحديد شيءٍ يَقتضي وجودَ شيءٍ خارجه، ولا خارج عن «كلّ الممكن».

الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)

تلخيصٌ لموقف غينون في «مراتب الوجود المتعدّدة» (الأبواب ١-٣)، بصياغة المحرّر.

يَبني غينون المفهوم على ثلاث خطوات منطقية:

  1. نفي التحديد: يبدأ من ملاحظة أنّ التحديد نفيٌ: أن تقول «هذا كذا» يعني «ليس كذا وكذا». فكلُّ تحديد يَفترض شيئًا خارجَ المحدود. ومن ثَمّ، إذا كان «كلّ الممكن» محدودًا، فلا بدّ أن يكون خارجه ممكنٌ آخر، وهذا تناقض. إذًا «كلّ الممكن» غير محدود بالضرورة.
  2. التمييز بين اللامتناهي والمجموع اللامحدود: اللامتناهي الحقيقي هو الله بذاته، لا يُحَدّ ولا يُقاس. الإمكانية الكلية لا تَبلغ هذا المقام؛ هي مجموعٌ لامحدود من الإمكانيات، لا لامتناهٍ بالذات. لكنّها أقرب ما يكون إلى تصوّر اللامتناهي في مجال الوجود.
  3. انقسام الظاهر والباطن داخل الإمكانية الكلية: كلّ إمكانيّة في الإمكانية الكلية إمّا أن تَظهر (تَخرج إلى عالم التعيّن والتجلّي)، أو تَبقى في البطون (لا تَظهر، ولكنّها موجودة بطريقتها). وهذا هو أساس الوجود الظاهر والوجود الباطن.

مقام هذا المفهوم في الجهاز الغينوني

  • فوق الكائن الفعلي: لأنّ الكائن هو ما ظَهر، والإمكانية الكلية تَشمل ما لم يَظهر.
  • قبل التعيّن: لأنّها سابقة على كلّ تحديد وعلى كلّ ثنائية (ذات/صفات، خلق/حقّ، قدم/حدوث).
  • مادّة كلّ ميتافيزيقا حقيقية: لأنّ من عَرَف الإمكانية الكلية استطاع أن يَفهم كلَّ ما هو أدنى منها، ومن لم يَعرفها بَقي أسيرًا لِما ظَهر.

وبذلك يَصير المفهوم في الكتاب مفتاحًا لفهم تعدّد مراتب الوجود: فكلُّ مرتبةٍ ظاهرةٍ هي إمكانيّةٌ اختارت أن تَظهر؛ وكلُّ مرتبةٍ باطنةٍ هي إمكانيّةٌ باقيةٌ في الأصل. والإنسان الكامل هو الذي يَستعيد هذه الجامعيّة في ذاته، فَيَجمع الظاهرَ والباطنَ في كائنٍ واحد.

شواهد من غينون

“إنّ للتقييد طابع نفي حقيقي؛ فوضع قيد يعني نفي ما هو خارج عن كل ما يحتويه.” (مراتب الوجود المتعدّدة، الباب الأول: اللامتناهي والإمكانية الكلية)

“إنّ الإمكانية الكلية تشتمل بالضرورة على مجموع الإمكانيات قاطبة.” (مراتب الوجود المتعدّدة، الباب الثالث: الوجود الظاهر والوجود الباطن)

“إنّ مفهوم اللامتناهي، كما عرضناه هنا، لا يقبل من وجهة النظر الميتافيزيقية الخالصة أيّ نقاش ولا اعتراض، لأنه لا يمكن أنْ يشتمل في ذاته على أيّ نفي.” (مراتب الوجود المتعدّدة، الباب الأول: اللامتناهي والإمكانية الكلية)

“تحديد الإمكانية الكليّة، هو بالمعنى الحصري: استحالة؛ وهذا لأنّ التحديد يعني أنّ المحدِّد لها محيط بها، فهي لا تتضمّنه، والخارج عن الإمكان لا يمكن أنْ يكون إلا مستحيلا.” (مراتب الوجود المتعدّدة، الباب الأول: اللامتناهي والإمكانية الكلية)

“فيكفي أنْ نجيب بأنّ ميدان الظهور، بحُكم محدوديته لأنه جملة من العوالم أو من المراتب المقيّدة… لا يمكنه أنْ يستوعب الإمكانية الكلية بكاملها.” (مراتب الوجود المتعدّدة، الباب الثاني: الممكنات)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

لم يَرِد تعليقٌ صريحٌ للشيخ على هذا المفهوم في المواد المباشرة، ولكنّه يَذكر في مقدّمته لِترجمة الكتاب أنّ هذا «العلم الدقيق» هو علم الإلهيات والتوحيد في المصطلح الإسلامي (انظر تعليقه على [[concepts/al-ilm-al-turathi-al-irfani|العلم العرفاني]]). وفي المصطلح الأكبريّ، الإمكانية الكلية تُقابل ما يسمّيه ابن عربي **«الأعيان الثابتة»**: الصور المعلومة لله في ذاته قبل الخلق، والتي تَختار بعضها أن تَظهر، وتَبقى أخرى في البطون.

مثال يقرّب المعنى

ضَعْ أمامك كرّاسةً بيضاء. ثمّ اسأل: كم كلمةً يمكن أن تُكتب فيها؟

  • إذا قلتَ «مئة ألف كلمة»، فقد حدّدت الكرّاسة بعَدَدٍ منتهٍ.
  • ولكن قبل أن تَبدأ الكتابة، كلُّ كلمةٍ ممكنة: قد تَكتب شعرًا، أو علمًا، أو رسالةً، أو فقهًا، أو تَشطب ما كَتبتَ وتَبدأ من جديد. كلُّ هذا موجودٌ في الإمكان قبل أن تَختار.

ثمّ وَسِّع الأمر: قبل أن يَخلق اللهُ العالم، كلُّ الأكوان الممكنة كانت في الإمكانية الكلية: هذا الكون، وأكوان أخرى ما خُلِقت، وأكوان لا يمكن أن تُخلق بَنحوٍ من التناقض. هذه الكلُّها لا تَخرج عن علم الله وعن شموله. ولا يَصلح أن يُقال إنّ «هناك شيئًا خارج علم الله»؛ فإنّ ذلك يَستلزم حدًّا لعلمه، وهو محال.

الإمكانية الكلية عند غينون هي الاسم الميتافيزيقي لهذه الحقيقة: لا تَنقصها إمكانيّةٌ من الإمكانيات قاطبة.

المرجع الإسلامي

ربط مَفهوم الإمكانية الكُلّية بالنُّصوص القرآنية والأَكبرية.

«الإمكانية الكلّية» عند غينون تُقابل شُمول العلم الإلهي للأشياء الممكنة كلّها في القرآن:

  • ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ (الأنعام:٥٩) — شُمول العِلم الإلهي بكلّ ما يَكون وما لا يَكون.
  • ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا﴾ (النساء:١٢٦) — الإحاطة الإلهية بكلّ شيء، مَوجودًا كان أو مَعدومًا.
  • ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ﴾ (فصلت:٥٤) — تأكيد قَطعي للإحاطة.
  • ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (لقمان:٢٧) — لا نَفاد للكَلمات (الإمكانيات) الإلهية.

والشيخ الأكبر ابن عربي تَناول هذا تَفصيلًا في «الأَعيان الثابتة». الأَعيان الثابتة عنده هي المُسمَّيات المَعلومة لله في عِلمه أَزَلًا، قبل أن تُوجَد في الخارج. وهي تُقابل بدقّة ما يُسمّيه غينون «الإمكانية الكُلّية».

أَهَمّ المراجع:

  • فصّ شيث في فصوص الحكم (الأَعيان الثابتة وتَجلِّيها).
  • فصّ آدم في فصوص الحكم (الإنسان الكامل المُتحقِّق بالإمكانية الكُلّية).
  • الباب ١٣٧ من الفتوحات (مَنزل العِلم الإلهي).

والقاعدة الأكبرية: «الوُجود ظَاهر، والثُّبوت باطن». الإمكانية الكُلّية ثُبوت في العِلم، والظُّهور تَجَلٍّ في الكَون. وكلّ ما ظَهَر في الكَون مَسبوق بثُبوته في العِلم. هذا تَطابق مع غينون نَصًّا.

صلات