في جملة واحدة
العلم الظاهري هو ما يسمّيه الناس اليوم «العلم» باختصار: معرفةٌ تَنظر إلى الأشياء من جهة ظواهرها المحسوسة والقابلة للقياس، وتَستبعد ما وراءها. وعند غينون هو صورة محطّمةٌ من علمٍ أعلى كان متّصلًا بالمبدأ.
الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)
تلخيصٌ لموقف غينون في أربعة كتب، بصياغة المحرّر.
يُقدّم غينون العلم الظاهري في أربع صور متكاملة:
- في «هيمنة الكمّ»: هو العلم الذي ينظر إلى «الغاية السفلية» فقط، أي إلى المجلى الكمّي من الأشياء، ويُنكر ما فوقه. وهو أثرٌ طبيعي لهيمنة الكمّ.
- في «أزمة العالم الحديث»: هو «العلم الدّوني» أو «دراية جاهلة»، لأنّه يَفقد النسبة إلى المبدأ الذي يُعطيه شرعيّةً ومعنى. المعرفة بدون هذا الأصل ليست معرفة، مهما تَكاثَرت بياناتها.
- في «شرق وغرب»: هو «خرافة العلم»، بمعنى أنّه يُؤلَّه ويُعبَد، مع أنّ قيمته الحقيقية عند أهله لا تتجاوز التطبيق الصناعي. هكذا يَرفضه الغرب الحديث لِفقدانه «البعد الأعلى» الذي فَقَده.
- في «السلطة الرّوحية والحكم الزمني»: هو نتيجة تمرّد الطبقة الوسطى (الكشاطرية) على الطبقة العُلوية (البراهمان): حين يَستقلّ الحكم الزمني عن السلطة الروحية، يَحتاج إلى معرفةٍ تُطَبَّق ولا تُعَرِّف، فَيُنتج علمًا ظاهريًّا مقطوعًا من أصله.
والخيط الجامع عند غينون هو: العلم الحديث ليس نقيض الدين، ولا هو «منطقة حيادية»؛ هو جُزءٌ من نفس الحركة الدوريّة الهابطة. فحين يَنقطع الأصل العرفاني، يَنشأ علمٌ يَجهل نفسه: يَعرف كثيرًا، ولا يَعرف أنّه لا يَعرف أهمّ الأشياء.
ومن هنا قال غينون إنّ «الفيزيقا الحديثة» حَلّت محلّ «الميتافيزيقا»، ولكنّها لم تَسُدّ موضعها، لأنّها لا تَعرف ما يَعرفه هو. وهذا الخلط هو الذي يُسمّيه في «هيمنة الكمّ» الروحانية المنكوسة حين يَبلغ مداه الأخير.
شواهد من غينون
“بَيْنما ينظر العلم العرفاني أساسًا إلى الغاية العُليا ولا يمنح قيمة نسبيّة إلى الغاية السفلية إلا من حيث تناظرها مع الغاية العلوية، فإنّ العلم الظاهري بالعكس، لا ينظر إلا إلى الغاية السفليّة.” (هيمنة الكمّ، المقدّمة)
“يمكن أن يُنظر بحق إلى «العلم الدّوني»، أي علم المحدثين، كـ«دراية جاهلة».” (أزمة العالم الحديث، الفصل الرابع: العلم المقدّس والعلم العموميّ الدّوني)
“والعلم عندهم بالمفهوم الضيّق الذي حصروه فيه، لا قيمة له بالأخص إلا بمقدار قدرته على بلوغ تطبيقات صناعية.” (شرق وغرب، الباب الأول: الحضارة والتقدم)
“وكان ذلك توجّه نحو «العلم السطحي الظاهري الدّوني» الذي سيكون محلّ اهتمام الطبقات الدّونية وعلامة على هيمنتهم في المجال المعرفي.” (السلطة الرّوحية والحكم الزمني، الباب الثامن: الجنة الأرضية والجنة السماويّة)
نصوص الشيخ عبد الباقي مفتاح
“كما فضلتُ ترجمة كلمة (profane) بلفظة (ظاهري) لأنّ سِيَاقها عند المؤلف مطابق أو قريب جدًّا لسياق ورُودها في الآية 7 من سورة الروم: [يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ].” (تعقيبات المترجم حول مقدّمة هيمنة الكمّ)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
يُعلّق الشيخ على المصطلح ذاته في مقدّمته لـ «هيمنة الكمّ»، فيُقدّم للقارئ العربي أنّ «الظاهريّ» هنا ليس مجرّد ترجمةٍ للكلمة الفرنسية profane، بل هو اختيارٌ مقصودٌ بِعَيْن قرآنية:
وبهذا الاختيار، يَصير «العلم الظاهري» عند القارئ المسلم مطابقًا لأحد أشدّ الأوصاف القرآنية خطورةً: علمُ من «يعلم ظاهرًا من الحياة الدنيا وهو عن الآخرة غافل». ليس جهلًا بسيطًا؛ هو علمٌ مَحدودٌ يُوهم صاحبه بأنّه معرفة، فَيَصير حجابه الأكبر.
مثال يقرّب المعنى
اسأل اليوم عالمًا حديثًا عن شيءٍ بسيط، كالنحلة:
- سيُخبرك بوزن جسمها، وسرعة أجنحتها، وعدد خلاياها الإحصائيّ، والدّور الاقتصادي للعسل في الناتج الزراعي. هذا كلُّه صحيح.
- لكنّه لا يستطيع أن يُخبرك: لِمَ كانت الرموز العتيقة تَجعل النحلة علامةً للروح؟ ولِمَ قال تعالى ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾؟ ولِمَ يقول الشيوخ إنّ نَظْم الخليّة يُحاكي نَظْم الأرض؟
بل هو يَعتبر هذه الأسئلة غير علمية، إنْ لم يَعتبرها خرافة. هنا تَرى كيف أنّ العلم الظاهري ليس محدودَ الأُفق فقط؛ هو عاجزٌ بالبنية عن الإجابة على الأسئلة التي كانت مَحلّ العلم الأصيل.
صلات
- النقيض: العلم التراثي العرفاني.
- الأرضية الحضارية: هيمنة الكمّ؛ الكمّ؛ الحضارة المادّيّة.
- الأفق الفكري: الحياة الدنيا؛ التقدّم.
- السبب السياسي: تمرّد الكشاطرية على السلطة الرّوحية.
- النتيجة الأخيرة: الروحانية المنكوسة؛ الروحانية المحدثة.
- الكتب المرجعيّة: هيمنة الكمّ؛ أزمة العالم الحديث؛ شرق وغرب؛ السلطة الرّوحية والحكم الزمني.