في جملة واحدة
الممكن عند غينون ليس شيئًا معلّقًا بين الوجود والعدم بمعنى سطحي. هو ممكن من حيث ذاته لأنه لا يستمد علته الكافية من نفسه، لكنه واجب من حيث مبدئه لأنه مندرج في الإمكانية الكلية. لذلك يكون الظهور عارضًا في نفسه، ثابتًا في مبدئه.
الشرح الميتافيزيقي
يأتي الباب السابع عشر بعد تمييز المعرفة والوعي لأن غينون يريد حلّ مشكلة فلسفية لا تُحلّ داخل الفلسفة: كيف يكون الشيء ممكنًا وواقعًا في آن؟ جوابه أنّ التعارض ينشأ من النظر إلى الظهور من جهة واحدة فقط.
من جهة الكائن المشروط، الظهور ممكن لأنه حادث وعارض ومقيّد. ومن جهة مبدئه، هو واجب لأنه لا يظهر إلا بما هو مندرج في الإمكانية الكلية، ولا يكون له أيّ قدر من الحقيقة إلا بهذا الجذر. فالضرورة هنا ليست جبرية آلية، والإمكان ليس فراغًا اعتباطيًا؛ كلاهما وجهان يختلفان بحسب جهة النظر.
يفرق غينون بذلك بين:
- واجب بذاته: لا يستمد وجوده من غيره، وهذا لا يقال على الحقيقة إلا في المبدأ.
- واجب بغيره: ما كان ممكنًا في ذاته، لكن ظهوره لازم من جهة مبدئه وعلته الكافية.
- ممكن من جهة الظهور: ما يتحدد بشروط مرتبة مخصوصة.
- ثابت من جهة البطون: ما له جذر في العلم أو الإمكانية قبل ظهوره.
لهذا يلتقي المفهوم بصفحات الأعيان الثابتة والوجود الظاهر والوجود الباطن: ما يظهر في العالم ليس مستقلًا، لكنه ليس عدمًا؛ هو تجلٍّ مشروط لما له ثبوت مبدئي.
شواهد من غينون
“الظهور الذي هو ممكن الوجود من حيث هو: لا يقل عن كونه واجبا من حيث مبدئه” (مراتب الوجود المتعدّدة، الباب السابع عشر: وجوب وإمكان)
“فالقول بأنّ الظهورَ واجبُ الوجود في مبدئه، ليس في الصميم سوى أنْ نقول إنه مندرج في الإمكانية الكليّة.” (مراتب الوجود المتعدّدة، الباب السابع عشر: وجوب وإمكان)
“الممكن هو كل ما لا يستمد من ذاتِه علّتَه الكافية” (مراتب الوجود المتعدّدة، الباب السابع عشر: وجوب وإمكان)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
في ملحق المترجم على الباب الثالث، يورد الشيخ مفتاح عن ابن عربي صيغةً شديدة الدقة لمسألة الممكن بين الوجوب والمحال:
“فما خرج الممكن من أنْ يكون مقبوضاً عليه: إمّا في قبضة المحال، وإمّا في قبضة الواجب.” (مراتب الوجود المتعدّدة، ملحق المترجم على الباب الثالث)
هذه العبارة تكشف سبب اهتمام مفتاح بهذا الباب: غينون لا يقدّم هنا نظرية فلسفية في الإمكان، بل يقارب معنى أكبريًا يعرف أنّ الممكن لا يملك حكمًا مستقلًا بنفسه؛ حكمه من جهة ما تعلّق به من علم ومبدأ.
مثال يقرّب المعنى
البذرة ممكنة الشجرة من حيث ذاتها: قد لا تنبت إذا عدم الماء أو الضوء أو الأرض. لكنها إذا نظرنا إلى نظامها الداخلي وإلى شروطها المكتملة، فظهور الشجرة ليس اعتباطًا؛ هو لازم من جهة مبدئها.
هذا المثال محدود، لكنّه يقرّب الفرق: الإمكان لا يعني فوضى، والوجوب لا يعني إكراهًا خارجيًا. عند غينون، كل ممكن له حقيقة بقدر ما له مبدأ، وكل مبدأ يقتضي ما يقتضيه بلا أن يتأثر هو بظهوره.
صلات
- الأرضية: الإمكانية الكلية؛ الوجود الظاهر والوجود الباطن.
- الثبوت الأكبري: الأعيان الثابتة في العلم الإلهي الأزلي.
- التحقق والحرية: المعرفة والوعي؛ الحرية الميتافيزيقية.
- الكتاب المرجع: مراتب الوجود المتعدّدة (الباب ١٧).