في جملة واحدة

الديميورج عند غينون، كما يشرحه الشيخ عبد الباقي مفتاح، ليس إلها ثانيا ولا خالقا شريرا، بل وهم الانفصال: رؤية الكثرة كأنها مستقلة عن القيومية الإلهية، ومن هذا الوهم تنشأ الثنائية، وتمييز الخير والشر، والتعلّق بالفعل والشكل.

الشرح الميتافيزيقي

يأتي مقال “الديميورج” في بحوث عرفانية بوصفه أول نص منشور لغينون سنة 1909، ولذلك يبدو أحيانا ذا لغة غنوصية مبكرة. غير أن الشيخ مفتاح يضبطه بوضوح: غينون لا يتبنى معنى الديميورج المنحرف في بعض الثنائيات، حيث يكون مبدأ شر يقابل الحق. بل يقصد الوهم الذي يجعل الكائن يرى شيئا من الوجود قائما بنفسه.

الفكرة المركزية أن الشر لا يملك وجودا ميتافيزيقيا مستقلا. من جهة المبدأ لا يكون إلا الكمال؛ أما الشر فيظهر عندما تنفصل النظرة عن الكل وتنظر إلى الأشياء من جهة التجزؤ والتحليل. لذلك ترتبط هذه الصفحة بوجوب وإمكان والوجود الظاهر والباطن والإبداع الإلهي والتجلي: ما يظهر ليس باطلا محضا، لكنه ليس مستقلا.

ومن هنا يفسر غينون “مملكة الديميورج” بوصفها ميدان الفردية والفعل والشكل. الأخلاق والعمل والتمييز بين الخير والشر لها موضعها في المستوى الاجتماعي والعملي، لكنها لا تُحمل إلى المستوى الميتافيزيقي الكلي. فإذا نُقلت إلى ذلك المستوى تحولت إلى ثنائية زائفة.

شواهد من غينون

“ومن وجهة نظر كلّية، فإنّ الشر غير موجود” (بحوث عرفانية، الفصل الأوّل: الديميورج)

“فتوهّم الثنائية المحتوم هو الذي يحقق الخير والشر” (بحوث عرفانية، الفصل الأوّل)

“الأخلاق موجودة بالضرورة في المستوى الاجتماعي، الذي هو في الأساس مجال الأفعال، ولكن الأمر ليس كذلك عندما ننظر إلى المستوى الميتافيزيقي أو الكلّي” (بحوث عرفانية، الفصل الأوّل)

“إنّ الفعل هو في الواقع حالة الكائنات الفردية، المنتمية إلى مملكة الديميورج” (بحوث عرفانية، الفصل الأوّل)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

مفتاح الصفحة هو تمهيد الشيخ مفتاح نفسه. فهو يمنع القارئ المسلم من فهم المقال كميل إلى مانوية أو غنوصية ثنائية، ويرده إلى التوحيد الأكمل:

“فمعنى “الدميورج” عنده ليس كما يقوله المنحرفون أنه مبدأ الشرّ في العالم وخالق المادّة والتكاثر” (بحوث عرفانية، تمهيد المترجم على الفصل الأوّل)

“وإنما هو “الوهم” الذي يجعل الإنسان المحجوب يعتقد أنّ في الكون ما هو منفصل عن القيوميّة الإلهية وكأنه قائم بنفسه.” (بحوث عرفانية، تمهيد المترجم على الفصل الأوّل)

ثم يربط الشيخ ذلك بباب 367 من الفتوحات المكية: من يفنى عن العالم بحيث لا يرى له أي اعتبار قد ينقص من العلم، لأن العالم من حيث حقيقته عين تجلي الحق. الكمال ليس إنكار الوجود الظاهر، بل شهوده قائما بالله لا بنفسه.

مثال يقرّب المعنى

الناظر إلى الظل وحده يراه شيئا قائما بذاته، وربما يخاصمه أو يخافه. فإذا التفت إلى النور والجسم والموقع، فهم أن الظل ليس مبدأ مستقلا. كذلك الكثرة: إذا نُظرت مقطوعة عن المبدأ صارت ميدان صراع وشر وخصومة؛ وإذا رُدت إلى أصلها صارت تجليا لا استقلالا.

صلات