التعريف

الميتافيزيقا الخالصة عند غينون هي معرفة المبادئ الكلية وما فوق الطبيعة. ليست فرعًا من الفلسفة، ولا نظرية في المعرفة، ولا لاهوتًا عقليًا، ولا علمًا طبيعيًا رفيعًا؛ إنها معرفة مباشرة فوق عقلية، لا تبلغ تمامها إلا في التحقق الميتافيزيقي.

الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)

[صياغة الموسوعة] يبدأ غينون الميتافيزيقا الشرقية بالتمييز بين كلية المعرفة وتنوع صيغ التعبير عنها. ويعلّل وصفها بالشرقية بما يراه من بقاء تعاليمها في الشرق. هذا تشخيص في محاضرته سنة ١٩٢٥، لا وصف ثابت لأحوال كل مجتمع شرقي؛ وقد نبّه المترجم نفسه، في الحاشية ١٠، إلى اختلاف السياق بين تاريخ المحاضرة وتاريخ ترجمتها.

معنى الكلمة عنده حرفي وحاسم: ما وراء الفيزياء، أي ما وراء الطبيعة بكل امتدادها. والطبيعة هنا لا تعني المادة المحسوسة فقط، بل كل مجال الظهور المشروط. لذلك لا يكفي أن نقول إن الميتافيزيقا تبحث في “الكائن من حيث هو كائن”؛ فهذا عند غينون حصر للكل في الجزء، لأن الكائن الخالص نفسه تعيّن، والمبدأ الأعلى وراء الكائن.

ومن هنا تأتي ثلاثة حدود أساسية في اصطلاح غينون، لا تعريفات جامعة لكل استعمال فلسفي أو لاهوتي لهذه الكلمات:

  1. ليست فلسفة: الفلسفة تعمل بالعقل الفردي، وتبني تصورات ومذاهب. الميتافيزيقا تستعمل التصور تمهيدًا فقط، ثم تتجاوزه إلى المعرفة المباشرة.
  2. ليست لاهوتًا عقليًا: اللاهوت يبقى غالبًا داخل صياغة دينية مخصوصة واستدلالية، أما الميتافيزيقا فتنظر إلى المبادئ من جهة كليتها.
  3. ليست علمًا طبيعيًا: مهما توسع العلم في الظواهر، فإنه يبقى داخل الطبيعة. الميتافيزيقا تبدأ حيث ينتهي مجال الطبيعة.

ولهذا لا يصح تعريفها تعريفًا مغلقًا. يمكن وصفها بأنها معرفة المبادئ الكلية، لكن هذا وصف تقريبي، لأن موضوعها غير محدود ولا ينحصر في صيغة أو منظومة. العبارة والرمز والتصور كلها دعامات، لا بدائل عن المعرفة.

شواهد من غينون

“فإنّ تركيب كلمة «ميتافيزيقا» تعني حرفيا:«ما وراء الفيزياء».” (الميتافيزيقا الشرقية، الفقرة التي تبدأ «وبعد أن تقرر هذا، يجدر أن نتفق على المعنى»)

“فالفيزياء تهتمّ بدراسة كلّ ما ينتمي إلى ميدان الطبيعة؛ وأمّا الميتافيزيقا فتهتمّ بما وراء الطبيعة.” (الميتافيزيقا الشرقية، الفقرة نفسها في معنى الفيزياء والميتافيزيقا)

“المقصود هنا هو في ذاته حقـّا غير محدود على الإطلاق، إذنْ لا يمكن أنْ يَنغلق في أيّ صيغة ولا في أيّ منظومة.” (الميتافيزيقا الشرقية، الفقرة التي تبدأ «والآن، هل نستطيع تعريف الميتافيزيقا كما نفهمها؟»)

“أمّا في الميتافيزيقا الشرقية، فالكائن الخالص المجرّد ليس هو أوّل المبادئ ولا أشملها إحاطة، لأنه هو نفسه تعيّن.” (الميتافيزيقا الشرقية، الفقرة نفسها في حدود الأنطولوجيا)

“أمّا الميتافيزيقا فهي المعرفة «فوق العقل»، حدسية ومباشرة.” (الميتافيزيقا الشرقية، الفقرة التي تبدأ «وحين نتكلم عن التصورات والمفاهيم الميتافيزيقية»)

نصوص الشيخ عبد الباقي مفتاح

“قد يُترجم البعضُ كلمة “Union” بلفظة “اتـّحاد”، لكن هذه اللفظة قد تــُحْدِث التباسًا في مفهومها العرفاني الدقيق” (الميتافيزيقا الشرقية، حاشية المترجم ٨)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

[صياغة الموسوعة] تتضح وظيفة التعليق في مواضع محددة:

  • الحاشية ٧: يربط الشيخ مقام الفطرة بالميثاق، ويستشهد بالأعراف ١٧٢–١٧٣ والروم ٣٠. هذا وجه المقارنة الذي يقيمه المترجم مع المصطلح الوارد في المحاضرة.
  • الحاشية ٨: يتحفّظ على ترجمة Union بلفظ «اتحاد» لما قد يوقعه من التباس، وينقل عن ابن عربي في نفي الاتحاد والحلول. فلا يُفهم المصطلح الفرنسي هنا بمعزل عن هذا التنبيه.
  • الحاشيتان ٩ و١٠: يشرح في الأولى ما يقصده بخروج الحقائق المجردة عن الزمن، ويميّز في الثانية بين ظرف المحاضرة التاريخي وما طرأ بعده على الشرق.

بهذه الإحالات يُقرأ التعليق بوصفه شرحًا له مصادر ومواضع، لا دعوى أن جميع المصطلحات الهندوسية والعربية مترادفات. والتعبير عن «التحقق» لا يغني عن بيان شروطه وحدوده في النص.

في دراسات حول كبرى الحضارات

يعطي القسم الثاني من هذا الكتاب التفصيل المبكر الذي تعرضه المحاضرة باختصار، ولا سيما الفصول ٥ و٦ و٨: «الخصائص الجوهرية للميتافيزيقا»، و«الميتافيزيقا وعلم اللاهوت»، و«التفكير الميتافيزيقي والتفكير الفلسفي». ومن الفروق التي يقوم عليها العرض:

  • الميتافيزيقا واللاهوت: اللاهوت وجهة دينية خاصة، أما الميتافيزيقا فوجهة كلية.
  • الميتافيزيقا والفلسفة: الفلسفة نظام فردي نسبي، أما الميتافيزيقا فاستبعاد للنظام المغلق.
  • اللاازدواجية والواحدية: الواحدية حل فلسفي يختزل أحد الطرفين في الآخر، أما اللاازدواجية فتتجاوز التعارض في مبدأ أعلى.

وعلى هذا الأساس ينتقد غينون في قسم «التفسيرات الغربية» إسقاط تصنيفات مثل المثالية والمادية والحلولية على نصوص شرقية من غير تحرير اصطلاحها. هذا موضوع محدد في نقده للاستشراق، لا حكم على كل بحث غربي لمجرد مصدره الجغرافي.

صلات