في جملة واحدة
«الجسر» عند غينون رمزٌ تراثيٌّ عالميٌّ لـالعبور من حالٍ إلى حال، من الأرض إلى السماء، من المَوت إلى الخلود. هو ضيِّقٌ كحدّ السيف، خَطِرٌ، لا يُجتاز إلا بِمعرفةٍ. عند المسلم يُقابله الصراط الذي وَصَفه الحديث بأنّه «أَحَدّ من السيف وأَدَقّ من الشَّعرة».
الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)
تلخيصٌ لموقف غينون في «رموز العلم المقدّس» (المقالات ٦٣-٦٤)، بصياغة المحرّر.
يَبني غينون رمز الجسر على أربع نقاط:
- الجسر = «سوتراتما»: الكلمة السنسكريتية «سيتو» (Sêtu) للجسر مَن جذر «سي» = ربط. الجسر رابطٌ بين ضفّتَين. وفي التراث الهندوسي «سوتراتما» (الخيط-النفس) هو الخيط الميتافيزيقي الذي يَربط حالات الكائن المختلفة. الجسر مَصنوعٌ من هذا الخيط نفسه.
- الضفّتان عالَمان: «الضفّة هذه» هي عالم الإنسان المُقيّد، «عالم الموت حيث كلّ شيء خاضع للتحوّل». «الضفّة الأخرى» هي العالم المبدئي، «عالم الخلود» أو «الحضرة الإلهية» بالاصطلاح الصوفي.
- الجسر ضيِّق وخَطِر: «دقيقٌ شديد»، «شبيهٌ بشَعاع نور»، «ضَيِّقٌ كحدّ السيف». لا يَنجح في اجتيازه الجميع؛ القليلُ يَجتازه. هذا هو طابع الطريق الباطن: ضَيِّقٌ بطبيعته، يَستلزم تَأهّلًا.
- الجسر دلالةٌ مزدوجة، خَيريّةٌ وشَريّة: الرابط قد يَكون رابطًا (يَصِل ضِفّتَين) أو قَيدًا (يَحبس الكائن في وَحله). الجسر قد يَكون مَنفذًا للسالك، وقد يَكون عَقبةً للذي يَتعلّق بالطريق ويَنسى الغاية. ولذلك الاجتياز في اتّجاه واحد: من هذه الضفّة إلى الأخرى. الرجوع للوراء خَطِر إلا للكائن الذي تَحرّر تمامًا.
الجسر وقوس قزح
في المقالة ٦٤ يُلاحظ غينون أنّ بعض التراثات تُماثل الجسر بقوس قزح (التراث الإسكندنافي، التوراتي ﴿سأضع قوسي في السحاب﴾)، ولكنّه يُنبّه إلى أنّ التماثل ليس تامًّا:
- الجسر محور مستقيم يَصل بين الضفّتَين على نفس المرتبة.
- قوس قزح منحنٍ يَدلّ على تيّارات بين السماء والأرض، لا على محور مستقيم.
كلاهما يَصِل، ولكن بطرائق مختلفة. الجسر يَنقل؛ قوس قزح يَتجلّى.
الموازي مع السلّم
الجسر يَتطابق في الجوهر مع رَمز السُلَّم (المقالة ٥٤): كلاهما طريقُ صعودٍ بين مَرتبَتَين. سُلَّم يعقوب في التوراة، سُلَّم النبي ﷺ في المعراج، سُلَّم النمسا في الميتراذية — كلُّها صور الجسر العمودي بدل الجسر الأفقي.
شواهد من غينون
“حتى إن كنا في السابق تكلمنا عن رمزية الجسر في مناسبات عديدة، فإننا نضيف هنا إلى ما ذكرناه بعض الاعتبارات الأخرى… وفيه تلحّ بالخصوص على نقطة تبيّن الارتباط الوثيق لهذه الرمزية مع جملة التعاليم التراثية المتعلقة بـ«سوتراتما».” (رموز العلم المقدّس، المقالة ٦٣: رمزية الجسر)
“فالضفتان تمثلان حالتين (أو وضعيتين أو مرتبتين) مختلفتين للكائن؛ ومن البديهي أنّ الحبل هنا هو نفس «الخيط» الذي يربط تلك الأوضاع (أو تلك المراتب) مع بعضها البعض، أي هو الـ«سوتراتما» نفسه.” (رموز العلم المقدّس، المقالة ٦٣)
“والعالمان الممثلان بضفتي النهر هما، بالمعنى الأعم، السماء والأرض، اللتان كانتا متحدتين في البدء، ثم انفصلتا بفعل التجلي نفسه؛ وميدان هذا الظهور بأجمعه يُشبّه حينئذ بنهر أو ببحر ممتد بينهما.” (رموز العلم المقدّس، المقالة ٦٣)
“فإحدى الضفّتين هي ميدان الموت حيث كل شيء خاضع للتحوّل، بينما الأخرى هي ميدان الخلود.” (رموز العلم المقدّس، المقالة ٦٣)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
يَستحضر الشيخ في تعقيباته على هذه المقالة المُكافئ الإسلامي المباشر:
- الصراط: في الحديث الصحيح: «يُضرب الصراط بين ظَهْرَي جهنم، أَحَدّ من السيف وأَدَقّ من الشَّعرة». التطابق مع وصف غينون «ضَيِّقٌ كحدّ السيف» تامّ، بل بنفس اللفظ. والمؤمنون يَجتازون الصراط بدرجات: بِسرعة البرق، بسرعة الفرس، بسرعة الراكب، يمشي مَشيًا، يَزحف زَحفًا، يَسقط في النار. هذه الدَرجات يُقابلها في معجم غينون تَفاوت التَأهّل الذي يُحدِّد القدرة على العبور.
- «الذي يَنجح بإمكانياته الخاصة وبدون مساعدة»: غينون يُلاحظ أنّ القليلَ يَجتازه بِنفسه؛ الباقي يَحتاج إلى مَدد. في التراث الإسلامي، شَفاعة النبي ﷺ يوم القيامة عند الصراط هي المَدد الذي يَجعل عبور الكثيرين ممكنًا.
- الحضرة الإلهية: الترجمة العربية تَقول: «بعد أن قطع مراتب الظهور الأخرى، فهو العالم المبدئي (أي الحضرة الإلهية في الاصطلاح الصوفي *)». النجمة هنا تَنبيهٌ من المُترجم: «الحضرة الإلهية» اصطلاحٌ صوفيٌّ مَعروف، يَستعمله ابن عربي بمعنى «حضرة الذات» التي تَنتهي إليها كلّ التَجلّيات.
والشيخ في إدراج هذا الرمز ضمن المعجم القرآني يَعقد ميزة معرفية للقارئ المسلم: سَتُمتحن يومًا في عبور الصراط؛ ما تُعدّ نفسك له اليوم في هذه الحياة هو تَأهيلٌ لذلك العبور. وهذا هو ما يَدعو إليه التصوّف الإسلامي كلّه.
مثال يقرّب المعنى
تَخيّل نهرًا عظيمًا بين ضِفّتَين: ضِفّةٌ يَعيش فيها الإنسان، ضِفّةٌ أخرى مَجهولة. لا قاربَ، لا سَفر. الطريقة الوحيدة للعبور: خيطٌ مَشدود فوق النهر، يَمشي عليه السالك. ضَيِّقٌ، يَسقط منه السائر بقَدمٍ تَخطئ.
في التراث الإسلامي، يَتقدّم الناس يوم القيامة إلى الصراط، وهو في الحديث «أَحَدّ من السيف وأَدَقّ من الشَّعرة». المؤمنون يَجتازونه: بعضهم كالبَرق، بعضهم كالريح، بعضهم زَحفًا، وبعضهم يَسقط في النار. هذا في رواية مسلم وغيره.
في التراث الإسكندنافي، بِفروست Bifröst جسرٌ من قوس قزح يَصل عالم البشر (Midgard) بعالم الآلهة (Asgard). في الزرادشتية، جسر شِنوات هو ما يُحدّد مَصير الميت: يَصير عريضًا للصالح، يَضيق على الطالح حتى يَسقط. في كلّ التراثات، الجسر يُحدّد مَصير الكائن بقدر تَأهّله.
غينون يَقول: هذه ليست استعارات أدبية متشابهة بِالصُّدفة. كلُّها تَصف حقيقةً ميتافيزيقية واحدة: العبور من حالٍ إلى حالٍ أعلى يَتطلّب مَعرفة وإعدادًا، والذي لم يَستَعدّ يَسقط.
صلات
- الموازي العمودي: السُلَّم (سلّم يعقوب، سُلَّم المعراج).
- الموازي الكوني: محور العالم؛ القطب.
- الموازي الإسلامي: الصراط؛ شَفاعة النبي ﷺ.
- مَنزل أكبري: الباب ٣٦٧ من «الفتوحات» في مَنزل العبور إلى المراتب العُليا (الصِّراط بمَعناه الباطن)؛ والباب ٦٦ في صفة الصِّراط في الآخرة.
- النسخة الإسكندنافية: بِفروست (جسر قوس قزح).
- النسخة الزرادشتية: جسر شِنوات.
- الإطار العامّ: التحقّق الميتافيزيقي (الجسر طريقه الكوني).
- المرحلة الموازية: الانتقال من مقام الفطرة الأصلية إلى المقامات فوق-الفردية.
- النموذج الجامع: الإنسان الكامل (يَجتاز الجسر بِيسر).
- المصطلح السنسكريتي: «سيتو» (Sêtu)، «سوتراتما».
- الكتاب المرجع: رموز العلم المقدّس (المقالات ٦٣-٦٤).