في جملة واحدة

ابن عربي هو الشيخ الأكبر (٥٦٠-٦٣٨هـ)، المُؤسِّس الأَكبر للعرفان الإسلامي المُنظَّم، صاحب «الفتوحات المكية» (٥٦٠ بابًا) و«فُصوص الحكم». في هذه الموسوعة، هو المرجع المركزي الذي تَلتقي عنده ثلاث طبقات: غينون يَستشهد به نَصًّا في فصول التصوّف الإسلامي وعِلم الحروف، ومفتاح يَبني عليه كلّ تَعليقاته، ومحرّر الموسوعة يُرجع إليه كلَّ ربط بين غينون والإسلام السنّي.

التَّعريف والترجمة

ولد محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الطائي الحاتمي في مُرسية بالأَندلس سنة ٥٦٠هـ، ونشأ في إشبيلية، وارتحل إلى المشرق سنة ٥٩٧هـ، فأَدّى الحجّ ثُمّ زار العراق ومصر والشام والروم، واستقرّ في دمشق حتى وفاته سنة ٦٣٨هـ. مَدفنه على سَفح جبل قاسيون بدمشق، ضَريحه ما زال قائمًا إلى اليوم.

أَلَّف ما يَزيد على ٥٠٠ كتاب، أَهمّها مُطلَقًا اثنان:

  • «الفتوحات المكية»: ٥٦٠ بابًا في ستّة مُجلّدات (طبعة دار صادر) أو أربع عشرة مُجلّدًا (التحقيقات الحديثة). كَتَبها في مكة بعد رُؤيا «الفَتى الفَتّان» على البَيْت، ابتداءً من ٥٩٨هـ.
  • «فصوص الحكم»: ٢٧ فَصًّا كلّ منها مَنسوب إلى نبيّ. أَلَّفه سنة ٦٢٧هـ في دمشق بعد رؤية للنبيّ ﷺ.

في «التصوّف الإسلامي المقارن» (الباب السادس)، يَفتح غينون فَصلَه بقَوله: «هذا عُنوان لواحد من الكتب الكثيرة لسيدي محي الدين بن العربي»، يَعني كتاب «القشر واللبّ». وفي الباب الحادي عشر (علم الحروف) يَستشهد به مَرّتَيْن: «يَعتبر سيدي محي الدين (ابن العربي) في الفتوحات المكية العالم كأنّه مَرموز في كتاب»، و«هذه الحروف العاليات هي الماهيات الأَزلية أو الأَعيان الثابتة في العِلم الإلهي».

المَوضع في الموسوعة

تَحتلّ شَخصية ابن عربي مَوقعًا فَريدًا: هو الفَيصل في كلّ خِلاف تَأويلي بين غينون والإسلام السنّي. والشيخ مفتاح كَتب كتابًا مُستقلًّا بعنوان «المفاتيح الوجودية والقرآنية لفُصوص الحكم»، يَشرح فيه فصوص الحكم بِمَفاتيح غينونية. ومن هنا تأتي وَزن قَوله:

كلّ مَفهوم مَركزي في الموسوعة يَرجع في النهاية إلى ابن عربي:

  • الإنسان الكامل = اصطلاح ابن عربي في الفتوحات والفُصوص.
  • الأعيان الثابتة = اصطلاح ابن عربي في فصّ شيث وفصّ آدم.
  • التوحيد = الباب ٢٧٣ من الفتوحات (التوحيد العاشر).
  • الطريقة = الباب ١٦١ من الفتوحات (مَنزل الطريق).
  • علم الحروف = الأبواب ٢، ٢٠، ٢٦، ٦٠، ١٩٨ من الفتوحات + كتاب «الميم والواو والنون».
  • الفقر = الباب ٢٠٣ من الفتوحات.
  • الروح = الباب ٧ من الفتوحات.

نُصوص الشيخ عبد الباقي مفتاح

“وبخاصة سيدي محي الدين بن العربي ((أي الشيخ الأكبر, ولد بالأندلس سنة 560 هـ وتوفي في دمشق سنة 638 هـ /1240 م))” (التصوف الإسلامي المقارن، حاشية المترجم)

“فصّل الشيخ الأكبر محي الدّين في كتاب (إنشاء الدوائر) وكتاب (عنقَاء مغرب) وخصوصا في “الفتوحات المكية” أهمّ المسائل المتعل” (هيمنة الكمّ، حاشية المترجم على الفصل الخامس)

“كلام المؤلف حول هذا القطب الظلماني مطابق تماما لما نجده عند الشيخ الأكبر حيث يصف الجوهر الهبائي, أي الهيولي , بالسواد” (هيمنة الكمّ، حاشية المترجم على الفصل الرابع)

“ويقول الشيخ الأكبر محي الدْين بن العربي في الباب 295 من “الفتوحات المكية”: فَعُشْرٌ مِن العلم اللدني ظاهر وما كتمتُ منه فتسعة أعشار” (هيمنة الكمّ، حاشية المترجم على الفصل الثاني عشر)

شَواهد من غينون

“هذا عنوان لواحد من الكتب الكثيرة لسيدي محي الدين بن العربي, وهو يعبّر في شكل رمزي عن العلاقات بين علم الظاهر وعلم الباطن” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب السادس: القشر واللبّ)

“يعتبر سيدي محي الدين (ابن العربي) في “الفتوحات المكية” العالم كأنّه مرموز في كتاب” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الحادي عشر: علم الحروف)

“هذه “الحروف العاليات” هي الماهيّات الأزلية أو الأعيان الثابتة في العلم الإلهي” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الحادي عشر)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

عَلاقة الشيخ مفتاح بابن عربي لَيست عَلاقة باحثٍ بمَوضوع، بل عَلاقة سَالكٍ بشَيخ. مفتاح يَنتمي إلى الطريقة الشاذلية الدرقاوية، وفيها يُعدّ ابن عربي مَرجعية لا يَختلف عليها أَحد. وكلّ مَن قَرأ مفتاح يَعلم أنّه يَستحضر ابن عربي في كلّ صَفحة من تَرجماته لغينون، لا كاستشهاد علميٍّ، بل كمَن يَستمدّ منه ضَوءًا لقراءة المؤلِّف الفرنسي.

ولا غَرابة في هذا: غينون نَفسه كان مُسلمًا (تَسمّى عبد الواحد يحيى)، وعَرَف ابن عربي عَبر سَنده الصوفي في القاهرة. ومن هنا الفَهم الصحيح لمَوقع غينون: ليس مُستشرقًا أَوربيًّا يَنظر إلى التصوّف من خارج، بل مَن دَخَل التراث الأكبري واستَخدم مَنابعه. وهذا ما يَلتقطه الشيخ مفتاح فيُكمله: كلّ ما يَكتبه غينون يُسنده الشيخ إلى نَصّ مُحدّد في الفتوحات أو الفصوص.

ومن أَهمّ ما يَحرص عليه الشيخ مفتاح: تَنبيه القارئ على أنّ التصوّف الذي يَتكلّم عنه غينون ليس وحدةَ الوُجود الفلسفية الخاطئة، ولا الحلول، ولا الاتحاد. غينون نَفسه يَكتب في الباب الرابع من الكتاب: «التصوّف لا يُمتّ بصلة لعقيدة الاتحاد أو وحدة الوجود من حيث معانيها الفلسفية الخاطئة، كما لا علاقة له بتاتًا بالانحراف في العقيدة والابتداع في الشريعة». والشيخ مفتاح يَلتقط هذا ويُؤكّده، لأنّه هو نَفسه يَخوض مَعركةً ضدّ من يَتّهم ابن عربي بوحدة الوجود الفلسفية الخاطئة.

والآية القرآنية الأكبر في حقّ مَقام ابن عربي: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ (آل عمران:٨١). الحكمة هنا هي ما تَوارثه أَهل التَّحقيق، وابن عربي وَارث «خاتمَ الأَولياء» في تَعليمه الخاصّ.

مَثل يقرّب المعنى

تَأمّل مَوقع ابن عربي في هذه الموسوعة بثلاث صُوَر:

  1. القاموس: لو فَتَحت الموسوعة في أيّ مَفهوم — التوحيد، الفقر، الإنسان الكامل، علم الحروف — وأَردت أن تَفهم ما هو فهمًا عَميقًا، تَجد ابن عربي مَذكورًا. هو القاموس الذي يَفسّر المُصطلحات. كلّ كلمة في معجم التصوّف لها بَاب عند ابن عربي يُفصّلها.

  2. المُترجِم: غينون يَكتب بالفرنسية، ومفتاح يَترجم إلى العربية. لكنّ التَّرجمة الحقيقية ليست لُغوية بل اصطلاحية. حين يَقول غينون «الحقيقة المُحمدية»، فمن أَين يَأخذ المُترجم هذا المُصطلح؟ من ابن عربي في «الفتوحات» الباب ٧٣. ابن عربي هو المُترجِم الذي يَنقل غينون إلى لُغة الإسلام السنّي.

  3. الجِسر: لو سَأَل قارئ مُسلم: «كيف أَعرف أنّ غينون لا يَنحرف عن الإسلام رغم كَتابته بلُغة فلسفية؟»، الجواب: تَحقَّق أنّ كلّ ما يَقوله غينون يَجد له أَصلًا عند ابن عربي. وكلّ ما يَقوله ابن عربي يَجد له أَصلًا في القرآن والسُّنّة. فابن عربي جِسر بين غينون والقرآن. ومن هنا أَهمّيته القُصوى في هذه الموسوعة.

ولذلك حين يَختار الشيخ مفتاح أن يُسمّي كتابه الكبير عن فصوص الحكم بـ«المفاتيح الوُجودية والقُرآنية لفصوص الحكم»، فالكَلمتان «وُجودية» و«قرآنية» معًا هما عَين هذه الموسوعة: قراءة المَيتافيزيقا الكَونية (الوُجودية) بمَفاتيح القرآن. هذا هو الجَوهر، وهو جَوهرٌ أَكبري.

صلات

  • الكُتب التي يَستشهد بها: «الفتوحات المكية»، «فصوص الحكم»، «إنشاء الدوائر»، «عنقاء مغرب»، «القشر واللبّ»، «الميم والواو والنون»، «مواقع النجوم»، «التراجم»، «التدبيرات الإلهية»، «الإسراء إلى المقام الأَسرى».
  • الكُتب التي يُذكَر فيها: التصوف الإسلامي المقارن (الباب السادس والحادي عشر خاصة)؛ رموز الإنسان الكامل (الكتاب كلّه أَكبري)؛ مراتب الوجود المتعدّدة؛ هيمنة الكمّ (تَعقيبات مفتاح).
  • المفاهيم الأَكبرية: الإنسان الكامل؛ الأعيان الثابتة؛ التوحيد؛ الفتح الكبير؛ الإمكانية الكلية؛ الفقر؛ علم الحروف؛ الروح.
  • التراث: التصوّف الإسلامي (الطريقة الأكبرية، الشاذلية المنحدرة منها).
  • الشُّرّاح: عبد الكريم الجِيلي (الإنسان الكامل، مراتب الوجود)؛ صدر الدين القُونوي (تلميذه المباشر)؛ داود القَيصري (شَرح الفصوص)؛ القاشاني؛ الجَنَدي؛ وفي عَصرنا: عبد الباقي مفتاح.
  • المرجع القرآني: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ (آل عمران:٨١)؛ ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة:٣١)؛ ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (البقرة:١١٥).
  • المرجع الحديثي: «من رآني فقد رأى الحقّ» (الذي بَنى عليه ابن عربي رؤيته للنبيّ ﷺ التي كَتب بعدها الفصوص).