في جملة واحدة
الكيمياء والإكسير في أفق غينون ومفتاح ليست طلب تحويل المعادن طلبا للربح، بل علم هرمسي-روحي يتصل بـهرمس وعلم الحروف وعلم الأعداد: تحويل المعدن الخسيس إلى نفيس صورة لتحويل النفس، و«الإكسير» رمز للميزان الذي يردّ الأشياء إلى كمالها.
الشرح الميتافيزيقي
تقع الكيمياء في الطبقة الوسطى بين الميتافيزيقا الخالصة والعلم الحسي:
- من جهة، هي علم كوني يتعامل مع المعادن والعناصر والطبائع والميزان.
- من جهة ثانية، هي رمز تربوي لتحويل النفس وتجوهرها.
- من جهة ثالثة، هي علم حروفي وعددي لأن الموازين التي تضبط الطبائع مرتبطة بالحروف والأسماء والأعداد.
ولهذا لا يقرأ غينون الكيمياء بوصفها أصل الكيمياء الحديثة فقط، ولا بوصفها خرافة. الكيمياء الحديثة أخذت القشرة الكمية من العالم المعدني، أما الكيمياء التراثية فتنظر إلى المعدن في نظام من الأسماء، والأعداد، والطبائع، والمراتب.
شواهد من غينون
علاقتها بإدريس وهرمس
العلوم الهرمسية عند غينون هي العلوم البرزخية الوسطى: ليست روحانية خالصة، وليست مادية فقط. لذلك تُنسب إلى إدريس/هرمس: الطب، الكيمياء، الفلك، علم الحروف، علم الأعداد، والسياسة المدنية.
“العلوم المنسوبة إلى سيدناإدريس والموضوعة تحت تصرّفه الخاص ليست العلوم الروحية الخالصة التي ترجع إلى سيدنا عيسى، أي للمسيح؛ وإنّما هي العلوم التي يُمكن أنْ تُنعت بـ«البرزخية الوسطى»، ومن بينها الكيمياء وعلم التنجيم.” (ملل ومذاهب تراثية ودورات كونية، القسم الرابع)
وتظهر الصلة نفسها في الهرم:
“علم إدريس مختبئ حقاً في الهرم، فهو متضمّن في بنيته ذاتها، وفي هيئته الخارجية والداخلية وفي نِسَب أبعاده.” (ملل ومذاهب تراثية ودورات كونية، القسم الرابع: قبر هيرميس)
فالهرم هنا ليس قبرا لجسد إدريس، بل حفظ هندسي للعلم الإدريسي؛ والكيمياء جزء من هذا العلم لأنها تقوم على النسب والموازين والتحويل.
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
علم الحروف والكيمياء
يقول الشيخ مفتاح في مقاله الكبير عن علم الحروف:
“هنا يلتقي علم الحروف وأعدادها بعلوم الفلك والطب والكيمياء بأقسامها الروحانية والنفسانية والجسمانية؛ فهذه العلوم ، من حيث دلالاتها العميقة أصلها المبدئي علم واحد.” (ملل ومذاهب تراثية ودورات كونية، مقال المترجم عن علم الحروف)
هذه العبارة هي مفتاح الصفحة كلها. الكيمياء ليست علما منفصلا؛ هي وجه من وجوه علم واحد:
- الحروف: مفاتيح الأسماء والطبائع.
- الأعداد: موازين العلاقات.
- الفلك: ترتيب التأثيرات الكونية.
- الطب: إصلاح المزاج الحي.
- الكيمياء: إصلاح المزاج المعدني والنفسي.
لذلك يتكرر لفظ الميزان: الكيمياء الحقيقية لا تعمل بالفوضى ولا بالتجربة العمياء، بل بميزان كمي وكيفي يضع كل شيء في موضعه.
كيمياء السعادة
ينقل الشيخ مفتاح من ابن عربي والشعراني أن كيمياء أهل الله ليست صنعة دنيوية:
“كيمياء الفقراء – أي رجال السلوك - إنّما هو أنْ يعطيهم الله تبارك وتعالى حرف: «كُنْ».” (ملل ومذاهب تراثية ودورات كونية، ملحق الكيمياء والإكسير)
وهذا يضع الحد الفاصل:
- كيمياء الدجالين: طلب الذهب والتصرف للدنيا.
- كيمياء الحكماء: معرفة الميزان.
- كيمياء الفقراء: تحقق بقدرة «كن» بإذن الله، لا بالتعلق بالأسباب.
لهذا يشدد النص على أن من أحبّ الدنيا لا يدخل قلبه هذا العلم، وأن الرموز الكيميائية لا تُفهم من ظاهر الأسماء والعقاقير.
موقعها بين إدريس وعيسى
في ملحقات الكتاب يميّز الشيخ مفتاح بين سماء إدريس الشمسية وسماء عيسى العطاردية:
- إدريس: السماء الرابعة، الشمس، القلب، الثبات القطبي، علم الزمان، الحكمة الإدريسية.
- عيسى: السماء الثانية، عطارد، الكلمة، النفس، الإحياء، السيمياء، إزالة العلل.
وبهذا تُفهم الكيمياء على وجهين:
- كيمياء شمسية إدريسية: مرتبطة بالحكمة، الثبات، القلب، الذهب، وعلوم الدهر.
- كيمياء عطاردية عيسوية: مرتبطة بالكلمة، الإحياء، السيمياء، العلاج، وتحويل العلة.
وليست هذه ازدواجية تناقض، بل اختلاف رتبة داخل العلم الواحد.
صلات
- العلم الهرمسي: هرمس الهرامسة؛ التراث الهرمسي؛ الأهرامات؛ الصولجان.
- الموازين: علم الحروف؛ العدد الميتافيزيقي؛ قياس وتجلّ.
- الدورة والمركز: الدورات الكونية؛ القطب؛ الأراضي السبع والأبدال.
- التحقق: التحقّق الميتافيزيقي؛ النجاة والانعتاق؛ كيمياء السعادة.
- الكتاب المؤسس: ملل ومذاهب تراثية ودورات كونية، القسم الرابع وملحقاته.