في جملة واحدة
إدريس عليه السلام في التراث الإسلامي هو نفسه هرمس الهرامسة في التراث الإغريقي-المصري، وأخنوخ في التراث العبري، وبودها (كوكب عطارد) في الفيدا الهندوسية، وأودين / وُوتان / فاتان في تراثات الجرمان والمايا — شخصية واحدة في وَظيفة كونية واحدة هي حِفظ علوم البرزخ الوسيط (الطبّ، الكيمياء، الفلك، علم الحروف، علم الأعداد، السياسة المدنية)؛ وعند ابن عربي في الفتوحات: قطب السماء الرابعة الشمسية و«مداوي الكلوم» الذي بِجراحات الهوى خبير.
مَن هذه الشخصية الواحدة؟
يَدمج غينون في مقالاته «هيرميس» و«قبر هرمس» (في كتاب «ملل ومذاهب تراثية»، القسم الرّابع) شخصيات تَبدو متفرّقة في التراثات الإنسانية لكنّها في الحقيقة واحدة:
| التراث | الاسم | الوظيفة |
|---|---|---|
| الإسلامي | إدريس | نبيّ، رُفع إلى السماء الرابعة دون موت |
| العبري | أخنوخ (Énoch) | السابع من ولد آدم، رُفع إلى السماء دون موت |
| المصري | تحوت (Thoth) | إله الحكمة والكتابة، حافظ العلوم الكهنوتية |
| الإغريقي | هرمس (Hermès) | رسول الأرباب، تَرجمان، دليل الأرواح، صاحب الصولجان |
| الهندوسي | بودها (Budha) | كوكب عطارد، جذره يَعني «الحكمة» |
| الجرماني | أودين / وُوتان | إله الحكمة والكتابة، يوم الأربعاء سُمّي يومه |
| المايا/الأزتك | فاتان / كاتزالكواتل | الطائر-الأفعى، حامل الحكمة |
في القرآن مَوضعان لإدريس:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ۞ وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ (مريم:٥٦-٥٧)
﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ ۞ وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا ۖ إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (الأنبياء:٨٥-٨٦)
وفي حديث الإسراء، النبيّ صلى الله عليه وسلم لقي إدريس في السماء الرابعة. وهذا الذي يَجعل ابن عربي يُحدّد إدريس بأنّه قطب السماء الرابعة الشمسية.
الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)
تلخيصٌ لموقف غينون في «هيرميس» و«قبر هيرميس» من كتاب «ملل ومذاهب تراثية»، بصياغة المحرّر.
يَبني غينون البنية على ست نقاط:
- التَّطابق ليس صدفة لُغوية: تَطابق «هيرميس» (الإغريقي) مع «تحوت» (المصري) معروف منذ العصر السكندري. تَطابقهما مع «أخنوخ» العبري معروف من التراث المسيحي والقَبَلي. تَطابقهما مع «إدريس» الإسلامي يَستحضره ابن عربي وشُرّاحه. تَطابقهما مع «بودها» الهندوسي (= كوكب عطارد) واضح في الأسماء. والمفاجأة: تَطابقهما أيضًا مع «أودين» الجرماني و«فاتان» المايا، بنفس الرّمزية: الكاتب، حامل الحكمة، يوم الأربعاء يومه.
- الوظيفة الواحدة: علوم البرزخ الوسيط: ليست هذه شخصية كونية ميتافيزيقية مُطلقة، بل شخصية تَختصّ بـ«علوم العالم البرزخي الأوسط» — أي العلوم المُطبَّقة على درجة الواقع التي تَقع بين الميتافيزيقا الخالصة والعالم المادّي. الطبّ، الكيمياء، الفلك، علم الحروف، علم الأعداد، السياسة المدنية: كلّها علوم تَتعلّق بالعالم اللطيف والتفاعل بين المادّي والروحاني.
- الصولجان رَمزه الكوني: «الكادوسي» (صولجان هرمس) — عصا حولها ثعبانان متشابكان وفوقها جناحان — هو الرّمز الكامل لوظيفته: الثعبانان = القوى المتقابلة في العالم اللطيف (يين/يَانـڨ، الفاعل/المنفعل، الذكر/الأنثى)، الجناحان = ارتفاع هذه القوى إلى المستوى الروحي. ويَستحضر غينون أنّ الرّمز نفسه يَظهر في تَراث المايا تحت اسم «كتزالكواتل» (الطائر-الأفعى).
- هرمس الهرامسة (الثلاثي العظمة): أحيانًا يُذكر «هرمس» في الواقع كتَسلسل من ثلاث شخصيات: الأوّل قبل الطوفان (= إدريس عند المسلمين، أخنوخ عند العبريين) = «هرمس الهرامسة». الثاني والثالث بَعد الطوفان (= هرمس البابلي وهرمس المصري). هذا التَسلسل يَتطابق مع التراث الإسلامي الذي يَتكلّم عن ثلاثة إدريس.
- «مَكانًا عَلِيًّا»: قراءة غينون للآية القرآنية: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ تَعني تَجاوزه للموت الأرضي ودخوله في «القلعة الشمسية» مع إيليا (= ذو الكفل)، حيث يَقيم «الخالدون» (Shîra-jîvi في الهندوسية) الذين تَستمرّ حياتهم طَوال الدورة. هذا الفهم يَتطابق مع تَقليد «الأبدال السبعة» الإسلامي.
- الأهرامات كحوامل لِعلمه: الهرم الأكبر ليس قبر إدريس بمعنى أنّ جسده دُفن فيه (إذ إدريس لم يَمت، بل رُفع)؛ بل علمه قُيِّد فيه: «علم إدريس مختبئ حقًّا في الهرم، فهو متضمّن في بنيته ذاتها، وفي هيئته الخارجية والداخلية وفي نِسَب أبعاده». ولذلك «هرم» في العربية تَشترك جذرًا لُغويًّا مع «هرمس». الكلمتان واحدة. والأهرامات الثلاثة الكبرى ربّما تَرجع للأنبياء الثلاثة الكبار قبل الطوفان: آدم، شيث، إدريس.
مَوقع إدريس في خَريطة الأقطاب الأكبريّة
ابن عربي في الفتوحات المكية الباب ١٥ يُحدّد قطب كلّ سَماء كوكبية:
| السماء | القطب النبيّ | الكوكب |
|---|---|---|
| الأولى | إبراهيم عليه السلام | القمر |
| الثانية | عيسى عليه السلام | عطارد |
| الثالثة | يوسف عليه السلام | الزُّهَرة |
| الرابعة | إدريس عليه السلام | الشمس |
| الخامسة | هارون عليه السلام | المرّيخ |
| السادسة | موسى عليه السلام | المشترِي |
| السابعة | آدم عليه السلام | زُحَل |
ولذلك العلوم المنسوبة إلى إدريس هي علوم شمسية بحتة: الذهب الخيميائي، الإكسير، علم النور، علم الأنوار النبوية. أمّا «العلوم الهرمسية البرزخية» (الطبّ والكيمياء بمعنى البرزخ) فهي عند ابن عربي مَنسوبة إلى عيسى عليه السلام في السماء الثانية (عطارد) لا إلى إدريس في السماء الرابعة. وهذا انعكاس واضح للتَّسلسل الفلكي عند اليونان (حيث «هيرميس» = عطارد).
غينون يُحرّر هذا «اللُّغز التَّناسبي»: ليس مُجرّد التباس، بل يُؤشِّر إلى أنّ نفس العلم له جانبان: جانب روحي خالص (للمسيح) وجانب هَرمسي برزخي (لإدريس). أو بمعجم الأكسير: «طبّ روحي» (للمسيح) و«طبّ هرمسي» (لإدريس).
تَكميل الشيخ مفتاح من «المفاتيح الوجودية»
في ملحق التَّرجمة، يَستحضر الشيخ مفتاح من كتابه الخاصّ «المفاتيح الوجودية والقرآنية لفصوص الحكم» تَحريرًا عدديًّا بالغ الأهمّية:
- ابن عربي يُسمّي إدريس في الباب ١٤ من الفتوحات: «مداوي الكلوم».
- بحذف المكرّر تَبقى «مَداو كُلّي» (طبيب الكلّ).
- العدد بحساب الجمل: ١١١.
- ١١١ هو عدد القطب في مراتب الوجود الثلاث (آحاد + عشرات + آلاف).
- ١١١ هو عدد كَلمات: «قطب»، «ألف» (= قطب الحروف)، «أعلى»، «كافي»، «الحسيب»، «الأعداد»، «عليّا» في ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.
- الوفق السداسي (سَحري لسماء إدريس الرابعة) مَجموع كلّ ضِلعه ١١١، ومَجموعه الكلّي ٦٦٦ = العدد الشمسي.
- العدد ٦٦٦ هو في كلام ابن عربي عدد الإنسان الكامل من حيث جامعيّته.
- كَلمة «مَداوي الكلوم» نفسها تَحوي ١٨٨ بحساب الجمل = عدد المُدن التي بناها إدريس عند العَرب القدامى.
- ٧٢ لُغة عَلَّمها إدريس قَومه = ضِعف ٣٦ (عدد عناصر الوفق السداسي) = عدد وُجوه البروج الاثني عشر.
كلّ هذه التَّطابقات العَددية تُؤكّد عند الشيخ مفتاح أنّ بنية إدريس في الإسلام بنية رياضية-كونية صَريحة تَتطابق مع موقعه الفلكي (السماء الرابعة الشمسية)، ووظيفته الكونية (مَنبع علوم الأرض)، ومُدّة عَمَله (المنفانتارا الحالية).
شواهد من غينون
“في التراث الإسلامي، يتطابق سيدنا إدريس مع كل من «هيرميس» و«أخنوخ».” (ملل ومذاهب تراثية ودورات كونية، القسم الرّابع: هيرميس)
“في الهند، يسمّى كوكب عطارد (أو «هيرميس») باسم «بودها»، وهو الاسم الذي جذره يعني الحكمة بحصر المعنى، أي الحكمة التي هي حقا في جوهرها المبدأ الملهم لكلّ معرفة.” (ملل ومذاهب تراثية ودورات كونية، القسم الرّابع: هيرميس)
“أنه في الواقع مطابق لاسم «أودين» الإسكندنافي، أي «وُودين» أو «وُوتان».” (ملل ومذاهب تراثية ودورات كونية، القسم الرّابع: هيرميس)
“وفي الوقت نفسه، العلوم المنسوبة إلى سيدناإدريس والموضوعة تحت تصرّفه الخاص ليست العلوم الروحية الخالصة التي ترجع إلى سيدنا عيسى، أي للمسيح؛ وإنّما هي العلوم التي يُمكن أنْ تُنعت بـ«البرزخية الوسطى»، ومن بينها الكيمياء وعلم التنجيم.” (ملل ومذاهب تراثية ودورات كونية، القسم الرّابع: هيرميس)
“علم إدريس مختبئ حقاً في الهرم، فهو متضمّن في بنيته ذاتها، وفي هيئته الخارجية والداخلية وفي نِسَب أبعاده.” (ملل ومذاهب تراثية ودورات كونية، القسم الرّابع: قبر هيرميس)
“اسم «هرمس» ذاته معروف جيّدا في التراث العربي؛ وهل ينبغي أنْ نرى فيه «صدفة» في التشابه بينه وبين كلمة «هرم» (جمعها: أهرام)، الذي لا يختلف عنه إلا بإضافة حرف أخير ليس جزءًا من جذره؟” (ملل ومذاهب تراثية ودورات كونية، القسم الرّابع: قبر هيرميس)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
يُكرّس الشيخ مفتاح في ملحقاته أكثر من ٣٠ صفحة لإدريس وللعلوم المنسوبة إليه — وهو أوسع ملحق في كلّ الترجمات. يَفعل أربعة أشياء:
أوّلًا، يَستحضر الباب ١٤ من الفتوحات كاملًا (في معرفة أقطاب الأمم السابقة الخمسة والعشرين)، ويُحرّر أنّ ابن عربي اختار لإدريس اسم «مداوي الكلوم» (الطبيب). هذا الاختيار ليس صدفة: إدريس يَختصّ بالطبّ الروحي للنفوس، لأنّه «بِجراحات الهَوى خبير».
ثانيًا، يُقدّم تَحليلًا عدديًّا غير مَسبوق في الترجمات الأخرى: عدد «مَداوي الكلوم» ١٨٨ يَتطابق مع ١٨٨ مدينة بَناها إدريس؛ بحذف المكرّر يَنتج «مَداو كُلّي» ١١١ = عدد القطب؛ ٧٢ لُغة عَلَّمها قَومه = ضعف ٣٦ المُتعلّق بِالوفق السداسي. ينقل أيضًا حديثًا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: «إنه كان أوّل من خَطّ بالقلم، وعلَّم الناس الكتابة، كما عَلَّمهم الخياطة».
ثالثًا، يَنقل من الباب ١٥ من الفتوحات ترتيب الأقطاب السبعة لِلسماوات السبع، فيُوضح: قطب السماء الرابعة الشمسية هو إدريس. قطب فلك عطارد (الذي يُسمّيه الإغريق هرمس) هو عيسى عليه السلام لا إدريس. وهذا يَحلّ اللُّغز الذي طَرحه غينون: في الإسلام، إدريس مَوقعه شمسيّ خالص، أمّا العلوم الهرمسية البرزخية (الكيمياء، علم النفس) فمنسوبة لِعيسى.
رابعًا، يَستحضر شَهادة ابن عربي نفسه في «لواقح الأسرار» نقلًا عن ابن سُودكين: «عَملتُ على كَشف الحقيقة الإدريسية… فأقمت في الخَلوة سِتّة وثلاثين يومًا. فعَلمتُ الأمر منه على ما هو عليه. وحَصَلتْ لي من الصُّحف التي سَلِمت من صَحائف داود اثنتي عشرة صَحيفة». فابن عربي يَتلقّى مِن إدريس مباشرةً، بطريق الفتح الرّباني، فِقرات من صُحفه التي ضاعت في الأرض.
ومن أعمق ما يَفعله الشيخ مفتاح ربطُه إدريس بـأوّل النبوّات الكونية: إدريس هو ثاني نبيّ بَعد آدم (يَتقدّمه شيث بن آدم، الذي لم يُذكر اسمه في القرآن، لكنّه عند ابن عربي = أڨاثودايمون = ثعبان البركة عند المصريين). فبنية النَبوّة الأولى عند ابن عربي تَتطابق مع بنية «شيث-أخنوخ» في القَبَلا العبرية وبنية «أڨاثودايمون-هرمس» في التراث الإغريقي-المصري. ثلاث تَراثات، شخصيتان واحدتان.
صلات
- الكتاب المؤسِّس: ملل ومذاهب تراثية ودورات كونية (القسم الرّابع: التراث الهرمسي، خاصّةً).
- المنبع الميتافيزيقي للعلوم المنسوبة: العدد الميتافيزيقي؛ علم الحروف (الذي يَنسبه التراث الإسلامي لإدريس).
- الإطار الكوني الذي يَقوم فيه بدوره: الدورات الكونية (إدريس قطب السماء الرابعة في المنفانتارا الحاضرة).
- المعجم الأكبري المُكَمِّل: ابن عربي (الذي يُقدِّم البنية الكاملة في الفتوحات الأبواب ١٤، ١٥)؛ القطب (إدريس قطب).
- الموازي البِشري: ملكي-تصادق (نموذج مَلك-كاهن آخر، يَلتقي مع إدريس في وَظيفة حِفظ التراث).
- المُسَمَّى المُختلف في تراثات أخرى: أخنوخ (العبري)، تحوت (المصري)، هرمس (الإغريقي)، بودها (الهندوسي)، أودين/وُوتان (الجرماني)، فاتان/كتزالكواتل (المايا).
- رموز ذات صلة: الصولجان (الكادوسي)؛ الأهرامات (قبر هرمس = حافظ علمه)؛ النجم السباعي (لسماوات الأنبياء السبعة).
- التطبيق التراثي للعلوم الهرمسية: الخيمياء الروحية، علم التَنجيم، السياسة المدنية، الطبّ الروحي = «كيمياء السعادة» عند الغزالي وابن عربي.