التعريف

يعرض غينون إدريس عليه السلام بوصفه المقابل الإسلامي لهرمس وأخنوخ، وينسب إليه العلوم الهرمسية «البرزخية الوسطى». ويوسّع الشيخ مفتاح هذا البحث بإحالات إلى ابن عربي في القطبية والحكمة الإدريسية؛ ويقتضي عرضهما التمييز بين النص الديني، والمقارنة الرمزية، والنقل التاريخي.

إدريس في النص الإسلامي

يصفه القرآن بالصدّيق النبيّ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ (مريم: ٥٦–٥٧). ويذكره مع إسماعيل وذي الكفل من الصابرين والصالحين (الأنبياء: ٨٥–٨٦).

وفي حديث الإسراء يَرِد لقاء النبي ﷺ بإدريس في السماء الرابعة (صحيح مسلم، ١٦٢). أما تعيين المقام الشمسي ومعانيه في القطبية، فهو من موضوع الشرح التراثي التالي؛ وليس لفظ «الشمس» واردًا في هذا الموضع من الحديث.

الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)

[صياغة الموسوعة] المرجع المباشر هو مقالا «هيرميس» و«قبر هيرميس» من القسم الرابع في ملل ومذاهب تراثية ودورات كونية.

المقارنات بين الأسماء

يجمع غينون بين هرمس وتحوت، ويقارن اسم بودها باسم أودين، ثم يتناول فاتان ورمز الطائر والأفعى. ويصرّح بالمطابقة بين إدريس وهرمس وأخنوخ في التراث الإسلامي. هذه المقارنات متفاوتة: منها ربط شخصيات في الروايات التراثية، ومنها مناسبة في الاسم أو الكوكب أو الوظيفة. لذلك لا يكفي سردها لإثبات أن جميع الأسماء سيرة تاريخية واحدة، ولا أن وظائفها متطابقة في كل تراث.

العلوم الهرمسية والعلوم الروحانية

النسبة عند غينون واضحة في مقال «هيرميس»: علوم إدريس برزخية وسطى، ومنها الكيمياء وعلم التنجيم، بينما العلوم الروحية الخالصة تُنسب إلى عيسى عليه السلام. وتقوم العلوم الهرمسية عنده على التناسب بين العالم والكائن الإنساني، وليست هي الميتافيزيقا الخالصة نفسها.

ثم يذكر إشكالًا مختلفًا: المقام الشمسي يُنسب إلى إدريس، ومقام عطارد إلى عيسى، مع أن عطارد يقابل هرمس في التسمية الغربية. لا يقلب غينون بسبب ذلك نسبة العلوم، بل يصف المسألة بأنها معقدة ولا يدّعي الإجابة عنها تمامًا. وما يذكره لاحقًا عن وجهي الطب، الروحاني والهرمسي، تقريب لبعض جوانبها لا حل نهائي لجميع تفاصيلها.

قبر هرمس والأهرام

يقرأ غينون عبارة «قبر هرمس» من جهة حفظ العلم في هيئة الهرم ونِسَبه، لا من جهة إثبات دفن الجسد فيه. ويطرح التشابه بين «هرمس» و«هرم» في سياق هذا التأويل؛ فلا يُحوَّل سؤاله إلى اشتقاق لغوي محسوم.

ويذكر رواية عن ثلاثة هرمسات: الأول قبل الطوفان، ثم بابلي ومصري بعده. لا يقول هذا المقطع بوجود «ثلاثة إدريس»، ولا يُغني عرضه عن التحقيق التاريخي المستقل للروايات.

شواهد من غينون

“في التراث الإسلامي، يتطابق سيدنا إدريس مع كل من «هيرميس» و«أخنوخ».” (ملل ومذاهب تراثية ودورات كونية، القسم الرابع: «هيرميس»، الفقرة التي تبدأ بهذه العبارة)

“وفي الوقت نفسه، العلوم المنسوبة إلى سيدناإدريس والموضوعة تحت تصرّفه الخاص ليست العلوم الروحية الخالصة التي ترجع إلى سيدنا عيسى، أي للمسيح؛ وإنّما هي العلوم التي يُمكن أنْ تُنعت بـ«البرزخية الوسطى»، ومن بينها الكيمياء وعلم التنجيم.” (ملل ومذاهب تراثية ودورات كونية، «هيرميس»، الفقرة نفسها؛ يليها بحث نسبة عطارد والشمس)

“علم إدريس مختبئ حقاً في الهرم، فهو متضمّن في بنيته ذاتها، وفي هيئته الخارجية والداخلية وفي نِسَب أبعاده.” (ملل ومذاهب تراثية ودورات كونية، «قبر هيرميس»، في تفسير حفظ العلم في الهرم)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

[صياغة الموسوعة] يُرجع إلى تعقيب الشيخ المعنون «هرمس الهرامسة إمام الحكماء هو النبي إدريس مداوي الكلوم»، بعد مقال «قبر هيرميس». وفيه ثلاثة مسارات ينبغي فصلها:

  • شرح الاسم والوظيفة: يقرأ الشيخ «مداوي الكلوم»، الوارد في الباب ١٤ من الفتوحات، بوصفه إشارة إلى إدريس وإلى علوم المداواة والحكمة. هذه قراءة الشيخ للاسم وللنص الأكبري، وليست تسمية قرآنية.
  • المناسبات العددية: يربط «مداو كلّي»، بعد حذف المكرر، بالعدد ١١١ وبعدد «قطب»، ويبحث الوفق السداسي الذي مجموع أعداده من ١ إلى ٣٦ هو ٦٦٦. تُعرض هذه المناسبات بوصفها تأويلًا بالحروف والأعداد؛ ولا تثبت بمفردها الأخبار التاريخية التي يوردها التعقيب، مثل عدد المدن أو اللغات المنسوبة إلى إدريس.
  • النقل عن ابن عربي: يستحضر الشيخ نصوصًا من الفتوحات و«الإسفار عن نتائج الأسفار»، وينقل بواسطة ابن سودكين في «لواقح الأسرار ولوائح الأنوار» خبر الخلوة المتعلقة بالحقيقة الإدريسية. يذكر هذا الخبر صحائف داود؛ فلا يصح تبديلها في التلخيص إلى «صحف إدريس».

تفيد هذه التعقيبات في تعيين مصادر القراءة الأكبرية وإتاحة الرجوع إليها. لكنها لا تلغي التمييز الذي أقامه غينون بين نسبة العلوم ونسبة المقامات الكوكبية، ولا تجعل كل خبر منقول في التعقيب حديثًا نبويًا محققًا.

صلات