في جملة واحدة

القياس عند غينون ليس أصلا كميا محضا؛ هو صورة من التقدير الذي يعيّن الإمكانات ويخرجها إلى الظهور. أما تحوّله إلى رقم ومقدار، فخاص بالعالم الجسماني حيث يغلب الكمّ.

الشرح الميتافيزيقي

في الفصول الثالثة إلى الخامسة من هيمنة الكمّ يضع غينون جسرا ضروريا بين الكمّ والكيف وبين نقد العلم الحديث. فالخطأ الحديث ليس أنه يقيس، بل أنه يظن أن القياس هو عين المعرفة وأن كل ما لا يقاس لا حقيقة له.

يميز غينون بين مستويين:

الأول هو القياس بالمعنى الحرفي: قياس الامتداد والمقادير المتصلة داخل المكان. هنا يكون القياس تابعا للشروط الجسمانية، ولذلك يقبل التعبير العددي مع قصور ملازم، لأن العدد منقطع بينما الامتداد متصل.

الثاني هو القياس بالمعنى التناظري: التقدير أو التعيين الذي به تظهر الإمكانات. بهذا المعنى لا يكون القياس فعلا حسابيا فقط، بل هو رمز لإخراج الشيء من الإبهام إلى النظام. ومن هنا يتصل القياس بفكرة rita، أي النظام الكوني الموافق للمبدأ، وبفكرة النور الذي يبرز الأشياء من الظلمة.

قراءة الشيخ عبد الباقي مفتاح تجعل هذا الفصل إسلاميا لا هندوسيا فقط. فالتقدير عنده هو انتقال الممكنات من الثبوت العلمي إلى الوجود العيني، وهو معنى قرآني واضح في قوله تعالى: وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ. لذلك لا ينبغي قراءة “قياس وتجلّ” كفصل عن الرياضيات، بل كفصل عن علاقة الإبداع الإلهي والتجلي بالتعيين والحدّ.

شواهد من غينون

“إنّ القياس بالمعنى الحرفي يتعلق أساسا بمجال الكم المتواصل” (هيمنة الكمّ، الفصل الثالث: قياس وتجلّ)

“الكمّ في الواقع ليس ما يُقاس، لكنه على العكس من ذلك هو ما تقاس به الأشياء” (هيمنة الكمّ، الفصل الثالث: قياس وتجلّ)

“فكرة القياس، إذا طُبِّقت على هذا المجال الكلي، فإنها ستكون أساسيًا ضمن هذه الرمزية الفضائية” (هيمنة الكمّ، الفصل الثالث: قياس وتجلّ)

“إنّ المكان يُحَدَّد ويُقاس بالصليب ذي الأبعاد الثلاثة” (هيمنة الكمّ، الفصل الثالث: قياس وتجلّ)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

يفسر الشيخ مفتاح عبارة “ما يمكن قياسه” بمصطلح أكبري: كل ما دخل الوجود العيني المقيّد دخل التقدير والتعيين والتخصيص. وما بقي في خزائن الغيب لا يخضع للقياس لأنه لم يدخل حدّ الظهور.

بهذا الربط، يصبح الفصل امتدادا لصفحات الهيولى والمادة الأولى والعماء والإبداع الإلهي والتجلي. فالتقدير ليس نفيا للمطلق، بل هو شرط ظهور المحدود من غير أن يحيط المحدود بمبدئه.

ولذلك يحسن ربط هذه الصفحة بكتاب المستمر والانقسام اللامحدّد: هناك كان غينون يصحح الخلط الرياضي بين اللامتناهي واللامحدّد؛ وهنا يبين أن القياس نفسه لا يصلح معيارا إلا داخل مرتبته.

مثال يقرّب المعنى

إذا رسم مهندس قبة، فهو لا “يخلق” حقيقة القبة بالمسطرة. المسطرة تعين المقادير التي تسمح للصورة أن تظهر في المادة. أما النسبة، والمركز، والاتجاه، والمعنى الرمزي للقبة، فلا تختزل في الرقم.

كذلك القياس عند غينون: الرقم أداة في مرتبة معينة، لا مبدأ الحقيقة. وحين ينسى العصر الحديث هذا الفرق، يتحول القياس من خادم للتعيين إلى حجاب عن التجلي.

صلات