في جملة واحدة

الدورات الكونية عند غينون هي بنية زمنية ذات تَدرّجات هرمية: الكَلْپا (دورة عالم كامل تَستوعب الإنسانية في كلّ مراحلها)، تَنقسم إلى ١٤ مَنفانتارا (سَبعة ماضية + سَبعة آتية، تَحت إدارة ١٤ «مانو») كلّ منفانتارا تَتضمّن ٤ يوڨا بنسب ١٧٢٨/١٢٩٦/٨٦٤/٤٣٢ سنة (= التيتراكتيس معكوسًا ٤+٣+٢+١=١٠)؛ ومدّة المنفانتارا الإجمالية ٦٤٨٠٠ سنة = خَمس «سنوات كبرى» (السنة الكبرى = ١٢٩٦٠ سنة = نصف الدورة الفلكية للاعتدالين)؛ ونحن الآن في كالي-يوڨا متقدّمة جدًّا من المنفانتارا السابعة، أيْ في نهاية الدورة الإنسانية.

الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)

تلخيصٌ لموقف غينون في القسم الأوّل من «ملل ومذاهب تراثية ودورات كونية»، بصياغة المحرّر.

يَبني غينون البنية على ثَمَاني نقاط:

  1. الزمن رمز لتسلسل علِّيّ خارج الزمن: مدد الدورات لا يَنبغي فهمها حرفيًّا في الزمن الأرضي. هي رمز لتسلسل منطقي ووجودي. ولذلك تَختلف الأرقام في النصوص المختلفة دون تَناقض حقيقي.
  2. الكَلْپا: دورة كاملة لِعالم (مرتبة وجودية). لا تُقاس بزمن أرضي. تَنقسم إلى ١٤ مَنفانتارا.
  3. المَنفانتارا: دورة إنسانية كاملة. أربعة عشر منها في كلّ كلپا: سَبع ماضية (السلسلة الأولى) + سَبع آتية (السلسلة الثانية). نَحن الآن في المَنفانتارا السابعة (آخر السلسلة الأولى). كلّ منفانتارا تَحت إدارة «مانو» (الإنسان الأوّل لتلك الدورة).
  4. الأربعة يوڨا: كلّ منفانتارا تَنقسم إلى أربع حِقَب بنسب ٤:٣:٢:١. المدّة الإجمالية لمنفانتارا = ١٠ وحدات (تيتراكتيس فيثاغوري ١+٢+٣+٤=١٠). كلّ حقبة أقصر من السابقة، لأنّ الزمن يَتسارع مع الانحدار.
  5. المدّة الكاملة: المَنفانتارا = ٦٤٨٠٠ سنة بشريّة. هذا يَستقي من معطيات كَلدانية صَريحة: حُكم «كسيسوثروس» (= المانو الحالي، فايفاسواتا) ٦٤٨٠٠ سنة، وهو بالضبط خَمس «سنوات كبرى» كَلدانية-إغريقية (السنة الكبرى ١٢٩٦٠ سنة).
  6. السنة الكبرى الفلكية: ١٢٩٦٠ سنة = نصف الدورة الفلكية الكاملة لِمَبادرة الاعتدالين (٢٥٩٢٠ سنة، تَنزاح فيها نقاط الاعتدال درجة واحدة كلّ ٧٢ سنة). فالمنفانتارا = ربع الدورة الكاملة + ربع آخر = نصف دورة الاعتدالين الكاملة. وكلّ يوڨا يَتناسب مع جزء بسيط منها.
  7. مدد اليوڨا الأربع:
    • ساتيا-يوڨا (الذهبي): ٢٥٩٢٠ سنة = سنتان كَبيرتان
    • تريتا-يوڨا (الفضي): ١٩٤٤٠ سنة = سَنة كَبيرة ونصف
    • دواپَرا-يوڨا (النحاسي): ١٢٩٦٠ سنة = سنة كَبيرة واحدة
    • كالي-يوڨا (الحديدي): ٦٤٨٠ سنة = نصف سنة كَبيرة
    • المَجموع: ٦٤٨٠٠ سنة.
  8. اللامُتَوقَّع الميتافيزيقي: نقطة بداية المَنفانتارا الحالية ومدّتها الحرفية الكاملة يَنبغي أن تَبقى مُستورة عمدًا في النصوص التراثية، لأنّ معرفة المستقبل بدقّة لا يَنبغي أن يَكون في متناول الإنسان. ولذلك يَتعمّد التراث إضافة أصفار أو ضرب أو قسمة الأرقام مع الحفاظ على النسب الصحيحة فقط.

بنية رمزية رباعية

غينون يُذكّر بأنّ التَّقسيم الرّباعي للدورة يَتكرّر في كلّ مستوى:

  • فَصول السنة: أربعة.
  • أسابيع الشهر القمري: أربعة.
  • أعمار الإنسان: أربعة.
  • الجهات الأساسية: أربعة (شمال، جنوب، شرق، غرب).
  • عناصر العالم المحسوس (بُهوت): أربعة عناصر + عنصر خامس مُتعالٍ (الأثير).

كلّ هذه التَّقسيمات تُفسِّر بعضها بعضًا. الزمن ينعكس على المكان. الدورة على الإنسان. والكوسمولوجيا والأنثروبولوجيا والجغرافيا المقدّسة كلّها بنية واحدة.

العلاقة بالأنبياء والأقطاب في المعجم الإسلامي

يَستحضر الشيخ مفتاح في ملحقاته بنية موازية في الفتوحات المكية لابن عربي:

  • ١٤ مَنفانتارا١٤ مرتبة كبرى من مراتب الوجود (تَفصّلها الفتوحات الباب ١٩٨).
  • سَبعة دويبا (أراضٍ) في الهندوسية ↔ سَبع أراضٍ في الإسلام (الفتوحات، الباب ٣٧١، وفي «الإنسان الكامل» للجيلي).
  • سَبعة أقطاب أرضية = الأبدال السبعة التابعون للأقطاب السبعة في السماوات السبع.
  • مانو الأصلي الأوّلآدم عليه السلام كأبٍ للجنس البشري.
  • القطب الأعلى الذي يَحكم كلّ الأقطاب الجزئية = القطب الخاتم = النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم.

والآيات القرآنية التي تَتطابق مع هذا التَّسلسل: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ (التوبة:٣٦) للتَّقسيم الدوري السنوي؛ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ (الحديد:٤) للتَّقسيم الكوسمولوجي للخَلق؛ ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ (الحج:٥) لِتَجدّد الحياة في كلّ دورة.

علاقة كالي-يوڨا بـ«هيمنة الكمّ»

غينون يَكتب في عام ١٩٣٧: «جميع المعطيات التراثية تُعلّمنا أنّنا في كالي-يوڨا منذ حقبة طويلة؛ ويمكننا القول دون أيّ خوف من الخطأ، أنّنا في مَرحلة متقدّمة منها». ويُحيل القارئ إلى البورانا التي تَصف خصائص هذه المرحلة بدقّة تَنطبق على عصرنا:

  • اختفاء الأحبار العارفين بالحقّ
  • هيمنة المادّيين على نشر «العلم»
  • اختلاط الطبقات الاجتماعية
  • بحث الناس عن المعرفة في الكُتب لا عن الشيوخ المربّين
  • تَقاصر الأعمار وكَثرة الأمراض
  • ازدياد الكَوارث الطبيعية
  • بروز عبادات زائفة («الروحانية المحدثة»، الأرواحية، الثيوصوفيسم)

هذه كلّها يَسردها غينون في هيمنة الكمّ. الدورات الكونية هي الإطار النَّظري الذي به نَفهم لماذا الحضارة الحديثة في الانحدار: ليست مُصادفة، ليست خطأ سياسيّا، ليست أمراضًا قابلة للعلاج في إطار الحضارة. هي اللحظة الأخيرة من دورة كونية كاملة.

شواهد من غينون

“يجب علينا أن ننظر في مصطلح «دورة»، بالمعنى الأكثر عمومية لهذا المصطلح، باعتباره يمثل سيرورة التطوّر لمرتبة مّا من مجلى الظهور.” (ملل ومذاهب تراثية ودورات كونية، القسم الأوّل)

“فإذا تم تمثيل المدة الإجمالية لـ«المنفانتارا» بـالعدد 10، فإنّ تمثيل مدة «كريتا- يوڨا» أو «ساتيا-يوڨا» - وهي الحقبة الأولى- يكون بالعدد 4، والحقبة الثانية «تريتا- يوڨا» بـالعدد 3، والحقبة الثالثة «دوابارا- يوڨا» بـالعدد 2، والحقبة الرابعة الأخيرة «كالي - يوڨا» بالعدد 1.” (ملل ومذاهب تراثية ودورات كونية، القسم الأوّل)

“وجميع المعطيات التراثية تعلمنا أننا في «كالي يوڨا» منذ حقبة طويلة؛ ويمكننا القول دون أي خوف من الخطأ، أننا في مرحلة متقدّمة منها.” (ملل ومذاهب تراثية ودورات كونية، القسم الأوّل)

“كل تطوّر دوري، أي في الجملة كل سيرورة لمجلى الظهور، يستلزم بالضرورة الابتعاد التدريجي عن المبدأ، ويشكِّل بالفعل «هبوطا»، وهو المعنى الحقيقي أيضًا «للــسقوط» في التراث «اليهودي – المسيحي».” (ملل ومذاهب تراثية ودورات كونية، القسم الأوّل)

“وجود عقيدة الدورات الزمنية في التراث الهندوسي معروفة عمومًا في الغرب. وأصبح من المعلوم الآن أنّ النظريات الدورية موجودة أيضًا في الـ«قبّاله» اليهودية وفي التصوّف الإسلامي.” (ملل ومذاهب تراثية ودورات كونية، تقديم ماريدور)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

يُحرّر الشيخ مفتاح خمسة تعقيبات على القسم الأوّل، كلّها تُؤسّس البنية المُوازية في المعجم الإسلامي:

أوّلًا، يَنقل عن الباب ٣٧١ من الفتوحات: «إنّ لله سَبع أرضين، كلّ أرض على قَدر سعة قَلب قطب من الأقطاب السبعة الذين هم على قلوب الأنبياء السبعة في السماوات السبع». فالـ«دويبا» الهندوسية الذي يَصفه غينون بمعجم هندوسي يَجد عند ابن عربي معجم نبويّ-وَلائيّ أصيلًا.

ثانيًا، يَنقل عن «الإنسان الكامل» لعبد الكريم الجيلي وَصف الطبقات السبع الأرضية، فيُريك أنّ ما يَطرحه غينون كَمعرفة كوسمولوجية مَخفية في الغرب موجود مفصّلًا في النصوص العَرَبية المتاحة في كلّ مكتبة. الطبقة الخامسة عند الجيلي «أرض الطغيان، لونها أزرق كالنيلة، يَسكنها عفاريت الجن والشياطين»، والطبقة السادسة لها أوصافها، وهكذا.

ثالثًا، يُقدّم تَطابق دقيقًا: الدورة البُرجية = ٢٥٩٢٠ سنة هي نفسها «سنة الإله» عند الإسماعيليين، وكلّ برج = ٢١٦٠ سنة (٢٥٩٢٠ ÷ ١٢) يَتطابق مع مدّة عصر نبيّ من الأنبياء الكبار في حساب بعض الصوفية. والعدد ٧٢ (الذي به تَنزاح نقاط الاعتدال درجة واحدة) هو عدد لُغات إدريس وعدد وُجوه البروج، فهو يَجمع بين الدورة الفلكية والوظيفة النبويّة.

رابعًا، يُحيل للتوسّع في مفهوم الزمان والأزل والأدوار إلى نصوص ابن عربي في الفتوحات (خصوصًا الباب ٥٩، ٧٣، ١٩٨) والباب ٤٣٧ في الزمان الفرد، وحديث «يوم الشأن».

ومن أعمق ما يَفعله الشيخ ربطُه نظرية الدورات الكونية بمعنى التَدرّج التَنزّلي عند الصوفية: «الكون عند ابن عربي في تَنزّل دائم، يَتجدّد كلّ آنٍ بنفس إلهي جديد، لكنّ كلّ نَفَس يَحمل قُرب الذاتية المبدئية في ذاته بسبب أنّه لا يَتكرّر». فحقبتُنا الراهنة وإن كانت الأخيرة في الانحدار، فهي أقرب إلى الذاتية المبدئية بمعنى ميتافيزيقي معيّن — وهذا ما يَسمح بالقول إنّ ظهور المَهدي وعيسى عليه السلام، الذي يُتمّ الدورة، هو في نفس الوقت عودة إلى الفطرة الأولى.

مثال يقرّب المعنى

تأمّل النّظام الهَرَمي للزّمن كَمنظومة دائرية متداخلة:

  1. اليوم: ٢٤ ساعة، يَنقسم إلى أربعة أرباع: فَجر، نَهار، عصر، ليل.
  2. السنة: ٣٦٥ يومًا، تَنقسم إلى أربعة فصول: ربيع، صيف، خريف، شتاء.
  3. حياة الإنسان: تَنقسم إلى أربعة أعمار: طُفولة، شباب، كَهولة، شَيخوخة.

في كلّ مستوى، الانقسام يَتبع نفس البنية الرّباعية (٤). وفي كلّ منها، يَكون الرّبع الأخير حقبةَ انحدار: الليل بَعد النَّهار، الشتاء بَعد الصيف، الشيخوخة بَعد الكَهولة.

الآن طَبِّق على البشرية: المَنفانتارا — أيْ دورة الإنسانية الكاملة على الأرض — تَتبع نفس البنية الرّباعية. أربع حُقَب متعاقبة في الانحدار:

الحقبةالاسم الهندوسيالاسم اليوناني-اللاتينيالمدّةالطابع
الأولىكريتا / ساتيا-يوڨاالعصر الذهبي١٧٢٨ × ١٥ سنةالفطرة، التوحيد الكامل، طول العمر
الثانيةتريتا-يوڨاالعصر الفضي١٢٩٦ × ١٥ سنةبداية الانحدار، انفصال أوّل
الثالثةدواپَرا-يوڨاالعصر النحاسي٨٦٤ × ١٥ سنةازدياد الفساد، اختلاط الحقائق
الرابعةكالي-يوڨاالعصر الحديدي٤٣٢ × ١٥ سنةالانحدار الأقصى، تَوقّف المعرفة، هيمنة الكمّ

نَحن في الحقبة الرابعة المتقدّمة جدًّا. كلّ ما يَصفه القرآن من علامات آخر الزمان، وكلّ ما يَصفه غينون من «هيمنة الكمّ»، يَتناسق مع هذا الموقع.

صلات