في جملة واحدة

الروح عند غينون ليست النفس الفردية ولا «روح كائن حي» وَحدها، بل مَبدأ كَوْني جامع هو «الروح الجامع للوُجود الكلّي»، يُمثَّل بحَرف الباء في علم الحروف، ويُبدع به الحقُّ كلَّ الأشياء. وهو «الواسطة» و«المحلّ» معًا، و«برزخ» بين الحقّ والخلق، يَتطابق في التصوّف الإسلامي مع «الروح المحمدية»، وفي التراث العبري مع «مططرون».

الشرح الميتافيزيقي

يَكتب غينون فصلًا بعنوان «الروح» في «التصوّف الإسلامي المقارن» (الباب التاسع، نُشر أصلًا في مَجلة «دراسات تراثية» ١٩٣٨). يَبني فيه ستّ نقاط:

  1. الباء أصل الخلق: تَبعًا لِمَعطيات علم الحروف خَلَق الله العالَم بالباء، ثاني الحروف، لا بالألف أَوّلها. الوحدة هي المبدإ الأَوّل، لكنّ الظهور يَفترض الازدواجية، وهو يَنشأ من بَيْن طَرفَي الباء. الباء «الواسطة» و«المحلّ» معًا، وفيها أصل الخلق.

  2. الروح والنور والأمر: الباء «تَرمز إلى الروح، أي الروح الجامع للوُجود الكلّي، والمتطابق جَوهريًّا مع النور؛ وهو مُبدَع مُباشرة من أمر الله». الأمرُ يَسبق الباء كما تَسبق الألفُ الباء، والألف حرف القُطبانية وشَكلها مَحور صدور الأمر.

  3. الروح برزخ بين الحقّ والخلق: «الحدّ الفاصل القائم بين الحقّ والخلق، فهو حدّ يَنفصل به عالم الخلق عن مبدئه الحقّ، وفي نفس الآن به يَتّصل». ولذلك هو البرزخ الأَمثل: كما أنّ الله هو الأَوّل والآخر بالمعنى المطلق، فالروح هو الأَوّل والآخر بالنسبة للخلق.

  4. تأنيث الروح في العربية: كلمة «الروح» في العربية مُؤنّثة، وهذا يَتّفق مع طابعها المُنفعل بالنسبة للحقّ، وإن صارت فاعلة بالنسبة للخَلق. وهذا تَطابق مع علم الأعداد حول الوحدة والتثنية، ومع علاقة المبدإ الفاعل بالمبدإ المُنفعل في كلّ تراثية.

  5. الروح وَ«مططرون»: يَكشف غينون أنّ الروح المذكور في القرآن مُتميِّزًا عن الملائكة (﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾) ليس مَلَكًا من الملائكة، بل هو «سيدنا مططرون» في القَبّاله العبرية، الذي يُعتبر مَلَكًا في الظاهر، لكنّه في الباطن «أعلى من الملائكة لأنّ مَقامه من وراء ميدان الكائنات المُنفصلة». وهذا يَتطابق مع البرزخ بمظهرَيْه المُزدوجَيْن.

  6. الروح والعرش والروح المحمدية: الروح مُستقرّ في مَركز العرش، وهو مَوقع مططرون. والعرش هو محلّ الحضور الإلهي («السكينة» في التراث العبري، التي هي قَرينة مططرون). فالروح يَتطابق بكيفيّة مّا مع العرش نَفسه (العرش المحيط)، وهو في المصطلح الإسلامي الروح المحمدية التي يَتوحّد فيها كلّ الأنبياء والرّسل، ومَظهرها الأَكمل في الدنيا خاتم النبيّين ﷺ.

شواهد من غينون

“تبعا للمعطيات التراثية لـ”علم الحروف ” خلق الله - تعالى ــ العالم بالباء ثاني الحروف, لا بالألف أوّلها؛ وبالفعل, فرغم أنّ الوحدة هي بالضرورة المبدأ الأوّل للظهور, فإنّ هذا الظهور يفترض مباشرة الازدواجية” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب التاسع: الروح)

“والباء في هذا الدور القديم الأصلي الأول, ترمز إلى “الروح”, أي الروح الجامع للوجود الكلي, والمتطابق جوهريّا مع “النور”؛ وهو مبدَع مباشرة من “أمر الله"" (التصوف الإسلامي المقارن، الباب التاسع)

“المقصود هو بالتحديد, إنْ أمكن مثل هذا التعبير, “الحد الفاصل “القائم بين الحق والخلق, فهو “حد” ينفصل به عالم الخلق عن مبدئه الحق, وفي نفس الآن به يتصل” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب التاسع)

“كما أنّ الله((تعالى)) هو “الأول والآخر” بالمعنى المطلق, فالروح هو “الأول والآخر” بالنسبة للخلق” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب التاسع)

“كلمة “الروح” في العربية, هي مؤنثة ((لكنها تذكّر أحيانا عندما يكون سياق المعنى حول طابعها الفعّال))” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب التاسع)

“بتعبير المصطلح الإسلامي ليس سوى الروح المحمدية, التي يتوحّد فيها كل الأنبياء والرّسل الربانيين؛ ومظهره الأكمل في عالم الدنيا هو خاتمهم” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب التاسع)

“هو الجامع لهم في خلاصة خاتمة هي صورة لوحدتهم المبدئية في العالم الأعلى (حيث هو أوّل خلق الله , فالأخير في مستوى الظهور هو تماثليّا الأول في المستوى المبدئي)” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب التاسع)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

يُضيف الشيخ مفتاح هنا حاشية في غاية الأَهمّية بحساب الجمل: «من بين المظاهر العددية للتطابقات المذكورة أخيرًا هو أنّ عدد اسم مططرون بحساب الجمل: ٣١٤، وهو نفس عدد اسم محمد بتفصيل حروفه (ميم حا ميم ميم دال)، وعدد كلمة (الإنسان الكامل)، وهو نفس عدد مجموع الرسل، كما هو عدد الصحابة من أهل بدر». هذه الإضافة الرَّقمية تَكشف أنّ التَطابق الذي يَصفه غينون نظَريًّا بَيْن الروح المحمدية ومططرون مُدعَّم في علم الجُمَل بأَدلّة عددية. ليست مُجرّد فكرة فلسفية، بل بِنية مَيتافيزيقيّة قابلة للقياس.

والآية القرآنية المرجع الكبرى هنا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (الإسراء:٨٥). الجواب يَضع الروح في مَوضع «الأَمر»، أي ما يَسبق الباء ولا يَخضع لقياس الحروف الباقية. ولذلك أَعرض النبيّ ﷺ عن التفصيل، لأنّ الروح من جنس آخر غير جنس المخلوقات المُنفصلة. وهذا بالضبط ما يَصفه غينون: «أعلى من الملائكة، لأنّ مَقامه من وراء ميدان الكائنات المُنفصلة».

والآية الأخرى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ (النبأ:٣٨)، ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ (القدر:٤). تَمييز الروح عن الملائكة في كلّ سياق قرآني هو ما يَستند إليه غينون. والشيخ مفتاح يَنقل عن ابن عربي قَوله إنّ الروح المنفوخ في آدم (﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾ السجدة:٩) هو هذا الروح الكلّي، لا روح فردية مُنفصلة.

ومن أَعمق نِكَت غينون: «هذا أَوّل خَلق الله، فالأَخير في مستوى الظهور هو تَماثليًّا الأَوّل في المستوى المبدئي». هذا هو سرّ خَتم النبوّة بمحمد ﷺ: لِأَنّه الأَوّل وُجودًا (الحقيقة المحمدية)، فهو الأَخير ظُهورًا (خاتم النبيّين). والحديث القُدسي: «أنا أَحمد بلا ميم»، يَلتقي مع هذا.

مثال يقرّب المعنى

تَأمّل ما الفَرق بين أَربعة استعمالات للكلمة «روح»:

  1. روح الإنسان الفَردية: ما يَحْيَا به الكائن البَشري كَفَرد. تَخرج عند الموت، وتَكون أَمانة بَيْن يَدَيْه. هذا المعنى الجُزئي هو ما تَكلَّم عنه القرآن في حقّ المؤمنين: ﴿إِنَّ نَفْسَ الْمُؤْمِنِ تَخْرُجُ سَيَلَانًا﴾ في الحديث.

  2. روح الكون (الرُّوح الكلّيّ): ما يُحْيِي مَجموع المخلوقات، ما تَتدبَّر به النفوس الجُزئية. هذا أَوسع، وهو ما يُسمّى في الفلسفة «العَقل الكلّي»، وفي القَبّاله «مططرون». غينون يَتَوَقَّف هنا تَفصيلًا.

  3. روح الأَمر (الباء): الواسطة بَيْن «كُن» الإلهية وبَيْن ظهور المخلوقات. لا تَدخل في عَدد المخلوقات، لكنّها ليست المبدإ نَفسه. هي «بسم الله الرحمن الرحيم» في فاتحة الكتاب: الباء التي يُبدأ بها كلّ شيء.

  4. الروح المحمدية: المظهر التامّ لكلّ ما سَبق. هي أَوّل المُبدَعات ظهورًا، وأَخر تَجلّياتها هي خاتم النبيّين ﷺ. وحَدّها كما يَقول النبيّ ﷺ: «كنتُ نَبيًّا وآدم بَيْن الماء والطين»، وكما في الحديث القُدسي: «لَوْلاكَ ما خَلَقتُ الأَفلاك».

والذي يَلتبس عليه الفرق بَيْن هذه الأَربعة يَقع في خَلط مُهلِك: يَخلط الروح الكلّي بالنفس الجُزئية (وهذا خَطأ الفَلاسفة الحديثين الذين رَدّوا الروح إلى نَفسٍ تَزول)، أو يَخلط الباء بالألف (وهذا خَطأ من يُؤَلِّه المخلوق)، أو يَخلط الروح المحمدية بمحمدٍ البَشَري (وهذا خَطأ بعض الغُلاة).

والصواب: محمد ﷺ بَشَر مَحض في ظاهره، لكنّه في باطنه مَظهر الحقيقة المحمدية التي هي الروح الكلّي، وأَدبٌ مع الله أن لا تَفصِل بَيْن الظاهر والباطن، ولا تَخلِط بَينهما.

صلات

  • الكتاب المؤسِّس: التصوف الإسلامي المقارن (الباب التاسع: الروح).
  • مَرجع تَكميلي: بحوث عرفانية (الفصل الثالث: «الروح والعقل المستبصر»، ١٩٤٧).
  • المفاهيم المُترابطة: علم الحروف (الذي يَنبني عليه الباب)؛ التوحيد (الذي يَفصل الروح عن المبدإ)؛ الإنسان الكامل (المظهر الكامل للروح)؛ الأمر الإلهي (﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾)؛ البرزخ (الذي به وَصف الروح بَيْن الحقّ والخلق).
  • رموز مَرتبطة: العرش (مَوضع الروح)؛ القَلَم (الذي بَدأ بـ«كَتَب»)؛ الباء (حَرف الإيجاد)؛ الحقيقة المحمدية (المُسمَّى الأَعلى للروح).
  • الموازي الأكبري: الباب ٧ من الفتوحات في الروح (مَنزل الإيجاد بالباء)؛ فصّ آدم في فصوص الحكم (الإنسان الكامل والروح)؛ كتاب «إنشاء الدوائر» (دائرة الروح في الإيجاد).
  • الشُّرّاح الأكبريون لمقام الروح: ابن عربي؛ عبد الكريم الجيلي (القلم الأعلى والعقل الأول)؛ الأمير عبد القادر (عَدّد أسماء الروح الأوّل الجامع في «الموقف ٢٤٨» من «المواقف»).
  • الموازي المقارن: «مططرون» في القَبّاله العبرية؛ «اللوغوس» في النيوبلاتونية؛ «بُروشا» في الفيدانتا؛ «العقل الأَوّل» عند الفلاسفة المسلمين (مع تَحفّظ).
  • المرجع القرآني: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (الإسراء:٨٥)؛ ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾ (السجدة:٩)؛ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ (النبأ:٣٨)؛ ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم﴾ (القدر:٤).
  • المرجع الحديثي: «من رآني فقد رَأى الحقّ» (في الحقيقة المحمدية)؛ «كنت نبيًّا وآدم بَيْن الماء والطين».