في جملة واحدة

معرفة النفس عند غينون ليست علما نفسيا ولا قاعدة أخلاقية، بل طريق باطني إلى مركز الكائن؛ فمن عرف نفسه في جوهرها العميق عرف ربه، لأن الكائن يجد في مركزه نسبة العالم الصغير إلى العالم الكبير.

الشرح الميتافيزيقي

فصل “اعرف نفسك بنفسك” فريد في corpus غينون لأنه كتبه بالعربية مباشرة لمجلة “المعرفة” في القاهرة سنة 1931. أهميته ليست في اللغة فقط، بل في أنه يرد الحكمة الدلفية إلى ما قبل الفلسفة، ثم يختمها بالحديث المشهور: “من عرف نفسه عرف ربه”.

يبدأ غينون بتصحيح نسبة العبارة. ليست ملكا لسقراط أو أفلاطون أو فيثاغورس، بل صيغة من أصل أقدم وأعلى من الفلسفة. الفلسفة عنده حب الحكمة وتهيؤ لها، لا الحكمة نفسها. لذلك لا يكفي التعليم الظاهري ولا العقل الجدلي؛ لا بد من تربية باطنية تنتقل بالإنسان من العقل إلى القلب، ومن العلم الخارجي إلى التحقق.

وهنا تتصل الصفحة بالعرفان الخالص والتحقق الميتافيزيقي والأومفالوس والكعبة المشرفة. فالأومفالوس في دلفي والحجر الأسود في الكعبة يشيران إلى المركز، لا بوصفه موضعا جغرافيا فقط، بل صورة لمركز الكائن الذي منه تُدرك الوحدة.

شواهد من غينون

“والحق, أنّ الأصل الأول للعبارة المذكورة, يصعد لتاريخ أقدم بكثير من هؤلاء الفلاسفة الثلاثة.” (بحوث عرفانية، الفصل السادس: اعرف نفسك بنفسك)

“هذه الحكمة هي من طراز أعلى من كل فلسفة.” (بحوث عرفانية، الفصل السادس)

“كل ما يتعلمه الإنسان موجود سبقا في قرارة نفسه” (بحوث عرفانية، الفصل السادس)

“أيّ تعليم ظاهري لا يستطيع أنْ يوفّر المعرفة الحقيقية” (بحوث عرفانية، الفصل السادس)

“فعندما يعرف الإنسان نفسه في الجوهر العميق لحقيقة ذاته, أي في مركز ذاته, عندئذ يعرف ربّه” (بحوث عرفانية، الفصل السادس)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

أهمية هذا الفصل عند الشيخ مفتاح أنه لا يترجمه، بل ينقله كما كتبه غينون بالعربية. لذلك يصير الفصل شاهدا نادرا على انتقال غينون من الصياغة الأوروبية إلى التعبير العربي الإسلامي.

والشيخ يلتقط خاتمة الحديث بوصفها مفتاحا لا زينة: الحكمة اليونانية إذا بقيت في دلفي وسقراط وفلسفة الأخلاق تبقى ناقصة؛ أما إذا خُتمت بحديث “من عرف نفسه عرف ربه” فإنها تعود إلى المبدأ. وهذا لا يعني رد اليونان إلى الإسلام تاريخيا، بل بيان أن الحقيقة التي لمحتها المدارس العتيقة تبلغ في الصياغة الإسلامية أوضح تعبير.

مثال يقرّب المعنى

من يدرس خريطة مدينة لا يصير في مركزها. والخريطة نافعة إذا دلته على الطريق، لكنها لا تقوم مقام الوصول. كذلك التعليم الظاهري والفلسفة: يهيئان ويشيران، أما معرفة النفس فهي دخول إلى المركز نفسه. عند المركز لا يعرف الإنسان “معلومات عن نفسه” فقط، بل يعرف نسبة ذاته إلى المبدأ.

صلات