في جملة واحدة
الأومفالوس («السرّة» باليونانية) والحجارة المقدّسة (البيتيلات) هي عند غينون علامات مادّية على مركز العالم: حجرٌ مخصوصٌ يُشير إلى موضعٍ مقدّس، حيث تَنزل السماء على الأرض. ليست أصنامًا تُعبد؛ هي آثار للمركز.
الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)
تلخيصٌ لموقف غينون في «مليك العالم» (الأبواب ٩-١١) و«الرموز الأساسية للعلم المقدّس».
يَبني غينون الرمز على ثلاث نقاط:
- المادّة تَحفظ أثر المبدأ: المبدأ الروحي حين يَتجلّى في موضعٍ، يَترك فيه أثرًا. والحجر أقرب المواد الجسمانية إلى حفظ الأثر (ثباته، بقاؤه، صلابته). ولذلك تَكون الأحجار المركزية أوعيةً لِحفظ الحضور المبدئي.
- السرّة رمز المركز: «الأومفالوس» في اليونانية سُرّة. والسُّرّة في الجسم موضع الاتّصال بين الأمّ والجنين. تَستخدم التراثيات هذا الرمز لمركز الأرض: هو موضع الاتّصال بين الأرض والسماء، كما السُّرّة بين الجنين والأمّ.
- كلّ حضارة لها حجرها المركزي: يُلاحظ غينون أنّ كلّ حضارةٍ تراثيّةٍ لها «حجر مركزي» تَعترف به رمزيًّا:
| الحضارة | الحجر |
|---|---|
| الإسلام | الحجر الأسود بالكعبة |
| اليهودية | حجر يعقوب في بيت إيل، حجر كعبة الصخرة |
| اليونان | أومفالوس دلفي |
| المسيحية الوسيطة | حجر الأساس لهيكل سليمان، حجارة الكاتدرائيات الأساسية |
| التراث الكلتي | حجر لِيا فال، حجر التتويج الملكي الاسكتلندي |
هذا التَعدّد ليس اختلافًا في الحقائق؛ هو اختلاف في صور نفس الحقيقة. كلّ حضارة تَحمل مركزها الخاصّ، وكلّ مركز عليه علامة من هذه العلامات.
الحجر الأسود: المثال الأكمل
يُعتبر الحجر الأسود عند غينون (مع أنّه لا يَذكره صراحةً كثيرًا) النموذج الأكمل للأومفالوس في التراث الإبراهيمي الأخير. وذلك لِعدّة أسباب:
- موضعه: في ركن الكعبة (المكعّب المركزي).
- أصله: «نزل من الجنّة»، أي من الأعلى.
- وظيفته: يُقَبَّل، لا يُعبد.
- رمزه: البياض الذي «سوّدته خطايا بني آدم»، وهذا بنفسه رمزٌ دوريٌّ: مع انحدار الدورة، تَتراكم الخطايا، ويَسْوَدّ الحجر. في آخر الدورة، يَصل إلى نهاية السواد.
شواهد من غينون
“والحال أن «الحجارة السوداء » في تراثيات شتىّ الشعوب تلعب دورا هاما” (مليك العالم، الباب الأول: أفكار في الغرب حول «أڤارتتها»)
“وتوجد أيضا في التراثيات العتيقة، رموز أخرى تمثل «مركز العالم»؛ وربما يكون من أبرزها الـ«أومفالوس»، الذي نجده كذلك عند جميع الشعوب تقريبا.” (مليك العالم، الباب التاسع: الأومفالوس والحجارة المقدسة)
“والتمثيل المادي للـ«أومفالوس» يتجسد عموما في حجر مقدس، وهو المسمى في كثير من الأحيان بـ«بيتيل»؛ ويبدو أن هذه اللفظة الأخيرة ليست سوى الكلمة العبرية «بيت ــ إل» أي «بيت الله».” (مليك العالم، الباب التاسع: الأومفالوس والحجارة المقدسة)
“وعندما يكون الكلام عن «تقديس الأحجار» الذي كانت تشترك فيه الكثير من الشعوب القديمة، لابد من الفهم جيدا بأن هذا التقديس لم يقصد به الحجارة نفسها، وإنما المقصود الألوهية التي كانت تلك الحجارة مظهرا رمزيا لحضورها.” (مليك العالم، الباب التاسع: الأومفالوس والحجارة المقدسة)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
في مقدّماته وتعقيباته، يُلاحظ الشيخ أنّ فَهم غينون للحجر الأسود والأومفالوس والبيتيل على أنّها «علامات مركزية» يُطابق تمامًا ما يَذكره ابن عربي في الفتوحات عن **الكعبة كقلب العالم** وعن **الحجر الأسود كيمين الله في الأرض**. وفي حديث النبيّ ﷺ: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض، يُصافح به عباده»، إقرارٌ بأنّ الحجر حامل علامة إلهية، لا جمادٌ مستقلّ. ومن هنا يَصير تحليل غينون تمرينًا ميتافيزيقيًّا يَحمل المسلمَ إلى ما يَعرفه من تراثه في الحديث والعرفان.
مثال يقرّب المعنى
في تراث الإسلام، يَعرف المسلم الحجر الأسود في ركن الكعبة:
- ليس إلهًا يُعبد.
- ليس حجرًا عاديًّا.
- هو علامة على مقامٍ مقدّس، يُقَبِّله الحاجّ اقتداءً بسنّة النبيّ ﷺ.
- وفي الحديث: «نزل الحجر الأسود من الجنّة وهو أشدّ بياضًا من اللبن، فَسَوَّدَته خطايا بني آدم».
وهذه النزعة نفسها عند التراثات الأخرى:
- الأومفالوس في دلفي (اليونان): حجر مركزي يَعتبره الإغريق «سُرّة الأرض»، حيث اجتمع نسرا زيوس من أقصى الشرق وأقصى الغرب.
- البيتيل في بيت إيل (التوراة): الحجر الذي وَضع يعقوبُ رأسَه عليه حين رأى رؤيا السلّم، وسَمّى الموضع «بيت الله» (بيت-إيل).
- حجر كعبة الصخرة (القدس): الحجر الذي عَرج منه النبيّ ﷺ في الإسراء.
- حجر لِيا فال (أيرلندا): حجر التتويج الملكي.
في كلّ هذه، نفس البنية: حجرٌ يُشير إلى الموضع الذي تَلتقي فيه السماء والأرض. وليست هذه الأحجار مجرّد «صُدف»؛ هي آثار معرفة تراثية عالمية بأنّ للأرض مراكز، وأنّ هذه المراكز لها علاماتٌ مادّيّة.
صلات
- الموضع الذي هو علامة عليه: المركز الروحي؛ أڤارتتها.
- الوظيفة المرتبطة: القطب (الحجر يُثبت القطب على الأرض).
- الرموز المركزية الأخرى: شجرة الوسط (النبات المركزي)؛ الڤرال (الكأس المركزية).
- الحامل التاريخي: ملكي-تصادق في موضع شاليم.
- المطابق الإسلامي: الحجر الأسود، مقام إبراهيم، الكعبة، حجر كعبة الصخرة.
- المطابق الأكبري: «يمين الله في الأرض» (حديث)؛ الكعبة «قلب العالم» (ابن عربي).
- الكتاب المرجع: مليك العالم (الأبواب ٩-١١).