في جملة واحدة
أفلاطون (نحو ٤٢٧–٣٤٧ ق.م) هو أعظم أعلام الميتافيزيقا اليونانية، ويَقرأه غينون لا بوصفه «فيلسوفًا» بالمعنى المدرسي الحديث، بل حلقةً في سلسلةٍ عرفانية تَصِله بـفيثاغورس وسقراط ومدارس الأسرار؛ والشيخ مفتاح يَلتقط هذا الموقع فيَصِل «عالم المُثُل» الأفلاطوني بـالأعيان الثابتة في علم الله الأزلي.
التعريف والترجمة
سيرةٌ موجزة جُمعت من مصادر تعريفية عامّة (انظر «مصادر السيرة» في آخر القسم)، مع ما ورد في تعليقات الشيخ مفتاح وفي متن غينون نفسه.
هو أفلاطون الأثيني، وُلد نحو سنة ٤٢٧ ق.م بأثينا من أسرةٍ عريقة، ولازم سقراط حتى محاكمته وإعدامه، ثم أسّس «الأكاديمية» التي صارت أوّل مدرسةٍ فلسفية منظَّمة في الغرب، وتوفّي نحو سنة ٣٤٧ ق.م. وأشهر محاوراته في هذه الموسوعة «الجمهورية» (في العدل والمدينة الفاضلة) و**«طيماوس»** (في نشأة الكون والديميورج).
والذي يَعني غينون في أفلاطون ليس «الفلسفة» بمعناها اللاحق، بل كونه ناقلًا لِتعليمٍ تراثيٍّ أقدم منه: تعليمٍ يَرجع إلى فيثاغورس ومدارس الأسرار، ويَتّصل من بعده بالأفلاطونية المُحدَثة بالإسكندرية. ولهذا يَصعب — كما يُنبّه غينون — فصلُ ما قاله أفلاطون عمّا تَلقّاه عن أستاذه ومنبعه:
الموضع في الموسوعة
يَدخل أفلاطون الموسوعة من بابين: من متن غينون حيث يُستشهَد به في الديميورج، والمُثُل، ورمزية «النبتة السماوية»، و«أسطورة عِير» في خاتمة «الجمهورية»؛ ومن طبقة الشرح حيث يَستعمله الشيخ مفتاح جسرًا بين الميتافيزيقا اليونانية والعرفان الإسلامي:
- في الأعيان الثابتة: يُقابِل الشيخ «عالم الأفكار» الأفلاطوني بوجود الأشياء في العلم الإلهي الأزلي.
- في الفطرة الأصلية: مذهب أفلاطون في أنّ المعرفة تَذكُّرٌ لِما هو كامنٌ في النفس.
- في رمزية الشجرة: قول أفلاطون إنّ «الإنسان نبتة سماوية» مقلوبة الجذور نحو السماء.
- في العدد الميتافيزيقي: اتّصال أفلاطون بالأصل الفيثاغوري في العدد والانسجام.
نصوص الشيخ عبد الباقي مفتاح
“أيْ أنّ «عالم الأفكار» عند أفلاطون يتناسب أو يتطابق مع ما يُسمّى في العرفان الإسلامي: «الأعيان الثابتة» أي وجود الأشياء كلها في العلم الإلهي الأزلي مع كونها معدومة بالنسبة لأنفسها، وهي التي تتوجّه عليها كلمة الإيجاد الإلهي: «كن» فتكون.” — (رموز العلم المقدّس، تعقيب المترجم)
“أفلاطون بالخصوص توسّع في هذا الاعتبار في كتابه «الجمهورية»… وللشيخ الأكبر محي الدين بن العربي كتاب بديع في تفصيل هذه المعاني عنوانه «التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية».” — (رموز العلم المقدّس، تعقيب المعرّب)
شواهد من غينون
“وفي هذا المعنى يقول «أفلاطون»: «الإنسان هو نبتة سماوية»، وهذا يعني أنه كالشجرة المقلوبة: جذورها متجهة نحو السماء وفروعها في التحت نحو الأرض.” — (رموز العلم المقدّس)
“فمعنى كلمة «الديميورج» يختلف بين مذهب وآخر، وهو عند «أفلاطون» وأتباعه: «الإله من حيث أنه الخالق مبدع الكون».” — (بحوث عرفانية)
“ولذلك قال أفلاطون: «كل ما يتعلمه الإنسان موجود سبقا في قرارة نفسه».” — (التصوف الإسلامي المقارن)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
موقع أفلاطون في هذه الموسوعة هو موقع الشاهد الغربي على وَحدة المُسمَّى. فإنّ غينون يَردّ على من يَحصر أفلاطون في خانة «الفلسفة اليونانية»، ويُذكّر بأنّ مذهبه في «المُثُل» ليس رأيًا نظريًا، بل تعبيرٌ يونانيٌّ عن بِنيةٍ ميتافيزيقية واحدة تَتناولها التراثيات كلٌّ بلسانه.
وهنا يَتدخّل الشيخ مفتاح بأدقّ ما في تعقيباته: فحين يَذكر غينون «عالم الأفكار»، لا يَترك الشيخ المصطلح اليونانيّ معلّقًا، بل يُقابِله صراحةً بـ«الأعيان الثابتة»؛ أي وجود الأشياء في العلم الإلهي الأزلي قبل إيجادها بكلمة «كن». وبهذه المقابلة الواحدة يَنتقل أفلاطون من ضفّة «تاريخ الفلسفة» إلى ضفّة العرفان: فالمُثُل ليست أفكارًا في ذهن بشري، بل معقولاتٌ ثابتةٌ في العلم الأزلي، تمامًا كما تُقرَّر في مدرسة ابن عربي.
ويَمضي الشيخ في الوصل نفسه حين يُقابِل «جمهورية» أفلاطون (في إصلاح المدينة بالعدل) بكتاب ابن عربي «التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية»؛ فيَصير «المُلك» الأفلاطوني صورةً من تدبير الإنسان لِمملكته الباطنة. وكذلك مذهب «التذكُّر» الأفلاطوني (أنّ التعلّم استحضارٌ لِما هو كامن) يَلتقي عنده بمعنى الفطرة والعلم المُودَع في النفس.
مثل يقرّب المعنى
تأمّل بذرةً وشجرةً مقلوبة:
- أفلاطون يقول إنّ الإنسان «نبتةٌ سماوية»: أصلُه (جذره) في الأعلى، وفرعُه متدلٍّ إلى الأرض. فحقيقة الكائن ليست في الطين الذي يُشاهَد، بل في الأصل العلويّ الذي منه تَدلّى.
- وهذا عينه ما يَقوله العرفان الإسلامي حين يَجعل «العين الثابتة» هي الأصل، والوجود الخارجيّ ظِلًّا لها.
فحين يَقرأ الشيخ مفتاح أفلاطون، لا يَراه غريبًا عن داره؛ بل يَراه يَصف الشجرة نفسها التي وَصفها ابن عربي، وإن اختلف لسانُ البستانيَّين.
صلات
- منبعه ومدرسته: العدد الميتافيزيقي (الأصل الفيثاغوري)؛ والأفلاطونية المُحدَثة بمدرسة الإسكندرية.
- مفهومه المركزي: الأعيان الثابتة (مقابِل «عالم المُثُل»)؛ الفطرة الأصلية (مذهب التذكُّر).
- رمزه: الشجرة (الإنسان «نبتة سماوية» مقلوبة).
- الشارح المعاصر الذي يَستحضره: الشيخ عبد الباقي مفتاح (يَصِل المُثُل بالأعيان الثابتة، والجمهورية بالتدبيرات الإلهية).
- الكتب التي يُذكَر فيها: رموز العلم المقدّس؛ بحوث عرفانية؛ هيمنة الكمّ؛ التصوف الإسلامي المقارن.
مصادر السيرة: التواريخ والمعطيات العامّة عن حياة أفلاطون من مصادر تعريفية مشتركة؛ وأمّا قراءته بوصفه حلقةً في سلسلةٍ عرفانية، والمقابلات بين «المُثُل» و«الأعيان الثابتة» و«الجمهورية» و«التدبيرات الإلهية»، فمن متن غينون وتعقيبات الشيخ مفتاح في «رموز العلم المقدّس» و«التصوف الإسلامي المقارن».