ماذا يعلّمك هذا الكتاب؟

هذا الكتاب هو شاهد فريد على رحلة غينون الفكرية عبر ٤٠ سنة — من أوّل مقال نَشره عام ١٩٠٩ (حين كان طالب فلسفة شابًّا عمره ٢٣ سنة، يَكتب تحت اسم مُستعار «بالانجينيوس») إلى آخر مقال نَشره قبل وفاته بأشهر في أبريل ١٩٥٠. جَمعه روجي ماريدور بعد وفاته من مجلّات «العرفان» (La Gnose) و«برقع إيزيس» و«دراسات تراثية» وغيرها، تحت عنوان Mélanges. والشيخ مفتاح يَترجمه كآخر مَشروع كان في ذِهنه عند الإنتهاء من ترجمة الـ٢٢ كتابًا، وأَطلق عليه عنوان «بحوث عرفانية» لِكونه مَجموعًا من بحوث متنوّعة.

أبرز ما يَجعل هذا الكتاب فريدًا:

  1. الفصل السادس فريدٌ في تَاريخ غينون: مقال «اعرف نفسك بنفسك» كَتبه غينون مباشرةً بالعربية ونَشره لمجلّة «المعرفة» المصرية في مايو ١٩٣١، بعد عامٍ من استقراره في القاهرة (مارس ١٩٣٠) واتّصاله الرسمي بالطريقة الصوفية الشاذلية. هذا هو النصّ الوحيد الذي كَتبه غينون بِنفسه بالعربية، وفيه يَختم تأملاته في الحكمة اليونانية بحديثٍ نَبَوي شريف: «مَن عَرف نفسه عَرف ربّه».
  2. التَطوّر بدون تَناقض: من المُلفت أنّ الفصل الأوّل (الديميورغ، ١٩٠٩) كَتبه غينون قبل اتّصاله الرسمي بالتصوّف، وفيه شَيءٌ من غُموض البِدايات؛ لكنّ مَوقفه الميتافيزيقي الجوهري ظَلّ ثابتًا. وكما يَقول ماريدور في تقديمه: «من المحتمل أنه كان سيُقدّم الفصل الأوّل بطريقة أخرى في بعض النقاط، ولكن دون تغيير معناه العميق، لأنّ وجهة نظره الميتافيزيقية ظلّت دائمًا كما هي».
  3. تأطير الأعيان الثابتة عند ابن عربي: فصل «الأعيان الثابتة في العلم الإلهي الأزلي» (١٩٤٧) يَفتح للقارئ المسلم نافذةً نادرة — غينون يَستحضر اصطلاحًا أكبريًّا غير مَعروف في الغرب، يَطرحه عبر شانكاراشاريا الهندوسي، لكنّ المصدر الإسلامي واضح. ولذلك خَصَّصنا له صَفحة الأعيان الثابتة.
  4. نَقد العلم الحديث في ٤٠ سنة: نَقد غينون للعلم العمومي الدنيوي يَتكرّر في عدّة فصول هنا (الفصل ١٣ «العلم التجريبي عند القدماء»، الفصل ١٤ «نشر المعرفة والعقلية الحديثة»، الفصل ١٥ «خرافة القيمة»، الفصل ٢٠ «العلم العمومي في مواجهة المذاهب التراثية»). والمُلفت أنّه يَتطوّر من نَقد ١٩٢٠ إلى نَقد ١٩٥٠ دون تَنازل: الفصل العشرون نَفس نَبرة الأوّل، بعد أربعين سنة.

التعريف

«بحوث عرفانية» (الفرنسية Mélanges) كتابٌ يَجمع ٢٠ مقالة لغينون، صَدر بعد وفاته عن دار غاليمار، رَتّبه روجي ماريدور في ثلاثة أقسام. ترجمه الشيخ مفتاح كآخر مَشاريعه، ليُكمل ٢٢ كتابًا هي مَجموع أعمال غينون المترجمة إلى العربية. عنوان «بحوث عرفانية» اختيار الشيخ مفتاح للعنوان الفرنسي Mélanges (= خَلطات، مَجموعة متنوّعة).

في تقديمه، يَكتب ماريدور: «من الفصل الأوّل من الجزء الأوّل: الخالق (الديميورغ)، والذي نَعتقد أنه أوّل نَصٍّ نَشره [غينون] في عام ١٩٠٩ في سنّ ٢٣ من عُمره، إلى فصل: العلم الظاهري العمومي في مواجهة المذاهب التراثية (أبريل-مايو ١٩٥٠)، لقد مَرّ أكثر من ٤٠ عامًا. وخلال هذه العقود لا يُمكن القول إنّ مواقف غينون الفكرية قد تَغيّرت كثيرًا، وخاصة فيما يَتّصل بانتقاداته للعالم الحديث».

بنية الكتاب — ٢٠ فصلًا في ٣ أقسام

القسم الأوّل: الميتافيزيقا وعلم الكونيات (٧ فصول)

#الفصلالسنةالمجلّة
١الديميورج١٩٠٩La Gnose
٢التوحيد والتعريف بالملائكة١٩٤٦Études Traditionnelles
٣الروح والعقل المستبصر١٩٤٧Études Traditionnelles
٤الأعيان الثابتة في العلم الإلهي الأزلي١٩٤٧Études Traditionnelles
٥الصمت والعزلة١٩٤٧Études Traditionnelles
٦اعرف نفسك بنفسك (مكتوبٌ مباشرةً بالعربية)١٩٣١مجلّة «المعرفة»، القاهرة
٧ملاحظات على نشأة الأعداد١٩١٠La Gnose

القسم الثاني: العلوم والفنون التراثية (٥ فصول)

#الفصلالسنةالمجلّة
٨التربية الروحية والحِرَف١٩٣٤Voile d’Isis
٩ملاحظات حول التدوين في الرياضيات١٩١٠La Gnose
١٠الفنون ومفهومها التراثيÉtudes Traditionnelles
١١شروط الوجود الجسمي (غير مكتمل)١٩١٢La Gnose (آخر عددَين)
١٢النظرية الهندوسية للعناصر الخمسة

القسم الثالث: حول بعض الأخطاء الحديثة (٨ فصول)

#الفصلالسنةالمجلّة
١٣حول ما يُسمَّى بالعلم «التجريبي» عند القدماء
١٤نَشر المعرفة والعقلية الحديثة
١٥الخُرافة المتعلّقة بـ«القيمة»
١٦الوعي بالنِّسَب
١٧أصول المورمونية
١٨الغنوص ومدارس الرَّوحنة١٩٠٩La Gnose (أوّل المقالات النقدية)
١٩حول بعثة في آسيا الوسطى
٢٠العلم العمومي الدنيوي في مواجهة المذاهب التراثيةأبريل ١٩٥٠Études Traditionnelles

خريطة موضوعية

صلات بالكتب الأخرى

قراءة الموسوعة لتعليقات الشيخ عبد الباقي مفتاح

يَفعل الشيخ مفتاح في هذا الكتاب — كتابِه الحادي والعشرين والذي به أكمل مَجموع ترجمة غينون كاملًا — ثلاثة أشياء بالغة الأهمّية:

١. يُؤطِّر الفصل الأوّل (الديميورج) بِملاحظة حاسمة في تَمهيد المترجم: ينبّه الشيخ على أنّ هذا الفصل — الذي كَتبه غينون عام ١٩٠٩ في سنّ ٢٣ سنة، أيْ قبل اتّصاله بالتصوّف بأكثر من عَقد — قد يَبدو في ظاهره للقارئ غير المتعمّق متجهًا نَحو المعنى المنحرف للديميورج عند المانوية (بوصفه مبدأ شَرّ مَوازٍ للحقّ). الشيخ يُحرّر: غينون لا يَقصد ذلك. ما يَقصده بـ«الديميورغ» هو الوهم الذي يَجعل الإنسان المحجوب يَعتقد أنّ في الكون ما هو مُنفصل عن القَيوميّة الإلهية. ويَستشهد بكلام ابن عربي في الباب ٣٦٧ من الفتوحات («معراج الشيخ» مع سيدنا هارون عليه السلام في السماء الخامسة)، حيث يُحذِّر ابن عربي من الفناء العَرَفاني الذي يَنفي وجود الكون بالكلّيّة، فإنّ ذلك نَقصٌ في العلم بحقيقة الأمر: «العالم كلّه هو عينُ تَجلّي الحقّ لمن عَرف الحقّ».

٢. يُحرِّر فصل «اعرف نفسك بنفسك» بِكلّ عناية: هذا هو الفصل الوحيد في كلّ ترجمات الشيخ مفتاح الذي لا يَحتاج إلى ترجمة — كَتبه غينون مباشرةً بالعربية الفصحى لمجلّة «المعرفة» المصرية في مايو ١٩٣١، بعد عامٍ من استقراره في القاهرة. الشيخ يَنقل النصّ كما هو، ويَختم بِملاحظة على الحديث النبوي الشريف الذي يَختم به غينون: «مَن عَرف نفسه عَرف ربّه». غينون يَستعمل هذا الحديث كَخاتمة لِنقاشه في الحكمة اليونانية القديمة — كأنّه يَقول: ما طَلبه فيثاغورس وسقراط وأفلاطون عبر «اعرف نفسك» في معبد دلفي، وَجده الإسلام في حديث نبويّ واحد.

٣. يَختم كتابه — وبه يَختم مَشروع الترجمة الكبير — بِفهرسٍ يَسرد عناوين كتب الشيخ عبد الواحد يحيى (رنيه جينو) التي ترجمها عبد الباقي مفتاح من الفرنسية إلى العربية. فهذا الكتاب الختامي يَكمل المنظومة المتكاملة لترجمات غينون البالغة اثنين وعشرين كتابًا.

ومن أعمق ما يَفعله الشيخ في الفصل الأوّل: يَستحضر شِعرَ ابن عربي في الباب ٣٦٧:

فلَيس الكَمَال سوى كونه *** فمن فاتَه ليس بالكامل

فيا قائلًا بالفناء اتَّئِد *** وحَوصِل من السُّنبل الحاصل

ويَشرح: ما يَنفيه غينون من وُجود مستقلّ للكون هو التَوهّم بالاستقلال؛ لا الكون نفسه. ومن قال «فَنيتُ» بحيث يَنكر الكون، فقد نَقص في كَمال المعرفة. والكمال هو شُهود الحقّ في كلّ شيء لا شُهود الحقّ بدون شيء. هذا التَأطير الأكبري يَحفظ الشَّيخُ به قارئَه المسلم من الانزلاق إلى أيّ مَفهوم منحرف.

شواهد من الكتاب

“ومن الواضح أنّ الكامل لا يمكن أنْيصدر منه ما ليس بكامل، لأنه لو كان هذا ممكناً، لكان الكامل يتضمّن في ذاته ما ليس بكامل في وضعه المبدئي، وعندئذ لن يكون كاملاً.” (بحوث عرفانية، الفصل الأوّل: الديميورج)

“إذا سألنا دارسي الفلسفة اليونانية, عن الشخص الأوّل الذي نطق بهذه الكلمة الحكيمة, لـَما تردّد أغلبهم في الإجابة بأنّ القائل «سقراط».” (بحوث عرفانية، الفصل السادس: اعرف نفسك بنفسك — مكتوب أصلًا بالعربية)

“وفي هذا نرى أنّ أولئك الفلاسفة جـِدّ مختلفين عن الفلاسفة المحدثين, الذين يبذلون كل مجهوداتهم ليقولوا شيئا جديدا بغرض عرضه كتعبير عن فكرهم الخاص.” (بحوث عرفانية، الفصل السادس)

“فعندما يعرف الإنسان نفسه في الجوهر العميق لحقيقة ذاته, أي في مركز ذاته, عندئذ يعرف ربّه؛ وبمعرفة ربّه, يعرف في نفس الوقت جميع الأشياء التي منه تصدر وإليه ترجع.” (بحوث عرفانية، الفصل السادس)

“لا يحقّ لهذا العلم أنْ يُعدّ معرفة حقيقية، إذ حتى لو صادف أنْ قال شيئًا صحيحًا، فإنّ الطريقة التي يقدّم بها هذه الحقيقة تظلّ غير مشروعة.” (بحوث عرفانية، الفصل العشرون: العلم العمومي الدنيوي في مواجهة المذاهب التراثية)

“فمن يقدّم عقيدة تراثية، سواء أكانت ظاهريةأم باطنية، لا يملك فقط الحقّ التامّ، بل الواجب كذلك، في أن يتجنّب أدنى مساومة مع المنظور الدنيوي، أيًّا كان مجاله.” (بحوث عرفانية، الفصل العشرون)

نصوص الشيخ عبد الباقي مفتاح

“حيث أنّ هذا هو أوّل مقال نشره «كينو» وعمره 23 سنة، أي هو أوّل تجربة له في الكتابة المنشورة، فمن الطبيعي أن تكون هذه الكتابة ذات أسلوب يبدو معقدايتسم بالصرامةمع مصطلحات قد يستغربها أغلب القرّاء المثقفين ناهيك عن غيرهم.” (بحوث عرفانية، تَمهيد المترجم على الفصل الأوّل)

“فمعنى «الدميورج» عنده ليس كما يقوله المنحرفون أنه مبدأ الشرّ في العالم وخالق المادّة والتكاثر، أو أنه كائن خارج الإنسان هو أصل الشرور والشقاء والجهل، وإنما هو «الوهم» الذي يجعل الإنسان المحجوب يعتقد أنّ في الكون ما هو منفصل عن القيوميّة الإلهية وكأنه قائم بنفسه.” (بحوث عرفانية، تَمهيد المترجم على الفصل الأوّل)

ارتباطات

مراجع داخلية

الروح · الهيولى والمادة الأولى (الهباء) · المراتب الروحية (التراتب الروحي للولاية) · النفس الكلية (اللوح المحفوظ) · الكعبة المشرفة (بيت الله الحرام) · فصوص الحكم · البعث والنشأة الآخرة (عجب الذنب - لوص)