في جملة واحدة

الصليب عند غينون ليس أساسًا الرمز النصراني للمصلوب؛ هو الرمز الهندسي الميتافيزيقي للإنسان الكامل: محوران (أفقي وعمودي) يَلتقيان في مركز، يُمثّلان كلّ مراتب الوجود مرسومةً في شكلٍ واحد.

الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)

تلخيصٌ لموقف غينون في «رموز الإنسان الكامل» (٣٠ بابًا)، بصياغة المحرّر. والكتاب كلّه مُكرّس لتفصيل الصليب من أوجه متعدّدة.

يُقدّم غينون الصليب على أربعة أبعاد:

  1. الصليب ثنائيّ البُعد: الشكل الأبسط. خطّان متعامدان. يُمثّل مَستويًا واحدًا من الوجود، وتَقاطع أقطاره الأربعة (شمال/جنوب، شرق/غرب).
  2. الصليب ثلاثيّ البُعد: إضافة بُعد ثالث (الارتفاع/الانخفاض). يُمثّل الكون ذا الأبعاد الثلاثة، مع إضافة العمق إلى الأفقية.
  3. الصليب رمزُ المراتب: كلّ بُعد من أبعاده يَدلّ على نوعٍ من الظهور:
    • الأفقي = الظهور داخل مرتبة واحدة.
    • العمودي = الظهور عبر مراتب متعدّدة.
  4. الصليب رمز المركز: نقطة التقاطع هي موضع المركز الروحي حيث تَنحلّ المتضادّات. الشمال والجنوب متضادّان على المحور، لكنّهما يَلتقيان في النقطة. العمق والارتفاع متضادّان، ولكنّهما يَلتقيان في النقطة. وكذلك كلّ ثنائيّة: تَجد في مركز الصليب حلَّها.

العلاقة بالإنسان

الإنسان عند غينون هو الصليب:

  • قامته المستقيمة: المحور العمودي (صلته بالأعلى).
  • ذراعاه الممتدّتان: المحور الأفقي (حضوره في عالم الحسّ).
  • قلبه في مركز: نقطة التقاطع، وهي موضع التحقّق.

ومن هنا عنوان كتاب غينون: «رمزية الصليب» (Le Symbolisme de la Croix)، الذي ترجمه الشيخ عبد الباقي مفتاح بـ«رموز الإنسان الكامل»، لأنّ الصليب عنده مجرّد وسيلة لفَهم الإنسان الكامل.

العلاقة بالقطب والصليب المعقوف

  • الصليب الساكن: يُمثّل الإنسان الكامل في حاله الباطن.
  • الصليب المعقوف (السواستيكا): يُمثّل نفس البنية، ولكنْ في حالة دوران. تَدور الأذرع حول النقطة الثابتة في المركز. هو بذلك الصليب الكوني في حركته.

وكلاهما يَدلّ على القطب: الأوّل في وجهه الساكن، والثاني في وجهه المحرِّك.

العلاقة بالكرة والمكعّب

في «هيمنة الكمّ»، يَربط غينون الصليب بالحجم: يُمكن رَسم الصليب الثلاثي الأبعاد داخل كرة أو داخل مكعّب. كلّ واحدٍ منهما يُمثّل وجهًا من الكمال: الكرة للبداية (الكمال البدائي المطلق)، والمكعّب للنهاية (الكمال المتعيَّن الراسخ). والصليب ثنائي-الأبعاد داخل الاثنين يَكشف عن بنيتهما.

شواهد من غينون

“توجد هندسة مقدّسة مختلفة تماما عن العلم المدرسي المسمّى اليوم هندسة… خصوصا في كتاب رمزية الصليب.” (هيمنة الكمّ، المقدّمة)

“وهو في صميمه «علامة القطب».” (مليك العالم، الباب الثاني: المَلكية والإمامة الروحية)

“علامة الصليب، التي تمثل بجلاء تام كيفية حصول ذلك التحقق بالتواصل الكامل بين مجموع مراتب الكائن.” (رموز الإنسان الكامل، الباب الثالث: الرمزية الميتافيزيقية للصليب)

“جُلّ المذاهب التراثية تشير إلى التحقق بمقام «الإنسان الكامل» بنفس الرّمز في كل مكان.” (رموز الإنسان الكامل، الباب الثالث)

نصوص الشيخ عبد الباقي مفتاح

“لهذه الأسباب فضلتُ في ترجمة عنوان الكتاب التعبيرعن روحه وقطب مداره، أي: الإنسان الكامل المتحقق بكمال التوحيد، والمستوعب لكل مراتب الوجود: “انبساطـًا أفقيًا، وعروجـًا ونزولا عموديًا”.” (رموز الإنسان الكامل، مقدّمة المترجم)

“ومن مميّزات هذا الكتاب بيانه أنَّ استنباط أسرار الوجود من رمزية الصليب تساعد على عرض أسس المعرفة الميتافيزيقية والسلوك الروحي بأسلوب قريب من المنطق الرياضي الهندسي.” (رموز الإنسان الكامل، مقدّمة المترجم)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

يَشرح الشيخ في مقدّمته السبب الذي جَعله يَخرج عن ترجمة العنوان الفرنسي الحرفي:

ويُضيف عن قيمة هذا الرمز المعرفية:

قلم المحرّر ما يَعْنيه الشيخ أنّ الصليب الهندسي أداةٌ معرفيّة أدقّ من الخطاب الأدبي: لأنّه يُظهر البنية في شكلٍ يَسهل على العقل أن يَمسكه. وابن عربي كذلك يَستعمل الأشكال الهندسية في فتوحاته لِشرح مراتب الوجود (الدائرة، المثلث، المربع). والصليب، في هذا السياق، صورة جامعة لا يَختصّ بها تراثٌ دون آخر.

مثال يقرّب المعنى

ارْسُم صليبًا على ورقة:

  • الخطّ الأفقي: كلّ ما يَظهر في مستوًى واحد من الوجود (عالمنا الحسّي مثلًا، مع كلّ تنوّعه: بلاد، أجناس، لغات، أفكار، مهن). إنسان يَسير على هذا الخطّ يَبقى في مَستوى بشري واحد، مهما تَنقّل فيه.
  • الخطّ العمودي: الصعود من مَستوى إلى مَستوى (من عالم الحسّ إلى عالم المثال إلى عالم الأرواح). إنسان يَصعد على هذا الخطّ يُغيّر مرتبة وجوده.
  • نقطة التقاطع: المكان الوحيد الذي يَلتقي فيه المحوران. وهي موضع الإنسان الكامل: الذي يَحمل الخطّ الأفقي (الشمول) والخطّ العمودي (العروج) في آن.

فالصليب إذن خريطةٌ هندسيّة:

  • الرأس والقدمَان: العمود الصاعد.
  • الذراعان: الامتداد الأفقي.
  • القلب: مركز التقاطع، حيث يَتحقّق الجمع.

غينون يُشدّد: هذا المعنى أسبق على الاستعمال النصراني. الصليب رمزٌ تراثيّ يَعرفه الهندوس (رمز السواستيكا)، والصينيّون (شكل الإيچينغ)، والفراعنة (العنخ)، والمصريّون الأقباط (الصليب الفرعونيّ)، والبوذيّون، والمسلمون (في بعض الرموز الصوفية). هو رمزٌ إنسانيٌّ عالمي لبنية الوجود.

المرجع الإسلامي

ربط الموسوعة بين الرمز الكوني للصليب والنُّصوص القرآنية والأَكبرية.

الصليب، بوَصفه الرَّمز الهندسي الكَوني لِتَقاطع المَحاور، له في الإسلام مَدلولات تَلتقي معه دون أن تَتبنَّى صورته. الأَهَمّ منها:

  • القِبلة كنقطة تَقاطع: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (البقرة:١٤٤). الكعبة المُشرَّفة هي مَركز الإسلام الحَجَري، وكلّ مَن صلَّى من الأَرض يُوَجِّه شُعاعه نحوها. فالأَشعّة تَتَجمَّع في نقطة واحدة، وهذا الشَّكل الهندسي مَطابق لتَقاطع المَحاور.
  • الإسراء والمعراج: الإسراء حَركة أُفقية (من مَكّة إلى المَسجد الأَقصى)، والمعراج حَركة عَمودية (من الأَقصى إلى السَّماء). والنبيّ ﷺ في رحلته الواحدة جَمع المحورَيْن: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ (الإسراء:١) + ﴿عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ﴾ (النجم:١٤). فهو ﷺ مَركز الصليب الكَوني بحَضرته.
  • «صراط مستقيم»: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة:٦). الصراط في الفَهم الصوفي هو المَحور العَمودي الصاعد إلى الحقّ. وهو يَلتقي بالحَركة الأُفقية لأَهل الدنيا في الإنسان المُهتدي.

والشيخ الأكبر ابن عربي تَناول هذا في:

  • الباب ١٩٨ من الفتوحات (في مَنزل القِبلة، حيث يَجمع بَيْن مَركزية الكعبة وَتَقاطع الجهات).
  • الباب ٧١ من الفتوحات (في مَنزل المعراج، حيث يَفصِّل الصُّعود العَمودي).

ولا يَعني هذا أنّ الإسلام يَتَّخذ الصليب رَمزًا (لا يَتَّخذه بسبب ارتباطه بالعقيدة النصرانية في الصَّلب)، لكنّ البِنية الهَندسية التي يُمثِّلها الصليب مَوجودة في الإسلام بصور أُخرى: الكَعبة، الصَّلاة المُوَجَّهة، الإسراء والمعراج، الصِّراط المُستقيم.

صلات