في جملة واحدة

ملكي-تصادق في سفر التكوين هو الملك-الكاهن الذي بارك إبراهيم، وكان قبله في الزمان. عند غينون، هو النموذج الإبراهيمي الأوّل للجمع بين السلطة الرّوحية والحكم الزمني في شخصٍ واحد، وصورةٌ من صور المركز الروحي الأعلى في طوره الإبراهيمي.

الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)

تلخيصٌ لموقف غينون في «مليك العالم» (الأبواب ٦ و١١)، بصياغة المحرّر.

يُقدّم غينون ملكي-تصادق على ثلاثة مستويات:

  1. المستوى التاريخي-الرمزي: هو شخصيّة موجودة في التراث الإبراهيمي، يَمثّل لحظةً قبل إبراهيم، حين كانت السلطتان مجتمعتَين. في اسمه ولقبه ومقامه، علاماتٌ على وظيفةٍ أعلى من الإمامة المعتادة.
  2. المستوى الوظيفي: هو نموذج الملك-الكاهن. التراث الهندوسي يَعرف هذه الوظيفة في «المَنو»، والتراث الصيني في «الإمبراطور السماوي»، والتراث الفارسي في «جمشيد»، والتراث اليهودي في «ملكي-تصادق». كلُّها أسماء لنفس الوظيفة: من يَجمع الكهانة والمُلك في ذاتٍ واحدة.
  3. المستوى القطبي: حيث تُوجد هذه الوظيفة بكمالها، يَكون المركز الروحي الأعلى. وهذا المركز في الدورة الحاضرة أخذ أسماء متعدّدة بحسب الطور: «شاليم» عند ملكي-تصادق، «أڤارتتها» في طوره المستور، «الكعبة» في الإسلام، وهكذا.

ميزة ملكي-تصادق في الخطّ الإبراهيمي

في سلسلة الأنبياء الإبراهيميّين، قد يَغلب الجانب الرُّوحي (كإبراهيم، إسحاق، يعقوب) أو الجانب الزمني (كداود، سليمان). لكنّ الجمعَ التامّ للجانبَين نادرٌ. مَلكي-تصادق عند غينون يُمثّل اللحظة الأصلية التي كانت فيها الوظيفتان متّحدتَين، قبل أن تَنقسما مع مَسار البشرية الهابط.

وهذا يُعطي ملكي-تصادق معنى أوّليًّا في التراث: هو يَسبق إبراهيم زمنيًّا ومرتبة. ولذلك حين يُبارك إبراهيم، يكون ذلك تَرسيمًا لإبراهيم في السلسلة، لا العكس.

التراث الإسلامي وملكي-تصادق

ذكر المفسّرون المسلمون ملكي-تصادق في بعض التفاسير، عندما جاء ذكر إبراهيم. بعض المفسّرين يَرَوْن أنّه «شيخ إبراهيم» في العقيدة الحنيفية، أي المرجع الذي منه تَلقّى إبراهيم علم التوحيد. وفي بعض الرّوايات الأخرى، هو إدريس عليه السلام الذي «رُفع مكانًا عليًّا». وفي كلا التفسيرَين، تُحافظ الصورة الإسلامية على علوّ المرتبة الذي أعطاه له التراث الإبراهيمي الأوّل.

العلاقة بالڤرال (Le Graal)

في التراث الكلتي-النصراني، ترتبط قصص الڤرال (الكأس المقدّس) بسلسلةٍ من الملوك-الكهان، وفي بعضها تَظهر صلة بملكي-تصادق. غينون في كتابه «الرموز الأساسية للعلم المقدّس» يَصل بين الڤرال وملكي-تصادق، مُشيرًا إلى أنّ الكأس عنده بَقية من كأس ملكي-تصادق التي بارك بها إبراهيم.

شواهد من غينون

“وما ذكرناه سابقا حول الميزان كشعار للعدل ، بصدد « ملكي – تصادق » ، يمكن أن يساعد على فهم كون هذا الاسم كان يدل على المركز الروحي الأعلى” (مليك العالم، الباب الحادي عشر: تحديد مواقع المراكز الروحية)

“«ملكي ــ تصادق»” (مليك العالم، عنوان الباب السادس)

“إن اسم «ملكيصادق»… أو على الأصح «ملكي ــ تصادق»، ليس سوى اسم وظيفة «مليك العالم» عينها، كما هي معبّر عنها بصراحة في التراث اليهودي المسيحي.” (مليك العالم، الباب السادس: ملكي-تصادق)

“فــ«ملكيصادق» هو إذن في نفس الوقت ملك وحبر؛ واسمه يعني «ملك العدل»، وهو أيضا ملك «سالم» أي «ملك السلام»؛ فهنا مرة أخرى نجد قبل كل شيء «العدل» و«السلام» أي بالتحديد الصفتين الأساسيتين لـ«مليك العالم».” (مليك العالم، الباب السادس: ملكي-تصادق)

“والحال أن ملكيصادق يُقدّم وكأنه أعلى مقاما من إبراهيم، إذ هو الذي يباركه، و«لا ريب أن الأدنى هو الذي يبارَك من طرف الأعلى»؛ ومن جانبه يعترف إبراهيم بهذه الرفعة إذ أنه يسلـِّم له زكاة الغنيمة، وفي هذا علامة على تبعيته له.” (مليك العالم، الباب السادس: ملكي-تصادق)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

لم يَرِد تعليقٌ خاصٌّ للشيخ على هذه الشخصية في المواد المتاحة، لكنّه في اختياره لعنوان «مَليك العالم» (بدل «ملك العالم») يَعكس قراءته العامّة: الوظيفة التي يَمثّلها ملكي-تصادق ليست «مُلكًا زمنيًّا»؛ هي **مَلكوتيّة قدسيّة**. و«المَليك» كلمة قرآنية: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ (القمر:٥٥)، يَدلّ على مَلك مؤيّد بالحقّ الإلهي، وهو الوصف الأدقّ لِما يَمثّله ملكي-تصادق.

وفي التراث الأكبريّ، أقرب ما يُشابه ملكي-تصادق هو مقام «الخليفة الأكبر» أو «الخليفة الجامع»، الذي في كلّ دورة واحدٌ يَحملها، ويَكون إمام العوالم كلّها. وبهذا التطابق، تَدخل الشخصيّة الإنجيلية على المسلم في أعلى المقامات التي يَعرفها من تراثه.

مثال يقرّب المعنى

في سفر التكوين (١٤: ١٨-٢٠)، يَظهر إبراهيم عائدًا من حربٍ، فَيَلقاه ملكي-تصادق «ملك شاليم»، ويقدّم له خبزًا وخمرًا، ويُباركه. ثمّ يُعطي إبراهيم عُشرَ غنيمته لِملكي-تصادق. وفي الرسالة إلى العبرانيين في العهد الجديد، يُقال: «بلا أب، بلا أمّ، بلا نسب، لا بداية أيّام له ولا نهاية حياة، بل مشبَّهٌ بابن الله، يَبقى كاهنًا دائمًا» (عبرانيين ٧).

تأمّل: هذا وَصف غريب. رجلٌ لا نَسب معروف له، يَجمع بين لقب ملك ولقب كاهن، وإبراهيم ـ أعظم الأنبياء قبل موسى ـ يُقدّم له العُشر ويَقبل بركته. ليس هذا تفصيلًا في قصص الأنبياء؛ هو علامةٌ ميتافيزيقيّة عظيمة.

غينون يَقرأه كالتالي: ملكي-تصادق ليس «كاهنًا محلّيًّا»؛ هو تَجسيدٌ لِـوظيفة الملك-الكاهن الجامعة، وهي الوظيفة التي تَكون دائمًا في مكانٍ واحد: المركز الروحي الأعلى. اسمه نفسه «ملكي-تصادق» يَعني «ملك العدل»، ومُلكه على «سالم» يَعني «ملك السلام». ومَن جَمع العدل والسلام في شخصه، ما كان إلا صورةً من صور المركز.

وكون إبراهيم يَقبل بركته يُشير إلى رتبته فوق رتبة إبراهيم في سلسلة الإمامة الروحية. هذه مرتبةٌ لم تَصل إليها الأديان الإبراهيمية اللاحقة: لا موسى، ولا عيسى، ولا حتى محمّد ﷺ في النصّ القرآني، قُدِّموا على رتبة ملكي-تصادق. وحدَه الرسولُ ﷺ يَجمع المقامَ نفسه، لكنّ التأكيد عليه يَختلف.

صلات

  • الوظيفة الجامعة: القطب؛ الإنسان الكامل.
  • السلطتان المجتمعتان: السلطة الرّوحية والحكم الزمني؛ الملكية في معناها الأوّل.
  • الموضع الذي يُمثّله: المركز الروحي؛ أڤارتتها.
  • الرمز المرتبط: الڤرال (الكأس التي بارك بها إبراهيم).
  • المطابق الهندوسي: «المَنو»؛ المطابق الصيني: «الإمبراطور السماوي»؛ المطابق الإسلامي الممكن: «إدريس عليه السلام» أو «شيخ إبراهيم» في بعض الروايات.
  • المطابق الأكبري: «الخليفة الجامع» في كلّ دورة.
  • مَنزل أكبري: الباب ٧٣ من «الفتوحات» في مَنزل الأَقطاب (السَّبعة الذين هم على قلوب الأَنبياء الأَقطاب)؛ والباب ٢٦٦ في الخِلافة الكُبرى.
  • الكتاب المرجع: مليك العالم (الباب السادس).