في جملة واحدة

الڤرال هو الكأس المقدّس في التراث الكلتي-النصراني: الكأس التي شَرب منها المسيح في العشاء الأخير، وجُمع فيها دمه على الصليب. عند غينون، هو أحد أسماء المعرفة المكنونة في المركز الروحي، و«الكلمة المفقودة» التي تَسعى التربية العرفانية إلى استعادتها.

الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)

تلخيصٌ لموقف غينون في «مليك العالم» (الباب الخامس) و«الرموز الأساسية للعلم المقدّس».

يَبني غينون رمز الڤرال على ثلاث طبقات:

  1. الكأس ذاتها: إناءٌ يَحمل الجوهر المقدّس (الدم، الشراب، الإكسير). الإناء مركز، وما فيه هو المعرفة المكنونة. والبحث عن الكأس بحث عن المعرفة، لا عن الأداة.
  2. «الكلمة المفقودة»: في التراث الماسوني (الذي اطّلع عليه غينون)، الكلمة المفقودة هي الاسم المقدّس الذي ضاع في بابل. كلّ التربية العرفانية سعيٌ لاستعادته. والبحث عن الڤرال معادلٌ لهذا: السعي لاستعادة المعرفة المقدّسة الأصلية.
  3. المركز المستور: الڤرال دائمًا في مركزٍ مستور (قصرٌ، جبلٌ، جزيرة). وهذا يُطابق تصوّر غينون للمركز الروحي في مرحلته المستورة (أڤارتتها). فالبحث عن الڤرال بحثٌ عن المركز ذاته.

الصلة بملكي-تصادق

في التراثات الباطنية الأوروبية، الڤرال مرتبطٌ بـكأس ملكي-تصادق التي قَدّمها إبراهيم مع الخبز والخمر. غينون يَقرأ هذه الصلة: الكأس انتقلت من ملكي-تصادق (حامل المركز في الدورة الإبراهيمية) إلى المسيح (حامل المركز في الدورة النصرانية)، ومنها حَرَسَتها سلسلةٌ من الفرسان-الكهان. بهذه القراءة، الڤرال ليس رمزًا مسيحيًّا طارئًا؛ هو صلة مع ما قبل إبراهيم.

الڤرال في سلسلة الرموز المركزية

الرمزما يُمثّل
الڤرالالمعرفة المكنونة في المركز
المركز الروحيالموضع ذاته
أڤارتتهاالمركز في مرحلته المستورة
الأومفالوسعلامة المركز على الأرض
ملكي-تصادقحامل المركز

كلّها وجوه لنفس الحقيقة.

الموازاة الإسلامية

في التراث الإسلامي، أقرب ما يُقابل الڤرال هو كأس الكوثر (الحوض الذي يَشرب منه المؤمنون في الآخرة على يد النبيّ ﷺ). وفي تراث ابن عربي، الشربُ من يد النبيّ في المقامات الصوفية مَعنى متواصل. والأكبريّون يَعرفون «الشراب الإلهي» و«الخمر المحمّدي» كرموز للمعرفة اللدنيّة. بهذا المعنى، يَكون الڤرال أوروبيّ التسمية، أكبريّ المعنى.

شواهد من غينون

“والقول الحق أن المقصود بكل هذا ، خلال الأطوار المختلفة للظهور الدوري ، هو دائما “الباردس” (Pardes) (( الفردوس )) ، أي مركز هذا العالم” (مليك العالم، الباب الثالث: الشاكيناه ومِطَطْرون)

“فالـ «بحث عن الكلمة المفقودة» ما هو إذن إلا شكل آخر للـ «بحث عن الكأس المقدسة».” (مليك العالم، الباب الخامس: رمزية الـ«ڤرال»)

“وكذلك في جميع التراثيات، يشار إلى أمر أو شيء قد فُقد أو خُبِّئَ، بدءا من عهد معيّن.” (مليك العالم، الباب الخامس: رمزية الـ«ڤرال»)

“إنّ التحقق بـ«الشعور بالأزلية» مرتبط بما تسميه جميع التراثيات، كما ذكرناه سابقا، بـ«الوضع الأصلي الفطري»؛ والعودة إلى هذه الفطرة الأصلية هي التي تشكـِّل المرحلة الأولى للتربية الروحية الحقيقية.” (مليك العالم، الباب الخامس: رمزية الـ«ڤرال»)

“فإنّ حيازة الكأس تمثل الحفظ الكامل للملة الأصلية في مثل هذا المركز الروحي.” (مليك العالم، الباب الخامس: رمزية الـ«ڤرال»)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

لم يَرِد تعليقٌ منفصل للشيخ على هذا الرمز في المواد المتاحة، ولكنّه في ترجمته يَستعمل «الڤرال» بإبقاء الاسم الأوروبي، ممّا يَعْني أنّه يَعاملها كرمزٍ خاصّ بالتراث الكلتي-النصراني، لا كمصطلحٍ إسلاميّ. لكنّه يُشير في تعليقاته إلى أنّ «الكأس» في التصوّف الإسلامي كثيرةُ الحضور، خصوصًا في شعر الحلاج وابن الفارض، حيث «الكأس» رمزٌ لِتجربة التوحيد والشرب من الحبّ الإلهي. فالمعنى المتواصل: **إناءٌ يَحمل المعرفة الإلهية**، كلّ تراث له إناؤه الخاصّ.

مثال يقرّب المعنى

في قصص الفرسان الكلتية، يَنطلق الفرسان (لانسلوت، پرسيفال، غالاهاد) في «البحث عن الڤرال». هذه الحكايات على السطح مغامرات، لكن لِمن يَقرأها بدقّة، هي رموز لرحلة روحية:

  • الفارس يَبحث عن الكأس. ومَن يَجدها يُشفى، ويُشرف على المعرفة.
  • ولكنّ الكأس لا تُوجد في أيّ مكان؛ تُوجد في قلعةٍ مستورة، في أرضٍ مقدّسة، في قصرٍ يَظهر ويَختفي.
  • ولا يَصل إليها إلا مَن تَطَهَّر: لا خطيئةٌ فيه، ولا طمعٌ، ولا ظلم.
  • وحين يَصل، لا يأخذ الكأس إلى العالم؛ بل يَبقى معها أو تَرتفع إلى السماء.

هذه الرموز عند غينون ليست خيالًا محضًا؛ هي صياغة أوروبيّة لحقيقةٍ يَعرفها كلّ تراث: البحث عن المركز، عن المركز الروحي المستور، عن المعرفة التي لا تُنال إلا بتَطَهّر.

ما يُقابل ذلك في الإسلام: السعي في طريق العرفان، الذي «قلبه» مقاماتٌ وأحوالٌ، وما يُختم به هو لقاء الحقّ، المعبَّر عنه عند الصوفيّة بـ«الشرب من بحر التوحيد».

المرجع الإسلامي

ربط رَمز الكأس المُقَدَّس (الغرال) بالنُّصوص القُرآنية والأَكبرية.

الكأس المُقدَّس في القرآن مَتعدِّد المَواضع، يَلتقي بُنيويًّا برَمزية الغرال:

  • ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ (الإنسان:٥-٦) — كأس الأبرار.
  • ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (الكوثر:١) — حوض الكَوثر، الكأس المحمدية الأَخرى.
  • ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾ (المطففين:٢٥) — الرحيق المختوم، الذي لا يَناله إلا المُقَرَّبون.
  • ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ (الإنسان:٢١) — الشَّراب الطَّهور.

والشيخ الأكبر ابن عربي في كتابه «مَواقع النجوم» (وهو الكتاب الذي يَستشهد به الشيخ مفتاح كثيرًا) فَصَّل القَول في «الخَمر المحمدية» التي يَشرب منها أَهل التَّحقيق، وفي «الكأس التي لا تُكسَر».

والحديث القُدسي: «خَلقتُ عبادي حُنفاء، فاجتالتهم الشَّياطين عن دِينهم، وحَرَّمتُ عليهم ما أَحلَلتُ لهم» (رواه مسلم) — الحَنيفية الأَصلية كأنّها الغرال الذي ضاع، والاجتيال هو فَقدُه.

والمَوازي الأَكبر بَيْن الغرال الغَربي و«حَوض النبيّ ﷺ» في الإسلام: كلاهما كأس مَركزية لا يَنالها إلا المُؤمن المُتطهِّر، وكلاهما رَمز للقاء الأَخير بَيْن السَّالك والحقّ. الفرق: في النصرانية الغرال صار قِصّة مَلَكية مَفقودة، وفي الإسلام حَوض الكَوثر مَوعد قطعي يَوم القيامة.

صلات