في جملة واحدة

شجرة الوسط عند غينون هي الصورة النباتية للمحور العمودي للصليب: جذعها يَصل الأرضَ بالسماء، وفروعها بسطُ العالم، وجذورها مُرَسّخة في الأصل. صورةٌ تَعرفها كلّ التراثيات، من الطوبى القرآنية إلى يِجْدراسل الإسكندنافي إلى كلبا-تارو الهندوسي.

الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)

تلخيصٌ لموقف غينون في «رموز الإنسان الكامل» (الأبواب ٩، ١٧، ٢٥)، بصياغة المحرّر.

للشجرة عند غينون ثلاث وظائف رمزيّة:

  1. الوظيفة المحورية: الشجرة صورة محور العالم (Axis Mundi). الجذع العمودي هو نفس الخطّ العمودي للصليب. والمعرفة الحقيقية تَصعد عبره من الأرض إلى السماء.
  2. الوظيفة المحيطيّة: الفروع تَبسط الشجرة في الأفقي، كما تَبسط الأذرع الصليب. وهذا الامتداد يُمثّل كَثرة الظهور في كلّ مرتبة.
  3. الوظيفة الغذائية: الشجرة تُعطي الثمر. والثمر في الرمز هو ما يَبلغه الإنسان الكامل: كمال التحقّق. وفي تراث الإسكندنافيين، «يِجْدراسل» هي الشجرة التي تَحمل العالم، ويَطْعم منها الآلهة.

التراثيات الموازية

شجرة الوسط عند غينون اسمٌ جامع لِرموزٍ متطابقة:

التراثالاسم
الإسلامشجرة طوبى، شجرة الخلد، سدرة المنتهى
المسيحيةشجرة الحياة في الفردوس
الإسكندنافييِجْدراسل
الهندوسيكلبا-تارو، أشواتتا
الفارسيشجرة جمشيد
الصينيالدُّرّاق الخلد
الهيلينستيشجرة هسبريدس

غينون لا يَرى هذا تَعدّدًا عرضيًّا؛ يَراه رمزًا واحدًا تَكرّر في الحضارات، لأنّ الميتافيزيقا واحدة.

شجرة الوسط والقطب

شجرة الوسط هي الصورة النباتيّة لـالقطب. كلاهما:

  • ثابت: الشجرة لا تَتحرّك، كما القطب لا يَتحرّك.
  • مركزي: الشجرة في وسط الحديقة، كما القطب في وسط العجلة.
  • جامع: الشجرة تَصل الأرض بالسماء، كما القطب يَصل الأدنى بالأعلى.

شجرة الوسط والحيّة

في التراثيات، كثيرًا ما تَلتفّ الحيّة حول جذع الشجرة (في سفر التكوين، في يِجْدراسل، في أساطير الصين القديمة). غينون يَقرأ هذا رمزيًّا: الحيّة تُمثّل دورات الظهور (الحركة الكونية)، وهي تَلتفّ حول المحور الثابت (الشجرة/القطب). هذا الالتفاف يُرمز إلى الدورة حول الثبات: الكون يَدور، ولكنّ المحور لا يَتحرّك.

شواهد من غينون

“من بين المظاهر الأخرى لرمزية الصليب، المظهر الذي يجعله متطابقا مع ما تُطلِق عليه مختلف التراثيات اسم «شجرة الوسط».” (رموز الإنسان الكامل، الباب التاسع)

“إذا كانت الشجرة تمثل «محور العالم» كما سبق ذكره، فإنّ الحيّة تمثل جملة دورات مجلى الظهور الكلي.” (رموز الإنسان الكامل، الباب الخامس والعشرون: الشجرة والحيّة)

“إذن فالمعتبر هنا بالأساس هو الخط العمودي للصليب، الذي هو صورة لهذا المحور: وهو المشكــّـل لجذع الشجرة… وترتفع هذه الشجرة في مركز الكون، أو بالأحرى في مركز عالم.” (رموز الإنسان الكامل، الباب التاسع: شجرة الوسط)

“وفي رمزية الإنجيل بالخصوص، إنها «شجرة الحياة» المغروسة في وسط «الجنة الأرضية»، التي تمثل مركز عالمنا، كما شرحناه في مناسبات أخرى.” (رموز الإنسان الكامل، الباب التاسع: شجرة الوسط)

“والأمر مختلف بالنسبة لــ«شجرة الوسط»، إذ وظيفة «محور العالم» تستلزم بالعكس الوحدة بالأساس.” (رموز الإنسان الكامل، الباب التاسع: شجرة الوسط)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

لم يَرِد تعليقٌ منفصل للشيخ على شجرة الوسط في المواد المتاحة، ولكنّه في ترجمته يَذكر تطابقها المباشر مع «شجرة طوبى» في القرآن والحديث. وفي تراث ابن عربي، الشجرة التي تَظهر في آخر الفتوحات وفي كتاب «شجرة الكون» المنسوب إليه هي مَثَلٌ أكبريّ مطابق لشجرة الوسط عند غينون: شجرةٌ جذرها في الأسماء الإلهية، وجذعها الحقيقة المحمدية، وفروعها عوالم الظهور، وثمرها الأولياء العارفون.

مثال يقرّب المعنى

تأمّل شجرةً كبيرة:

  • الجذور تَغوص عميقًا في الأرض، تَسْتمدّ منها الحياة.
  • الجذع يَقف في الوسط، يَصعد إلى السماء.
  • الفروع تَنتشر أفقيًّا، تَستقبل الشمس وتَبسط الظلّ.
  • الثمار تَنضج في أعلى الفروع، هي ما يُعطيه الشجر للعالم.

هذه بنيةٌ عجيبة: كلّ جزء فيها يَخدم الوَحدة. الجذور تَحمل الجذع، والجذع يَحمل الفروع، والفروع تَحمل الثمار. ولا يَحيا جزءٌ منفردًا؛ كلُّها في نظام.

التراث ينظر إلى الكون كشجرة:

  • جذورها في الغيب الإلهي (الأصل الذي لا يُحيط به علم الخلق).
  • جذعها المحور الروحي الذي يَصل العوالم.
  • فروعها عوالم الظهور المختلفة (عالم الحسّ، عالم المثال، عالم الأرواح).
  • ثمارها الإنسان الكامل الذي ظَهر في أعلى الفروع.

وهذه هي الشجرة التي يَذكر غينون أنّها رَمزٌ كلّيٌّ للوجود، وأنّها الصورة النباتية لِما يَرسمه الصليب هندسيًّا.

شجرة الطوبى في القرآن

في القرآن: ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ (الرعد:٢٩)، والطوبى في الحديث شجرةٌ في الجنّة. وفي سورة إبراهيم: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ (إبراهيم ٢٤). وهذه الأوصاف ـ «أصلها ثابت»، «فرعها في السماء» ـ هي بعينها ما يَذكر غينون من شجرة الوسط.

وفي الإسراء: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ (الإسراء:٦٠)، وهي الشجرة المضادّة (شجرة الزقّوم، في جهنم). فالتراث الإسلامي يَعرف شجرة الوسط العلوية وشجرة القاع السفلية، وهو نفسه ما يَذكره غينون من ازدواج الشجر في الرموز المختلفة.

صلات