في جملة واحدة
جيفان-موكتا (المُنعتق في الحياة) في الفيدنتا هو مَن تَحقَّق بـموكشا وهو ما زال في الحياة الدنيا، أي مَن أَدرك بمعرفة كاملة أنّ آتمه = براهما، فانعتق من قَيد الفَردية. هو نَفسه «اليوغي الحقيقي» في الفيدنتا، وهو ما يُسمّيه غينون «الصوفي الحقيقي» في الإسلام، و«الإنسان المُتعالي» (تشن-جان) في الطاوية. لا يَزداد بالموت شيئًا، لأنّه قد بَلَغ غاية ما يَبلغه الكائن.
الشرح الميتافيزيقي
يَختم غينون كتاب «الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا» بفَصلَيْن مَركزيَّيْن عن جيفان-موكتا (الفصل الرابع والعشرون). يَبني فيهما ستّ نقاط:
-
التَّعريف الفِيدنتي: «اليوغي الذي بالمعرفة انعتق خلال الحياة (جيفان-مُكتا) وتَحقَّق بالوحدة العظمى». الانعتاق ليس انتظار الموت؛ هو حال يَنالها مَن بَلَغ المعرفة كاملة في حياته.
-
يَرى كلّ الأشياء في الـ«هو»: «اليوغي ببَصيرته الكاملة، يَشهد كلّ الأشياء كأنّها باقية في نَفسه». يَرى الكَون داخله، لا خارجه. وذلك لأنّه «بعَيْن المعرفة (جْنانا-تْشاكشوس) يُدرك أنّ كلّ شيء هو آتما». الفَرق بَيْن الداخل والخارج يَنحلّ.
-
يَتجاوز الاسم والشكل: «يَتحرَّر اليوغي أو الجيفان-مُكتا من الاسم والشَّكل اللذين يُشكّلان العَناصر المُكوّنة للفَردية وخَصائصها». ناما-روبا لا تُحدّده، لأنّه عَبَر الفَردية.
-
صِفاته الستّ: تَنقل الفيدنتا عن شانكاراشاريا أنّ الجيفان-مُكتا «بلا صِفات مُتميِّزة ولا عَمل، غير قابل للفَناء، بدون فِعل إرادي، مَملوء بالنَّعيم، ثابت، بلا شَكل؛ حُرّ وخالص من الأَزل إلى الأَبد».
-
يَتطابق مع الإنسان الكامل: «اليوغي بالمَعنى الحقيقي لهذه الكَلمة، أو الإنسان المُتعالي (تشن-جان) في الطاوية، مُطابق أيضًا لـالإنسان الكامل». المُسمّى واحد في ثلاث تَراثيات.
-
يَجمع المراحل الثلاث: قبل الجيفان-مُكتا ثلاث مَراحل تَحضيرية:
- باليا: الطفولة الروحية (نَقاوة، انسجام).
- بانديتيا: العِلم (مَعرفة كاملة).
- ماونا: الانفراد الصامت (مَرتبة الـ«موني»، الصامت العارف). ومتى بَلَغ الجيفان-مُكتا غايته، اجتمعت فيه الثلاث في «الوحدة العُظمى».
شواهد من غينون
“الـ”يوڨي”، بعد أنْ وصل إلى الهدف الأسمى، يمتلكها أكثر، لأنه يمتلك جميع المراتب في اكتمال جوهره” (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا، الفصل الثالث والعشرون)
“الـ”يوڨي”، بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة، أو “الإنسان المتعالي”(تشان - جان) في الطاوية، مطابق أيضًا لـ”الإنسان الكامل"" (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا، الفصل الثالث والعشرون)
“الـ”يوڨي”، الذي بالمعرفة “انعتق خلال الحياة”(جيفان - موكتا) وتحقق بـ”الوحدة العظمى"" (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا، الفصل الرابع والعشرون)
“الـ”يوڨي”، ببصيرته الكاملة، يشهد كل الأشياء كأنها باقية في نفسه” (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا، الفصل الرابع والعشرون، نقلاً عن شانكاراشاريا)
“مملوء بالنعيم، ثابت، بلا شكل؛ حر وخالص من الأزل إلى الأبد” (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا، الفصل الرابع والعشرون، نقلاً عن شانكاراشاريا)
“يتحرر الـ”يوڨي” أو الـ”جيفان - موكتا” من الاسم والشكل اللذين يشكلان العناصر المكونة للفردية وخصائصها” (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا، حاشية)
“أي أننا نأخذ “الانعتاق في الحياة” كما يحققه كائن لا يزال مرتبطًا بالحياة كطابع مميز للمرتبة الإنسانية” (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا، حاشية)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
يَضع الشيخ مفتاح في الحاشية إحالةً مَركزية: «يوجد تَفصيل لمرتبة العارف المُتحقّق بكلّ الحقائق الوُجودية في ذاته في البابَيْن ١٣ و١٤ من كتاب الإنسان الكامل للشيخ عبد الكريم الجيلي». هذه الإحالة تُفصح عن مَنهج الشيخ: يَقرأ جيفان-مُكتا من خلال «الإنسان الكامل» الجيلي-ابن-عربي.
التَّوازي البُنيوي:
- جيفان-مُكتا (الفيدنتا) = الإنسان الكامل (الأَكبرية) = الإنسان المُتعالي/تشن-جان (الطاوية).
- جميعها أَسماء لمَن بَلَغ التَّحقّق الكامل في حياته.
والشَّيخ الأكبر ابن عربي يَصف هذا في «الإنسان الكامل»: «الجامع لكلّ الحقائق». والجيلي يَفصِّل في كتابه الذي يَستشهد به الشيخ مفتاح، ويُسمّيه «الإنسان الكامل في معرفة الأَواخر والأَوائل». والباب ١٣ من هذا الكتاب يَتناول صفات هذا الإنسان، والباب ١٤ يَتناول كَيف صار جامعًا. وكلّ ما يَصفه شانكاراشاريا في الجيفان-مُكتا يَتطابق بُنيويًّا.
والمَوازي القُرآني: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة:١٤٣). الوَسَطية هنا تَلتقي بُنيويًّا مع «المُتعالي» الذي يَجمع المُتقابلات في وَسط ثابت. وفي القرآن أَيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (فصلت:٣٠) — الذي استَقام في حياته تَتنزَّل عليه الملائكة. هذه عَلامة جيفان-مُكتا في القُرآن: الكَرامة في الحياة لا في الآخرة فقط.
والحديث القُدسي الكَبير: «ولا يَزال عَبدي يَتقرَّب إليّ بالنَّوافل حتى أُحبَّه، فإذا أَحبَبتُه كنتُ سَمعَه الذي يَسمع به، وبَصره الذي يُبصر به، ويَدَه التي يَبطش بها» (رواه البخاري). هذا الحَديث يَصف بالضبط حال الجيفان-مُكتا: لم يَعد للوَلي فِعل من نَفسه، بل يَفعل بالحقّ. ومع ذلك هو حيّ في جِسده.
والشيخ مفتاح يُؤكِّد أنّ هذا الكَمال ليس استثناءً: مَوجود في الإسلام في الأَولياء الكُمَّل، عَبر التاريخ كلِّه، وفي كلّ بَلَد. كان الجُنيد جيفان-مُكتا، وكان البِسطامي جيفان-مُكتا، وكان الجَلَنُّسي جيفان-مُكتا، وعَبد القادر الجيلاني جيفان-مُكتا، وأَبو الحَسن الشاذلي جيفان-مُكتا.
مثال يقرّب المعنى
تَأمّل ثلاث حالات للسالك:
-
المُريد المُبتدئ: يَعرف الحقّ نَظَريًّا (عَقل)، يَعمل على نَفسه (مُجاهدة)، لكنّه ما زال يَرى الكون خارجه. الحقّ مَوجود في كتب، الكَون مَوجود أَمامه، الفَردية مَوجودة في صَدره. ثلاث حقائق مَفصولة.
-
السالك المُتقدِّم: حَصَل له ذَوقٌ يَجمع طَرفًا من الحقيقة (الفَتح الأَدنى). يَرى أنّ الكَون قائم بالحقّ، لكنّه يَرى نَفسه ما زال شيئًا مُنفصلًا. مَنزل الفَناء يَلوح في الأُفق، ولم يُحقَّق بَعد.
-
الجيفان-مُكتا = الإنسان الكامل = الصوفي الحقيقي: سَقَطت الحُجُب. لم يَعد يَرى الكَون خارجه؛ يَرى كلّ الأشياء في نَفسه (لا بمعنى الادّعاء الكِبري، بل بمَعنى أنّه استَوْعب أنّ آتمه هو آتما الكَون). لا يَطلب شيئًا من الدُّنيا، لأنّه فيها بكُلّيتها. ولا يَخاف شَيئًا، لأنّه ليس في حدّ ذاته شيئًا يُفقَد.
والقاعدة: مَن وَصَل إلى هذا الحال، لا يَنبغي له أن يُذيع نَفسه. لذلك قَول الفيدنتا أنّ الـ«موني» هو الصامت — لأنّ الكلمة عند هذا المَقام لا تُسعف. وقَول النبيّ ﷺ: «إنّ من العلم كَهَيئة المَكنون، لا يَعلمه إلا أَهل العلم بالله» — هذا العلم هو ما يَعرفه الجيفان-مُكتا.
ولذلك ابن عربي يَكتب في الفتوحات: «من بَلَغ مَقام البَقاء بعد الفَناء عاد إلى الخَلق بالخَلق، يَأكل ويَشرب وينام، ويَتزوَّج، ويُعامل الناس بشَريعتهم». ليس الجيفان-مُكتا مَنسوبًا في حَركاته إلى الكَون، بل مَنسوب إلى الحقّ. لكنّ صورته في الكَون كصورة كلّ إنسان.
صلات
الجيفان-مُكتا هو **غاية كلّ مَتْبَع** في الفيدنتا. يَنبثق منه فَهم [[concepts/al-insan-al-kamil|الإنسان الكامل]] الإسلامي والإنسان المُتعالي الطاوي. تَحقُّقه يَقتضي مَعرفة كاملة بـ[[concepts/al-brahma|براهما]] وتَجاوز [[concepts/nama-rupa|ناما-روبا]] وانكشاف [[concepts/al-maya|مايا]]، وهي ثَمرة سُلوك في طَريق الـ[[concepts/al-yoga|يوغا]] (= الطَّريقة الصوفية).
- الكتاب المؤسِّس: الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا (الفصل الثالث والعشرون والرابع والعشرون خاصّة).
- المفاهيم المُترابطة: آتما؛ براهما؛ ناما-روبا (الذي يَتجاوزه)؛ مايا (التي تَنكشف له)؛ موكشا (الحال التي حَقَّقها وهو حيّ)؛ يوغا (السبيل إليه)؛ كونداليني-يوغا (الطَّريق التَّفصيلي التَّطبيقي)؛ الشخصية والفردية.
- التراث: الفيدنتا (التَّقاء غاية كلّ سُلوك).
- الشَّارح المرجعي: شانكاراشاريا (الذي يَنقل عنه غينون وَصف الجيفان-مُكتا).
- الموازيات في التَّراثيات الأُخرى: الإنسان الكامل (الإسلام، عند ابن عربي والجيلي)؛ الإنسان الحقيقي والإنسان المُتعالي في الطاوية (تشن-جان).
- مَرجع تَكميلي إسلامي: كتاب «الإنسان الكامل» للشيخ عبد الكريم الجيلي (البابان ١٣ و١٤ خاصّة) — الذي يَحيل إليه الشيخ مفتاح في الحاشية كمَدخل إسلامي مُباشر لجيفان-مُكتا.
- الموازي الأكبري: مَنزل البَقاء بعد الفَناء في الباب ٤٧ من الفتوحات؛ فصّ آدم في فصوص الحكم.
- التَوازي القُرآني: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة:١٤٣)؛ ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (فصلت:٣٠)؛ ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (يونس:٦٢).
- المرجع الحديثي: حديث الوَلاية (التَّقرّب بالنَّوافل) — رواه البخاري.