في جملة واحدة

خرافة القيمة عند غينون هي تحويل الحقيقة والمبدأ إلى تقدير ذاتي أو أخلاقوي؛ فالشيء لا يُطلب من حيث هو حق، بل من حيث “قيمته” عند الفرد أو المجتمع أو الموضة الفكرية الحديثة.

الشرح الميتافيزيقي

في فصل “الخرافة المتعلقة بالقيمة” يقرأ غينون كلمة “القيمة” كواحدة من الكلمات الشعارية الحديثة: كلمات فارغة نسبيا، لكنها تملك أثرا نفسيا وعاطفيا كبيرا. وهي عنده امتداد لخرافات سابقة: العقل، العلم، التقدم، الحياة. كل واحدة منها تستبدل حقيقة مبدئية بصورة حديثة قابلة للدعاية.

مشكلة “القيمة” أنها لا تحفظ رتبة الشيء في الوجود، بل ترده إلى التقدير. وما دام التقدير ذاتيا، صارت الحقيقة رهينة الذهن الفردي أو المنفعة أو الأخلاقوية. ولذلك تتصل هذه الصفحة بهيمنة الكمّ: القيمة في الاستعمال الحديث تميل إلى الحساب والتقييم والترتيب، حتى حين تلبس ثوبا أخلاقيا.

ويميز غينون هنا بين “الخير المتعالي” و”الخير الأخلاقي”. الخير المتعالي مبدأ فوق النفس والفعل الاجتماعي؛ أما الخير الأخلاقي فمرتبة عملية محدودة. فإذا استبدلنا الأول بالثاني فقد أنزلنا المبدأ إلى مستوى النفس والمجتمع.

شواهد من غينون

“لقد ندّدنا، في بعض مؤلفاتنا، بعدد من “الخرافات” الحديثة” (بحوث عرفانية، الفصل الخامس عشر: الخرافة المتعلقة بالقيمة)

“والغريب أنّ أولئك الذين يُنكرون هذه الأخيرة هم أنفسهم، وبنوع من “الارتداد”، أوّل من يقع فريسة لذلك التأثير الزائف” (بحوث عرفانية، الفصل الخامس عشر)

“أول هذه الخرافات كانت خرافة “العقل”، والتي بلغت ذروتها في أواخر القرن الثامن عشر” (بحوث عرفانية، الفصل الخامس عشر)

“«القيمة»، شأنها في ذلك شأن «المنفعة»، لا يمكن أن تكون سوى مسألة تقدير فردي” (بحوث عرفانية، الفصل الخامس عشر)

“إنهم يخلطون ببساطة بين «الخير المتعالي» و«الخير الأخلاقي»” (بحوث عرفانية، الفصل الخامس عشر)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

في حاشية الشيخ على هذا الفصل يربط تسارع الخرافات الحديثة بفساد عام يصيب المادة والنفس والفكر. يستحضر الآية: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾، فيفهم “القيمة” لا كمدرسة فلسفية منعزلة، بل كعلامة من علامات اضطراب المعايير في آخر الدورة.

ولهذا ينبغي ألا تُقرأ الصفحة كرفض لأي استعمال عادي لكلمة “قيمة”، بل كرفض لتحويلها إلى بديل عن الحق والحقيقة والمبدأ. إذا صار الشيء “ذا قيمة” لأن السوق أو المجتمع أو النفس تريده، فقد غاب السؤال الأهم: ما مرتبته في الحق؟

مثال يقرّب المعنى

عندما يقال اليوم: “هذه الفكرة لها قيمة”، قد لا يعني القائل أنها حق، بل أنها نافعة، أو مؤثرة، أو مرغوبة، أو قابلة للتسويق، أو أخلاقيا مريحة. غينون يسأل: هل هذا معيار معرفة؟ إذا كان معيارك هو التقدير، فمن الذي يقدّر؟ وبأي مرتبة؟ وبأي أصل؟

صلات