في جملة واحدة

الهيولى (أو المادة الأولى) هي المبدأ الكوني المنفعل الخالي من كل صورة وتعيّن، ويمثل القابل الوجودي الأقصى المستعد لتلقي الصور والأشكال بفيض واهب الصور سبحانه.

الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)

تلخيصٌ لموقف غينون في «هيمنة الكم» و«الثلاثية العظمى»، بصياغة المحرّر.

  1. مفهوم المادة الأولى (Materia Prima): يوضح غينون أن “المادة الأولى” في الميتافيزيقيا التراثية (الهندوسية واليونانية والمدرسية الغربية) لا تعني “المادة الملموسة” أو الأجسام الفيزيائية التي يتعامل معها العلم الحديث؛ بل هي اللاتعيّن المطلق والقوة المحضة الخالية من كل شكل (Formless).
  2. قطبا الوجود (الماهية والمادة): ينبني الكون المتجلّي على قطبين:
    • الماهية (Essentia / القطب الفاعل): مبدأ الكيف والتعين والصورة.
    • المادة (Materia / القطب المنفعل): مبدأ الكم واللاتعين والمكث الحاضن.
  3. الهيولى والكم المحض: في أسفل درجات التجلّي، تقترب المادة الثانية (Materia Secunda) من الكم الصرف والصلابة المادية. أما الهيولى الأولى، فهي أبعد ما تكون عن الحس، بل هي بطون محض وقابلية نقية للوجود، وتعد مرآة للتجلي الإلهي.
  4. الفوضى الكونية الأصلية: تتطابق الهيولى الأولى مع “العماء الأسفل” أو “الفوضى الأصلية” (Chao)؛ فهي المزيج الهيولاني للإمكانيات قبل أن يخط فيها النور الإلهي نظام الأبعاد والجهات.

شواهد من غينون

“الـمَدْرسيون، بعد أرسطو، يميّزون بين هاتين الدلالتين بالكلام عن «المادة الهيولانية الأولى» (materia prima) و«المادة الهيولانية الثانية» (materia secunda)؛ وبالتالي يمكن القول أنّ «المادة الهيولانية الأولى» لديهم هي الجوهر المنفعل الكلى، وأنّ «المادة الهيولانية الثانية» لديهم هي الجوهر المنفعل بالمعنى النسبي…” — (هيمنة الكم وعلامات آخر الزمان، الفصل الثاني)

“…المركز طبعا هو النقطة التي يتجلى فيها «تصرّف السماء» في هذه المرتبة، وسيمثل المحيط المادة الثانوية لهذا العالم، وهي التي تقوم بالنسبة إليه بدور يتناسب مع دور المادة الأولية (أي الهيولى أو الهباء) بالنسبة لجملة مجلى الظهور الكلّي.” — (الثلاثية العظمى، الفصل العاشر)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

قلم المحرّر يؤصل الشيخ مفتاح “الهيولى الأولى” صوفياً بمطابقتها بمقام «الهباء» عند الإمام علي كرم الله وجهه والشيخ الأكبر ابن عربي، مبيناً دورها كقابل مباشر لتجليات نَفَس الرحمن:

  1. مطابقة الهيولى بالهباء: يوضح الشيخ مفتاح أن أصحاب الأفكار (الحكماء والفلاسفة) يسمونها “الهيولى الكل”، بينما يسميها الصوفية وأهل الكشف «الهباء»؛ وهو المادة اللطيفة الهبائية التي انفتقت منها صور الكائنات عند التجلّي النوري الأول:

    “المبدأ المادي، أو «الهيولى» عند الحكماء تسمّى «الهباء» عند الصوفية.”

  2. تشبيه الجص والبناء: ينقل الشيخ مفتاح عن الباب السادس من “الفتوحات المكية” تشبيهاً بديعاً للهباء بالجبس أو الجص السائل الذي يضعه البنّاء ليفتح فيه ما يشاء من الأشكال والصور؛ فالإرادة الإلهية تجلت للحقيقة الكلية فانفعلت عنها حقيقة تسمّى الهباء، وهي أول موجود في العالم الوجودي تقبل الصور بالقوة والصلاحية.
  3. اللوح المحفوظ كـ أم للهيولى: يرى الشيخ مفتاح أن الهيولى منفعلة ومتقبلة للصور التي تقضي بها الأقلام العلوية؛ فاللوح المحفوظ (النفس الكلية) هو الذي يمد الهيولى بالصور المنطبعة فيه أصلاً:

    “اللوح المحفوظ: عبارة عن نور إلهي حقي متجل في مشهد خلقي، انطبعت الموجودات فيه انطباعاً أصلياً، فهو أمّ الهيولى، لأن الهيولى لا تقتضي صورة إلا وهي منطبعة في اللوح المحفوظ.”

  4. تفاضل القبول: تتقبل أجزاء الهباء النور الإلهي بحسب قربها واستعدادها؛ فلم يكن أقرب قبولاً في ذلك الهباء إلا الحقيقة المحمدية المسماة بالعقل الأول، فكان وجوده هو أول ظاهر في الوجود، ومنه انفتقت سائر أعيان العالم.

مثال يقرّب المعنى

تأمل صلصال اللعب (المعجون) بين يدي طفل:

  1. الصلصال وهو كتلة بلا شكل: ليس له صورة كرة، ولا حصان، ولا منزل؛ ولكنه يمتلك “القدرة الكامنة” ليكون أيّاً منها. هذه الكتلة غير المتعينة هي الهيولى.
  2. يد الطفل وأفكاره (الماهية / واهب الصور): وهي التي تضغط الصلصال وتشكله ليكون في صورة مكعب أو حيوان.
  3. الشكل الناتج (الكون المتعين): هو اجتماع الصلصال (المادة) والشكل المحدد (الماهية).

فالصلصال قبل التشكيل هو الهيولى؛ لا شكل له بذاته، ولكن لا وجود للأشكال بدونه.

صلات