في جملة واحدة

«الحياة الدنيا» عند غينون ليست إشارةً إلى مرحلةٍ من العمر أو إلى العالم المادّي فحسب؛ هي اسمُ الأفق المعرفي الذي تَحصر الحداثةُ كلَّ الواقع فيه: لا معرفة فوق الحسّ، ولا غاية فوق المنفعة، ولا حقيقة فوق المتغيّر.

الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)

تلخيصٌ لموقف غينون في «شرق وغرب» و«أزمة العالم الحديث»، بصياغة المحرّر.

يَرى غينون أنّ أخطر ما في الحداثة ليس إنكار الدين أو الميتافيزيقا صراحةً، بل حَصْر مجال النقاش في الحياة الدنيا، بحيث يَصير كلُّ ما عداها «موضوعًا للذوق الشخصي»، لا للمعرفة.

ويُلاحظ أنّ هذه الخرافة تتحرّك في ثلاث طبقات:

  1. في الفلسفة: «الفلسفة الجديدة» (التي يُمثّلها عنده برجسون) استَبدلت خرافة الفكر الفردي القديمة بخرافة أفحش منها: خرافة الحياة، أي جَعْل «الحياة» (بمعناها البيولوجي والحسّي) هي المرجع الأخير للفهم.
  2. في العلم: العلم الظاهري لا يَعترف بمعرفةٍ إلا من الحسّ، ولا بموضوع إلا المتغيّر. وهذا أثرٌ مباشر لهذا الحصر.
  3. في الاقتصاد والاجتماع: الحضارة المادّيّة كلُّها قائمة على تسليمٍ مسبقٍ بأنّ «الحياة الدنيا» هي الغاية، والباقي ذوق. ومن ثَمّ يَنحرف الاقتصاد إلى عبادة الإنتاج، والسياسة إلى تدبير المنفعة، والتربية إلى تجهيز سوق العمل.

ومن العجيب عند غينون أنّ فلاسفة الحياة يَظنّون أنّهم «يَتجاوزون» الماديّة السابقة، وهم في الحقيقة يُعمِّقونها: لأنّهم يَستبدلون «المادّة الجامدة» بـ«الحياة الحيّوية»، ويَظنّ أنّ الأخيرة أكرم من الأولى. لكنّ «الحياة» بمعناها البرجسوني لا تزال دون الروح بكثير، ولا تَصل إلى المعرفة الميتافيزيقية.

وهكذا يَصير «تجاوز المادية بالحياة» شبيهًا بمن يَقول: «لن أعبُد الحجر بعد اليوم؛ سأَعبُد الشَّجر». غيّر الشكلَ ولم يَغيِّر المبدأ. والمبدأ في الحالتَين أنّ المعرفة تُستمدّ من الأسفل، لا من الأعلى.

شواهد من غينون

“فــ« الفلسفة الجديدة» [لـ”برجسون”]، كما يسمّيها أتباعها؛ استــَبدلتْ خرافة الفكرالفردي بخرافةٍ أفحش منها في بعض الجوانب، وهي خرافة الحياة [الدنيا].” (شرق وغرب، الباب الأول: الحضارة والتقدم)

“والعلم الحديث، بانبعاثه من تحديد تعسّـفي للمعرفة في نطاق خاصّ يقع في أحط المستويات- وهو المنحصر في الواقع المادّي المحسوس- فـَقــَد – بمقتضى هذا التحديد وما ينجرّ عنه مباشرة من تبعات- كل قيمة عرفانية” (أزمة العالم الحديث، الفصل الرابع)

“والسبب في تميّز الحضارة الحديثة بالتغير المتسارع هو فقدانها لمبدإ.” (شرق وغرب، الباب الثالث: خرافة الحياة الدنيا)

“أمّا الغربيون المُحدَثون، فيبدون بالخصوص عاجزين عن الانتشال من «المادة»؛ وعندما يحاولون ذلك، لا يستطيعون بأيّ حال الانفلات من الانحصار في الحياة الدنيا.” (شرق وغرب، الباب الثالث: خرافة الحياة الدنيا)

“والحياة والعمل… متآزران بكيفية متينة؛ فميْدان أحدهما هو أيضا ميْدان الآخر؛ والحضارة الغربية برمتها، اليوم أكثر من أيّ وقت مضى، ماكثة على الدوام في هذا الميدان المنحصر.” (شرق وغرب، الباب الثالث: خرافة الحياة الدنيا)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

في خيار الشيخ لترجمة `profane` بـ «ظاهري» (انظر [[concepts/al-ilm-al-zahiri|العلم الظاهري]]) مفتاحٌ لهذا المفهوم أيضًا: فـ ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ هي بالضبط الصياغة القرآنية لما يسمّيه غينون «خرافة الحياة الدنيا». لذلك يَصبح اختيار الشيخ للفظ «الحياة الدنيا» في ترجمته للعنوان الأصلي اختيارًا قرآنيًّا مباشرًا، لا مجرّد ترجمة حرفية.

مثال يقرّب المعنى

دخل فيلسوفٌ حديثٌ على مسجدٍ فرأى الناس يَقفون في الصلاة. فقال: «لماذا يُضَيِّعون وقتَهم؟ الصلاة لا تُنتج، ولا تَشفي من مرض، ولا تُطعم جائعًا». وخرج راضيًا عن ملاحظته.

هذا الفيلسوف، عند غينون، ليس مجرّد «شخص لا يؤمن»؛ هو في الحقيقة سجين خرافةٍ يَظنّها حقيقة: خرافة الحياة الدنيا. لأنّه قَبل مسبقًا أنّ ما لا يُقاس بمقياس الدنيا لا قيمة له. فَصَارت الصلاة، والذكر، والعرفان، والسَّمَتُ الباطني كلُّها بلا قيمة بحسب مقياسه، لا لأنّها كذلك في الحقيقة، بل لأنّه سَبَق واختار مقياسًا يَحذِفها.

هذه هي الخُرافة عند غينون: ليست خطأً في جوابٍ واحد، بل خطأً في السؤال نفسه. حين تَحصر السؤالَ في «ما يَنفع في هذه الدنيا؟»، ستَحذف تلقائيًّا كلَّ شيءٍ فوق الدنيا.

صلات