في جملة واحدة
الحضارة المادّيّة هي الحضارة التي جَعلت الإنتاج والمنفعة غايةً مطلقة، فَجاء اقتصادها قويًّا وبُنيانها عاجزًا عن إعطاء الإنسان معنى يَحيا به. وهي، عند غينون، الصيغة الحضارية الوحيدة الشاذّة في تاريخ البشرية.
الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)
تلخيصٌ لموقف غينون في «شرق وغرب» و«أزمة العالم الحديث» و«السلطة الرّوحية والحكم الزمني»، بصياغة المحرّر.
عند غينون، الحضارة المادّية ليست وصفًا كمّيًّا («حضارة فيها مادّيات كثيرة»)؛ هي وصفٌ مبدئي: حضارةٌ تَجعل المادّة غايةً، لا وسيلةً.
وتَجْعَل منها غايةً على أربعة مستويات متتالية:
- في المعرفة: لا يُعترف إلا بما يُحَسّ ويُقاس (العلم الظاهري).
- في الاقتصاد: لا تُقبل قيمةٌ إلا ما يُنتج ويُستهلك (السوق هو المعيار).
- في السياسة: لا تُعترف شرعيّةٌ إلا لمن يُحقّق ناتجًا ماديًّا، فتنفصل السلطة الرّوحية عن الحكم الزمني، ويَسود الأخير.
- في الدين: تُختزل الأديان إلى أخلاقٍ اجتماعيةٍ أو إلى ثقافةٍ شعبية، وتُحرم من وظيفتها العرفانية والسياسية.
ومن هنا قول غينون: الحضارة المادّيّة شذوذ في تاريخ البشرية. فقد كانت كلُّ الحضارات السابقة تَعتبر المادّة وسيلةً للعلو، ولا تَقبل أن تُقَدَّم الوسيلةُ على الغاية. وحدها الحضارة الغربية الحديثة انقلب فيها الترتيب.
ومن هنا أيضًا فَهمْنا لماذا ارتبط هذا المفهوم عنده بـ«خرافة التقدم»: إذ لا يُمكن أن يُعتَبر التقدم الصناعي «تقدّمًا» إلا إذا قَبِلنا مسبقًا أنّ الإنتاج هو غاية الحضارة. وهذا هو بالضبط ما تَرفضه الشرق الذي يَحفظ قياسًا آخر للتقدّم: تقدّم الإنسان في المعرفة الميتافيزيقية لا في السيطرة على العالم المحسوس.
شواهد من غينون
“في مسار التاريخ، تظهر الحضارة الغربية الحديثة كشذوذ حقيقي، فهي الوحيدة من بين كل الحضارات المعروفة لدينا بمقدار يزيد أو ينقص، التي تطورت في اتجاه مادّي بحت.” (شرق وغرب، الباب الأول: الحضارة والتقدم)
“والعلم الحديث، بانبعاثه من تحديد تعسّـفي للمعرفة في نطاق خاصّ يقع في أحط المستويات- وهو المنحصر في الواقع المادّي المحسوس- فـَقــَد – بمقتضى هذا التحديد وما ينجرّ عنه مباشرة من تبعات- كل قيمة عرفانية” (أزمة العالم الحديث، الفصل الرابع: العلم المقدّس والعلم العموميّ الدّوني)
“إنها انتصار «التوجّه الاقتصادي»، وهيمنة سيادته المعلن عنها بكلّ صرَاحة.” (السلطة الرّوحية والحكم الزمني، الباب السابع: اعتداءات الملكية ونتائجها)
نصوص الشيخ عبد الباقي مفتاح
“في هذا الكتاب (أزمة العالم الحديث) يشرح الشيخ كيف أنَّ الحضارة المعاصرة سجنت أهلها في المادّية القاتلة، والشخصانيّة الوهميّة والفرديّة المغرورة…” (أزمة العالم الحديث، تقديم المترجم)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
يَصف الشيخ في مقدّمة «أزمة العالم الحديث» الحضارةَ المادّية بتعبيرٍ قرآنيّ: «سجنت أهلها».
كلمةُ «سجنت» هنا مفتاحٌ: لا يَقول الشيخ إنّها أتاحت للناس كلَّ الخيارات؛ يَقول بل العكس: ضَيَّقت عليهم حتى لم يَعد فيها إلا طريقٌ واحد. وهذا هو الاستقلاب الذي يَرصده غينون: حضارةٌ تَتظاهر بالحريّة، بينما هي في الحقيقة تَحصر الإنسان في أضيق ما يمكن.
مثال يقرّب المعنى
قِفْ في عاصمةٍ أوروبيّة أو أمريكية اليوم، وسَلْ نفسك:
- ما الذي يَبني سكّانها؟ المصانع، والأسواق، والمكاتب. لا المعابد، ولا المدارس الدينية، ولا مجالس الذكر.
- ما الذي يحتفلون به؟ إطلاق منتج جديد، وعقد أعمال، وفوز مالي. لا الأعياد المبدئية ولا السنة الدورية.
- ما مقاييس نجاحهم؟ الناتج المحلي، والإنتاج الصناعي، ومعدلات الاستهلاك. لا الفضيلة، ولا التقوى، ولا المعرفة.
- ما الذي يحصّنون أبناءهم به؟ الشهادات التقنية، والمؤهلات المهنية، والانخراط في سوق العمل. لا التربية الروحية.
هذه ليست صورةً سلبيةً لبلدٍ معيّن؛ هذه هي البنية العميقة التي يَتّفق عليها الشرق والغرب الحديث كلاهما، ولأنّها هكذا سمّاها غينون «الحضارة المادّيّة».
صلات
- الأصل الفلسفي: نزعة الفردانية (لا مبدأ فوق الفرد، إذًا لا غاية فوق المادة).
- المعرفة المصاحبة: العلم الظاهري؛ الحياة الدنيا.
- الوعد الحداثي: التقدّم (وهو مقياس الحضارة المادّيّة).
- الإطار التاريخي: انحلال الأمّة المسيحية (السابقة)؛ انفصال البابوية عن الإمبراطورية (البدايات).
- الموقع السياسي: الغرب منشأ الحضارة المادّيّة وإقليمها الأوّل.
- النقيض: التراث الروحي؛ العلم العرفاني؛ الحضارة السوية.
- الذروة: هيمنة الكمّ (وهي الصياغة الميتافيزيقية لِما سَمّاه هنا الحضارةَ المادّيّة).
- الكتب المرجعيّة: أزمة العالم الحديث؛ شرق وغرب؛ السلطة الرّوحية والحكم الزمني.